French | English | Thai (ภาษาไทย) | Shqipe | Türkçe | Indonesian | Tagalog | اردو | عربي | فارسي
 
 
القائمة البريدية
أدخل بريدك الإلكتروني من أجل الاشتراك معنا في القائمة البريدية
عداد الزوار
المتواجدون الآن على الموقع الرئيسي :

( 1890 )



















شبهات وردود
    أرسل لصديق

إغلاق النافذة

المقالات --> المادة المختارة

خصائص أبي بكر الصديق رضي الله عنه (أدلتها، وركائزها، ومدلولاتها) (2)

 

أضيفت في: 23 - 1 - 2023

عدد الزيارات: 61

المصدر: مركز سلف للبحوث والدراسات

الركيزة الثالثة: كمال علم أبي بكر الصديق رضي الله عنه:

ويدلّ على ذلك حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال: «إن عبدًا خيَّره الله بين أن يؤتيَه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده»، فبكى أبو بكر وقال: فدَيناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا! فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المُخيَّر، وكان أبو بكر هو أعلمنا به([57]).

يقول الجاحظ: «وفي معرفة أبي بكر بالذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم بكلامه دون جميع الناس دليلٌ على أنَّهُ المخصوص بحُسن المعرفة وفضيلة الدراية»([58]).

وقد عدّد الجاحظ الدلائل على أن أن أبا بكر كان «المفزع والمرشد بعد رسول الله في المُعضلات، وعند الشُّبهات والحادِثَات»، فذكر منها موقفه يوم الحديبية، وموقفه يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وموقفه في قتال أهل الردة، وموقفه في إنفاذ جيش أسامة، وموقفه من الاختلاف في مدفن النبي صلى الله عليه وسلم، وتوليته لخالد وقد عوتب في ذلك، واستخلافه عمر وقد عوتب في ذلك، ثم قال: «فهل رأيت أبا بكر ضامَّ قومًا قط وجامَعَهم فكان لهم الرأي دونه؟! وهل عُوتب في شيء قط إلا والصواب ما عمل به دون رأي المُعاتِب له؟! وهل أُشير عليه برأي قط إلا وهو المُصيب دون المُشيرينَ عليه؟!»([59]).

ويقول النووي أيضًا في بيان دلائل أعلمية أبي بكر رضي الله عنه: «استدل أصحابنا على عظم علمه بقوله رضي الله عنه في الحديث الثابت في الصحيحين([60]) أنه قال: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه.

واستدل الشيخ أبو إسحاق بهذا وغيره في طبقاته على أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أعلم الصحابة؛ لأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكمة من المسألة إلا هو، ثم ظهر لهم بمباحثته لهم أن قوله هو الصواب، فرجعوا إليه.

وروينا عن ابن عمر أنه سُئل: من كان يفتي الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أبو بكر، وعمر، وما أعلم غيرهما([61]).

وقد سبق قريبًا حديث أبي سعيد في الصحيحين([62]) قال: وكان أبو بكر أعلمَنَا»([63]).

ويقول ابن تيمية في بيان دلائل أعلمية أبي بكر رضي الله عنه، وتقرير الإجماع على ذلك: «أهل السنة يقولون ما اتفق عليه علماؤهم: إن أعلم الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، وقد ذكر غير واحد الإجماع على أن أبا بكر أعلم الصحابة كلهم، منهم الإمام منصور بن عبد الجبار السمعاني المروزي، أحد أئمة الشافعية([64]).

ودلائل ذلك كثيرة؛ فإنه لم يكن أحد يقضي ويخطب ويفتي بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو بكر رضي الله عنه([65])، ولم يشتبه على الناس شيء من أمر دينهم إلا فصَّلَه أبو بكر، فإنهم شكُّوا في موت النبي صلى الله عليه وسلم فبينه أبو بكر، ثم شكُّوا في مدفنه فبينه، ثم شكُّوا في قتال مانعي الزكاة فبينه أبو بكر، وبين لهم النص في قوله تعالى: {‌لَتَدخُلُنَّ ‌ٱلمَسجِدَ ‌ٱلحَرَامَ إِن شَاءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ} [الفتح: 27]، وبيَّن لهم: أن عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة، ونحو ذلك، وفسر الكلالة فلم يختلفوا عليه.

