عدنان إبراهيم يخترع عصمةً لأهل السنة… ثم يسمّي خرافات التشيع عقلًا



وصلنا مقطعٌ لعدنان إبراهيم يقول فيه ما حاصله:
 
إن الشيعي حين يروي أن أئمة أهل البيت معصومون، ثم يبني على ذلك لوازمه، يكون أقل خطرًا على العقل والنفس من السني الذي يقول إن الصحابة غير معصومين، ثم يعاملهم — بزعم عدنان — معاملة المعصومين؛ يترضّى عنهم، ويغفر لهم، ويبرر ما وقع منهم، ولو كان قتلًا وسبيًا واستباحةً وفتنًا.

هذا الخلط والتلبيس لا يُحمل على خطأ عابر، ولا على سوء فهم بريء، ولا على جهل ساذج. الرجل يعرف موضع الخدعة، ويعرف كيف يزوّر صورة مذهب أهل السنة أولًا، ثم يحاكمهم إلى الصورة التي اخترعها هو، ثم يخرج على الناس متكلمًا باسم العقل والمنهج والاتساق.
 
ومن أراد أن يفهم لماذا يتكرر هذا النمط في كلامه، فليبدأ من الباطنية العقائدية التي يحملها بين أضلاعه، وينفثها نفسًا بعد نفس، ثم يكسوها بعبارات العقل والإنصاف والتحرر من التقليد.

الخدعة التي بنى عليها كلامه أنه صوّر المسألة كأنها بين عصمةٍ معلنة عند الشيعة، وعصمةٍ مخفية عند أهل السنة
. وهذا كذب في التصوير قبل أن يكون خطأ في الحكم.

أهل السنة يفرّقون بين ثلاثة أمور: فضل الصحبة، وعدالة النقل، وصواب كل فعل تاريخي.

يثبتون فضل الصحبة، ويقبلون عدالة النقل بضوابطها، ويزنون الأفعال التاريخية بالشرع. فالصحابي عندهم معظّم لصحبته وسابقته، لكنه غير معصوم، ولا يتحول فعله بنفسه إلى دين واجب الاتباع.

والترضّي ليس شهادةً بأن كل واقعة صدرت من الصحابي كانت حقًا، وإنما هو دعاء مبني على أصل الإيمان والصحبة والفضل.
 
ولذلك يستطيع السني أن يقول: رضي الله عنه، وقد أخطأ في كذا. وهذا عين الفرق بين التوقير والعصمة.

عدنان يهرب من هذا الفرق؛ لأنه إذا ثبت سقطت مقارنته كلها من أصلها.

فمصدر التلقي عند أهل السنة هو الوحي، والصحابي ناقلٌ للدين، صاحب فضل وسابقة، يُحفظ له مقامه، وتُوزن أفعاله بالشرع. وأما الإمامية فجعلوا العصمة أصلًا عقديًا، وربطوا بها التلقي والهداية والتشريع، ثم أقاموا عليها سلطة دينية فوق النقد. وهنا موضع الخطر الحقيقي؛ لأن القضية خرجت من أدب التعامل مع رجال التاريخ، ودخلت في صناعة مصدر ديني بعد النبوة.

فالخطر ليس في الترضّي عن صحابي مع الاعتراف ببشريته، وإنما في جعل رجال بعد النبي ﷺ معصومين، ثم تعليق الدين كله على عصمتهم.

ثم يقال لعدنان: من قال لك إن أهل السنة يعاملون الصحابة معاملة المعصومين الذين لا يخطئون؟

هذا أول افتراء.

كتب أهل السنة نفسها تذكر ما وقع من أخطاء واجتهادات وفتن، وتفاضل بين أقوال الصحابة، وترجّح قولًا على قول، وتقرر أن العصمة للأنبياء فيما يبلّغون عن الله. فأين هذه العصمة المخفية التي اكتشفتها وحدك؟ وأين هذا المذهب السني الذي يقول إن كل ما صدر من كل صحابي حقٌّ محض لا يُناقش؟

نعم، وقع من بعض الصحابة خطأ، ووقعت فتن سلّم الله منها من سلّم، وهذا يقرره أهل السنة في كتبهم. لكنهم لم يحوّلوا ذلك إلى أصل ديني، ولم يجعلوا كل واقعة تشريعًا، ولم يرفعوا أحدًا منهم فوق ميزان الشرع. هذه هي الحقيقة التي يطمسها عدنان؛ لأنه لو أقر بها انهدم البناء كله.

