التنصير في موريتانيا: من البذر والاختراق إلى الإشهار والتأسيس
أحمد الحسن إديقبي
إنَّ المدقِّق في تاريخ هذه المنطقة من العالم الإسلامي يلاحظ اهتماماً واضحاً من قبل المؤسسات التنصيرية في شمال أفريقيا خاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين، ولعل من أهم عوامل التنصير في المنطقة:
1ـ فشل جهود التنصير في شبه القارة الهندية نتيجة تمسك شعوب تلك المنطقة بالبوذية والديانات المحلية.
2ـ أهمية شمال أفريقيا الاستراتيجية والإمكانيات الاقتصادية الهائلة التي جعلت منها المنطقة الرئيسة في مجال التسابق الاستعماري الأوربي حين ارتبط التنصير بالاستعمار، ذلك أنه منذ بداية القرن التاسع عشر جاء إلى المنطقة عدد كبير من المنصِّرين في زي الرحالة وكتبوا تقارير كثيرة عن شعوب المنطقة ومواردها الاقتصادية، ومن خلال دراسة هذه التقارير تبين أنها أشارت إلى بداية مشاريع التنصير في المنطقة، وذلك عن طريق إنشاء بعض الخدمات الصحية في شكل عيادات إلى غير ذلك..!
ورغم ما شهدته الشعوب الإسلامية في هذه المنطقة من لحظات الانكسار أمام جحافل الاستعمار، إلا أنها عاشت عقوداً طويلة وهي تُــرَاغـِــمُ سياسات الدول والإمبراطوريات الاستعمارية. ورغم قلة الحيلة وتقدم المد النصراني اليهودي الغازي بكل وسائل الغزو الثقافي والفكري خيلاً ورجلاً، غير أن سلاح الإرادة وقوة الإيمان ظلتا كهف حماية ودرب وقاية يمد شعوب المنطقة بالمقاومة والمُرَاغَمَةِ للعدو الغازي.. حتى ارتد على أعقابه وولى كيده إلى نحره، وتنفست شعوب المنطقة الصعداء، واسترجعت بعد رِسْلِ إغفاءة التغريب في عقود الخمسينيات والسبعينيات صحوها وتيقظها، وبدأت تمزق ثيابها المستبدلة إبان فقد الأصالة... تلك الثياب التي ورثتها طرائق قِدَدًا مطرزة بوشي التحديث الذي يخفي التغريب ويزرع بذور التنصير ويلقي باللادينية في مشاتله؛ رجاء أن تثمر فيحصد في يوم قابل من بذرته حصاداً يؤسس لنقض غزل الإسلام تاريخاً وحضارةً.
ومضت سنوات وعقود كلما نصح واعظ بالتصدي للخطر الداهم تناوشته الألسن والتهم.. وأخيراً تكشفت حقائق النُّذُرِ وبدأنا اليوم نشاهد معالم المشروع القادم للبذرة الخبيثة، إنه مشروع يقوم على ثلاث مراحل:
الأولى مرحلة البذر، والثانية مرحلة الاختراق، والثالثة مرحلة الإشهار وتثبيت الوجود بأقدام راسخة لا تتزحزح...
وقد تجاوزت موريتانيا مرحلة البذر والاختراق.. ودخلت مرحلة جديدة تماماً هي مرحلة تفريخ "الأقلية المسيحية" التي بدأت إرهاصات ظهورها تتضح في شمس الضحى من خلال تهيئة الجو المناسب للمولود الجديد وتَبْيِئَتِه ليُصبح جاهزاً لرعاية المولود المحاط بالرعاية منذ عدة عقود. ذلك ما تكشف عنه بوضوح تصريحات أسقف كنيسة نواكشوط (ارجع لمقابلته مع وكالة الأخبار المستقلة وخطابه بمناسبة السنة الميلادية الجديدة 25-12-2010 رابط المقابلة http://alakhbar.info/intrep/interv/3941-2014-05-04-17-57-21.html) مطالباً بالحريات لممارسي ومعتنقي ديانته من أبناء وطننا ومؤكداً وجود نشاط تنصيري في السر والعلن.. حيث تحدث أسقف نواكشوط عن وجود 4000 مسيحي أجنبي في موريتانيا.. بل إن العديد من الصحف كشفت منذ عدة سنوات عن وجود كنائس غير مرخصة في عدة مناطق من البلاد مع احتجاج من يديرونها بأنها لجاليات إفريقية مسيحية، غير أنه ورغم معقولية الفكرة، إلا أنها ليست مقنعة وتشي بوجود غرض آخر يشكل سنداً لاستراتيجية البذر والاختراق، خصوصاً إذا علمنا أن سهولة اكتساب الجنسية في موريتانيا قد تدفع رعاة خطط التنصير لزرع مواطنين مسيحيين بين ظهرانينا؛ ليشكلوا رافداً قوياً لتعزيز زرع وجود تأسيسي يساند ويعضد المشروع، وربما يقود في مراحل لاحقة لحرق مراحله باتجاه التمكين للطائفة المزعومة والتأسيس النهائي لوجود هذه النبتة الخبيثة، والشر المستطير الذي يجري استنباته دون كلل أو ملل، ودون ضجر من حماة البيضة وحراس العقيدة والدين الحق (إن الدين عند الله الإسلام)... (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).. (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)... (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم).