ومع قيامه بأمورٍ من العلم والفقه عجز عنها غيرُه حتى بيَّنَها لهم، لم يُحفَظ له قول يخالف فيه نصًّا، وهذا يدل على غاية البراعة والعلم»([66]).

ويقول ابن كثير في تقرير أعلمية أبي بكر رضي الله عنه بالقرآن: «كان الصديق رضي الله عنه أقرأَ الصحابة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قدَّمَه إمامًا للصلاة بالصحابة، مع قوله: «يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله»([67])»([68]). «وهي من خصائصه التي لم يشركه فيها أحد، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن تصلي خلف أحد في حياته بحضرته إلا خلف أبي بكر»، كما يقول ابن تيمية([69]).

والحديث في ذلك جاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: مرض النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد مرضه، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، قالت عائشة: إنه رجل رقيق، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، فعادت، فقال: «مُرِي أبا بكر فليصلِّ بالناس، فإنكن صواحب يوسف»، فأتاه الرسول، فصلى بالناس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم([70]).

يقول ابن رجب: «استدلّ البخاري بهذا الحَدِيْث عَلَى أن أهل الفضل والعلم أحق بالإمامة من غيرهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر من بين الصَّحَابَة كلهم بالصلاة بالناس، وروجع فِي ذَلِكَ مرارًا وَهُوَ يأبى إلا تقديمه فِي الصلاة عَلَى غيره من الصَّحَابَة، وإنما قدمه لعلمه وفضله؛ فأما فضله عَلَى سائر الصَّحَابَة فهو مِمَّا اجتمع عَليهِ أهل السنة والجماعة، وأما علمه فكذلك، وقد حكى أبو بكر ابن السمعاني وغيره إجماع أهل السنة عليه أيضًا»([71]).

ويقول السيوطي في تقرير أعلمية أبي بكر رضي الله عنه بالسنة: «وكان -مع أعلميته بالقرآن- أعلمَهم بالسنة، كما رجع إليه الصحابة في غير موضع يبرز عليهم بنقل سنن عن النبي صلى الله عليه وسلم يحفظها هو، ويستحضرها عند الحاجة إليها، ليست عندهم، وكيف لا يكون كذلك وقد واظب على صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام من أول البعثة إلى الوفاة؟! وهو مع ذلك من أذكى عباد الله وأعقلهم.

وإنما لم يرو عنه من الأحاديث المسندة إلا القليل لقصر مُدَّتِه، وسرعة وفاتِه بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فلو طالت مُدَّتُه لكثر ذلك عنه جدًّا، ولم يترك الناقلون عنه حديثا إلا نقلوه عنه، ولكن كان الذين في زمانه من الصحابة لا يحتاج أحد منهم أن ينقل عنه ما قد شاركه هو في روايته، فكانوا ينقلون عنه ما ليس عندهم»([72]).

وقد ذهب ابن قاوان إلى أفضلية علي رضي الله عنه في العلم والقرابة وبعض خصائصه المختصة به، وقد بيَّنَّا أن الدليل على خلاف ما قال([73]).