ثم يقفز قفزته الثانية، فيأخذ تاريخًا عظيمًا فيه إيمان وجهاد، ونقل قرآن، ورواية سنة، وفتح أمصار، ونشر دين، وإقامة حجة، ثم يختصره في ألفاظ: قتل، وسبي، ونهب، واستباحة.

هذه ليست قراءة علمية للتاريخ، وأقل ما يقال فيها: إنها خصومة باطنية تُسوّد عمدًا صفحة الجيل الذي حمل الوحي إلى الأمة.

جيلٌ سمع من رسول الله ﷺ، وحفظ عنه، وبلّغ دينه، وجاهد معه وبعده، وفتح الله به البلاد، ودخل الناس في الإسلام على يديه، يأتي عدنان فيمسخ صورته الكبرى، ثم يقدّم هذا المسخ على أنه وعي تاريخي وعقل منهجي!

سبحانك هذا بهتان عظيم.

وأعظم ما يطمسه عمدًا أن منزلة الصحابة عند أهل السنة ليست مبنية على خيال أسطوري، ولا على قداسة معلقة في الهواء، وإنما على ضرورة منهجية لا بديل عنها: الصحابة هم الحلقة البشرية التي انتهى إليها سند هذا الدين.

فكل من يقول اليوم: قال رسول الله ﷺ، لا طريق له إلى سنّته، بعد كتاب الله، إلا من جهة الجيل الذي سمع، وحفظ، ووعى، وبلّغ.

فالاحتياط لعدالة الصحابة ليس عصمةً مضمرة، بل شرطٌ لقيام الحجة الدينية أصلًا. ومن أسقط عدالتهم بالجملة لم يُسقط رجالًا من التاريخ فقط، بل أسقط الطريق الذي وصل به كلام رسول الله ﷺ إلى الأمة.

فهل هذا تقديس أعمى، أم حفظ واجب لطريق التبليغ؟

وهنا ينقلب السؤال على عدنان: هل الترضّي مع نفي العصمة أخطر على العقل، أم بناء الدين على رجال معصومين بعد النبوة؟

هذه هي المقارنة الحقيقية التي دفنها عدنان تحت صخب الاتهام.

ثم نأتي إلى سؤاله الذي أراد أن يرفعه، فنرفعه على وجهه الصحيح:

من الأسلم للعقل؟

هذه أحاديث الصحابة، وهذه أقوالهم، وهذا تاريخهم. فتّش فيها كما شئت، وقل لنا: أين مُسّ جناب العقل؟ أين جعلهم أهل السنة آلهة؟ أين قالوا إنهم يعلمون الغيب؟ أين زعموا أنهم يحيون ويميتون؟ أين جعلوا أفعالهم وحيًا؟ أين علّقوا الدين والنجاة بعصمتهم؟

وفي المقابل، انظر إلى ما بُني على دعوى العصمة في الموروث الإمامي من أبواب الغلو: روايات في تحريف القرآن، وروايات في ارتداد جمهور الأمة بعد نبيها، وروايات ترفع الأئمة فوق مقادير البشر، وتجعلهم يعلمون ما كان وما يكون، وتربط الهداية والنجاة بعصمتهم، وتفتح أبواب الطعن في نقلة الوحي وحملة الدين.

ثم انظر إلى ما تفرّع عن هذا الغلو في الواقع الشعبي والشعائري: لطم ونياحة ومواكب، وحكايات كرامات لا زمام لها ولا خطام؛ إمام يحيي، وإمام يميت، وإمام يردّ المقطوع، وإمام يتصرف في الكون، ثم يقال بعد ذلك: هذا أسلم للعقل!

أين العقل في هذا يا عدنان؟

المفارقة التي أردتَ بها إدانة أهل السنة انقلبت عليك.
 
أهل السنة عظّموا صحابةً نقلوا الدين، ولم يجعلوهم معصومين، وجعلوا الوحي فوق الرجال جميعًا.
 
أما الإمامية فجعلوا العصمة أصلًا عقديًا، وبنوا عليها التلقي والهداية والتشريع، ثم خرج من هذا الباب غلوٌّ يطعن في جمهور الأمة ونقلة الوحي.

فخلاصة الرد:
 
عدنان لم يكشف تناقضًا، وإنما اخترع عصمةً سنيةً لا وجود لها، ليستر عصمةً إماميةً يقوم عليها مذهبه. لم يحمِ العقل؛ لكن سوّى بين توقير رجالٍ غير معصومين حملوا الدين، وبين جعل رجالٍ بعد النبي ﷺ طريقًا معصومًا للدين.

وهكذا، باسم العقل… ذهب العقل.