لقد تجاوزت موريتانيا مراحل هامة على طريق التنصير بفعل عوامل عديدة، من أهمها وجود التربة المناسبة وسهولة الاختراق وترسخ الجهل بالدين في شرائح واسعة من المجتمع، إضافة إلى ترسخ الصراع الطبقي والعرقي الذي جعل شرائح عديدة مستعدة للتحالف مع الشيطان في سبيل تحقيق وضع تظنه أفضل بمعايير تضليلية يمليها الغرب عن طريق وكلائه من دعاة الشرائحية والطبقية الذين يتلقون الدعم السخي منه ويشرف على الكثير من مشاريعهم التي ينمقونها بالإنسانية، خاصة في مناطق الضفة ومناطق مثلث الفقر ومناطق الشرق التي تعاني من الفقر والتهميش.
وقد سيطرت خلال العقدين الماضيين ذهنية تحصيلية استهلاكية مادية جعلت الفرد، بل والمجموعة في بعض الأحيان، مستعدين لبيع الوطن والأمة لقاء دريهمات قليلة ينتزعونها من جيوب أولئك الغزاة المنصرين والمغربين واللادينيين في ظل غياب تام للدولة وأجهزتها التي استطاعت المنظمات التنصيرية أن تخترقها هي الأخرى. وقد مرت البلاد بأيام منعت فيها الصحف ووسائل الإعلام من نشر أي معلومات تتحدث عن هذه المخاطر، واستطاع المنصرون المتدثرون بلحاف المنظمات الإنسانية المهنية العاملة للتصدي للكوارث الطبيعية والتدخل في المجال الإنساني أن تجد غطاءً مناسباً لعملها التخريبي الذي ركز على إفساد القيم الأخلاقية بوصفه أهم وسيلة لسلخ المسلمين من دينهم وتهيئتهم نفسياً لقَبول أي نشاط عقائدي بديل عن عقائدهم الفطرية الأصلية. وقد لوحظ مؤخراً زيادة المنظمات الغربية الناشطة في المجال الإنساني ودعمها للمناطق الفقيرة وفتحها تعاونيات ومحلات تجارية ومخابز وغير ذلك من المشاريع المشبوهة لساكنة بعض القرى الضعيفة والفقيرة، وقد اعتمد المنصرون منذ فترات طويلة أساليب ماكرة خبيثة للتغطية على أعمالهم الخبيثة، فاتجهوا إلى إنشاء منظمات دولية تتدثر بلحاف الإنسانية واتخذوا منها شعاراً كاذباً براقاً للنفوذ إلى أعماق المسلمين، مستغلين الحاجة والفقر والمرض والجهل، وهي ذات العوامل التي نتجت عن السياسات الاستعمارية وهيمنة الرأسمالية المتوحشة، ولعل من المفيد هنا الإشارة إلى أن أخطر أساليبهم تتمثل فيما يلي:
1- نفوذ المنصرين عبر التطبيب، وتقديم الرعاية الصحية للإنسان: وقد ساهم في تأثير هذا الأسلوب عامل الحاجة إلى العلاج، وكثرة انتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة في بعض القرى والمناطق الفقيرة.
2- التنصير عن طريق التعليم: ويتم ذلك من خلال إنشاء وفتح مدارس ذات صبغة تعليمية بحتة في الظاهر، ويتم من خلالها توفير كفالة معيشية يومية للصغار وتقديم نشاطات ترفيهية ومسلية تساعد في استقطابهم وتربيتهم على ما يخطط له المشرفون على تلك المدارس.
3- التنصير عبر وسائل الإعلام: وذلك من خلال الإذاعات الموجهة للعالم الإسلامي، إضافة إلى طوفان البث المرئي عبر القنوات الفضائية في السنوات الأخيرة، فضلاً عن الألعاب الإلكترونية عبر تطبيقات الهواتف وما ينشر في الصحف والمجلات والنشرات الصادرة عن بعض المنظمات المشبوهة. وهذه الوسائل الإعلامية المرئية، والمسموعة، والمقروءة تشارك كلها في دفع عجلة التنصير من خلال مسالك عدة منها:
(أ) الدعوة إلى النصرانية بإظهار مزاياها الموهومة، والرحمة والشفقة بالعالم أجمع.
(ب) إلقاء الشبهات على المسلمين في عقيدتهم وشعائرهم وعلاقاتهم الدينية.
(جـ) نشر العري والخلاعة.
وليس للمسلمين اليوم من عاصم إلا التمسك بدينهم والعض عليه بالنواجذ، والمعصوم من عصم الله (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) وكما قال سبحانه: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).
لكن كيف نواجه التنصير؟
لم يعد من المستساغ أن نواجه المخاطر والتحديات الجديدة بالسكوت والتغاضي بصوت خافت هنا وكلمة هناك، ولا يعقل أن تظل استراتيجية المواجهة مقتصرة على كلمات وخطب جمعة أحياناً ودروس منزلية نادرة وملصقات توزع هنا وهناك. لابد من إنشاء مؤسسات علمية ودعوية تقود هذه المواجهة، ولابد أن يكون العلماء والأئمة والدعاة في المقدمة مضحين في سبيل الله ونصرة لحملات وجهود غير عفوية تتولى استمرار المد المقاوم لغول التنصير الزاحف على القيم. وأكرر أنه ما لم يتقدم العلماء هذه المسيرة ويقودوها تضحية وجهاداً في سبيل حماية الدين وإعزازاً له، فلا يُنتظر من عوام المسلمين أن يكون لهم موقف جاد غير التعاطف العابر الذي لا يؤسس موقفاً ولا يبني عملاً مستمراً يجابه ويحبط هذه المؤامرات المستمرة التي تستهدف بيضة دار الإسلام بخطر محدق داهم.