
عاد اسم إسماعيل حافظ اللامي، المعروف بـ"أبو درع"، إلى الواجهة من جديد، بعد أن داهمت وزارة الداخلية العراقية مواقع تابعة له ولأبنائه وأفراد حمايته في بغداد. انتهت العملية، بحسب ما نُشر عن بيان الداخلية، إلى ضبط ثلاث عشرة سيارة، وكميات من الأسلحة والأموال، واعتقال متهمين اثنين. وتداولت منصات عراقية أخبارًا عن اعتقاله شخصيًا، غير أن البيان الرسمي لم يؤكد ذلك حتى الآن.
وجاءت المداهمة على خلفية مذكرة قبض تتعلق باتهامه باقتحام دائرة تابعة لأمانة بغداد، وتهديد موظفيها وحراسها، بهدف إجبارهم على إرساء إحدى المزايدات لصالحه ولصالح أفراد مجموعته. وهذا وحده يكفي لطرح سؤال كبير عن حجم النفوذ الذي وصل إليه الرجل، حين يصبح السلاح وسيلة ضغط داخل مؤسسة حكومية، وتصبح الدائرة الرسمية ميدانًا لفرض الإرادة بالقوة.
"أبو درع" اسم لم ينسَه العراقيون. ظهر في مدينة الصدر، وارتبط بجماعات مسلحة كانت تتحرك في محيط جيش المهدي، وحمل في وقت من الأوقات لقب "زرقاوي الشيعة" في تقارير إعلامية قديمة. وفي بغداد، خلال عامي 2006 و2007، حين كان الناس يُخطفون على الهوية، وتُلقى الجثث في الشوارع، وتُهجَّر العائلات من أحيائها، كان اسمه حاضرًا في تلك الأيام بوصفه واحدًا من أكثر الأسماء التصاقًا بذلك الرعب.
تتداول أوساط عراقية روايات عن ضحايا بالآلاف، وعن خطف وقتل وتهجير وترويع طال مدنيين من أهل السنة في بغداد ومناطق أخرى. هذه الأرقام مذكورة في التقارير وموثقة في تحقيقات لكن السلطات القضائية تغض الطرف عنها، ومع ذلك، فالحقيقة الأساسية راسخة في ذاكرة عائلات كثيرة لا تحتاج إلى بيان رسمي كي تتذكر أبناءها، ولا إلى تصريح حكومي كي تعرف أسماء الذين كانوا يثيرون الرعب في الشوارع.
والسؤال الذي لا تجيب عنه المداهمة: كيف بقي كل هذا الوقت؟
رجل ارتبط اسمه بكل هذه السمعة الدموية، ثم ظل يتحرك ويتمدد وتكبر شبكاته، حتى وصل السلاح إلى باب مؤسسة حكومية وهدّد موظفيها، فتحركت الدولة. كأنها لم ترَ هذا الاسم طوال السنوات الماضية، ولم تسمع ما يتداوله الناس عنه، ولم تلمس حجم الخوف المحيط به، إلا حين مسّ النفوذ المسلح مصالحها المباشرة وطرق باب إداراتها.
هنا تصبح القضية أكبر من "أبو درع" نفسه. فالرجل، مهما كان خطره، لم يصنع نفوذه في فراغ. هناك بيئة سمحت له بالبقاء، وسلطات مرّت عليه، وأجهزة سمعته، وقوى عرفت حجمه، ثم تركت ملفه يتضخم حتى صار السؤال عن حمايته أشد من السؤال عن جرائمه.
نفت جهات صدرية في مراحل سابقة علاقتها به، وظهرت بيانات تتبرأ في لحظات الحرج. لكن الضحايا أصدق من البيانات، والذاكرة أطول من السياسة. فالناس لا تقيس الحقيقة بما يقال عند الضغط، وإنما بما عاشته في الشوارع، وبما فقدته من أبناء، وبما ظل معلّقًا في صدور العائلات منذ سنوات الدم.
ما حدث لم يكن مفاجأة أمنية. فالناس يعرفون الاسم، ويعرفون صورته، ويعرفون سمعته، ويعرفون أن شيئًا كبيرًا يحميه من الوصول الحقيقي إلى العدالة. لذلك فالسؤال الحقيقي اليوم موجّه إلى كل السلطات التي مرّت وسمعت هذا الاسم وآثرت أن تغلق الباب: هل كان القانون عاجزًا فعلًا، أم كان مربوط اليدين حين يقترب من أصحاب السلاح والغطاء المحمي بالنفوذ الإيراني المليشوي؟
ثلاث عشرة سيارة، وبعض الأسلحة، ومبالغ مالية، واعتقال اثنين من أفراد الحماية، كل ذلك خبر مهم، لكنه لا يكفي كي يسمى عدالة. العدالة تبدأ حين يُفتح الملف كاملًا: جرائم الماضي، المال، السلاح، الحماية، التسهيلات، والجهات التي أدارت وجهها طويلًا وتركت هذه الشبكات تكبر داخل الدولة وحولها.
العراقيون لا ينتظرون خبر مداهمة. ما ينتظرونه هذه المرة جواب واحد واضح وبسيط:
من حمى هذا الرجل كل هذه السنوات؟
ومتى ستعلق مشنقته ومشنقة من كان يمده بالسلاح ويحمي جرائمه ويتغاضى عن ملفه القضائي الإجرامي؟