ثالثًا: مدلولات الصحبة الخاصة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه:

وهذه الصُّحبَة الخاصَّة التي بينا أدلتها وركائزها تدل على أمرين:

الأمر الأول: أفضلية أبي بكر رضي الله عنه على سائر الصحابة:

ولهذا قال ابن حجر مُعلِّقًا على حديث أبي الدرداء المتقدّم الذي بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم اختصاص أبي بكر بصحبته بقوله: «فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟!»: «في الحديث فضل أبي بكر رضي الله عنه على جميع الصحابة»([74])، وقد شهد له بتلك الأفضلية أكابر الصحابة كعمر وعليٍّ وابنِ عُمَر وعائشة رضي الله عنهم([75])، وهو إجماعٌ من الأُمَّة، حكاه غير واحد، منهم الإمام الشافعي، كما نقل البيهقي بسنده عن أبي ثور عن الشافعي أنه قال: «ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة، وإنما اختلف من اختلف منهم في علي وعثمان، ونحن لا نخطِّئ واحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعلوا»([76]).

ووجه دلالة الصحبة الخاصة على الأفضلية يبيَّنه ابن تيمية بقوله: «والأفضلية إنما تثبت بالخصائص لا بالمشتركات.. وقد قال العلماء: ‌ما ‌صحّ لعلي من الفضائل فهي مشتركة، شاركه فيها غيره، بخلاف الصديق، فإن كثيرًا من فضائله -وأكثرها- خصائص له، لا يشركه فيها غيره»([77]).

وما قرره ابن تيمية من انتفاء خصائص علي رضي الله عنه الدالة على أفضليته لا يخالف فيه إلا من يخالف في أفضلية أبي بكر رضي الله عنه على سائر الصحابة، من الرافضة والزيدية وغيرهم ممن تأثر بهم.

وقد قرر عدد من الأشاعرة عينَ ما قرره ابن تيمية من انتفاء خصائص علي رضي الله عنه الدالة على أفضليته، بمعنى أنه أكثر الصحابة رضي الله عنهم ثوابًا عند الله، وفي ذلك يقول الشمس الأصفهاني في رده على النصير الطوسي: «ولا نسلّم أن ما اشتهر ونقل من سخاوته وزهده وشرف خلقه وحلمه وعبادته وطلاقة وجهه يدلّ على أنه أزيدُ وأفضل من غيره في هذه الصفات، بل غايته أنه يدلّ على اتصافه بهذه الصفات، واتصافه بهذه الصفات لا يقتضي زيادته على غيره في هذه الصفات»([78]).

ويقول: «وأما اتصافه -كرم الله وجهه- بالكمالات النفسانية والبدنية والخارجية فيدل على أنه كان كاملًا فاضلًا، ولا يدل على أنه أفضل من غيره من الصحابة»([79]).

ويقول: «ولا نسلم أن عليًّا أعلم الصحابة… ولئن سلم أنه أعلم الصحابة وأنه أفضل بالنسبة إلى فضيلة العلم، فلا يلزم أن يكون أفضل من غيره مطلقًا، لجواز اختصاص غيره بفضيلة غير فضيلة العلم يكون بها أفضل من علي رضي الله عنه»([80]).

وقال الخيالي: «اجتماع الكمالات العلمية والعملية لا اختصاص له بعلي بن أبي طالب، بل هو متحقق في غيره أيضًا، وأما حديث الشجاعة والقدرة الكاملة فعلى تقدير اختصاصها به لا يدلان إلا على الأفضلية بمعنى كثرة الخصال الحميدة فيه، والكلام في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب عند الله تعالى»([81]).

وفي كل من هذه النُّقُول ردٌّ على من زعم من المبتدعة المعاصرين أن ابن تيمية انفرد بالقول بأن فضائل أبي بكر رضي الله عنه خصائص لا يشركه فيها غيره من الصحابة، بخلاف فضائل علي رضي الله عنه.

الأمر الثاني: المشاكلة والمشابهة بين أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبين النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات:

وهذه الدلائل الدالةُ على الصحبة الخاصّة بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه تدلُّ على المشاكلة والمشابهة بينهما في الصفاتِ؛ إذ المشاكلة والمشابهة علّة المحبَّةِ.

ومن لطيف ما استدل به أهل العلم على تلك المشابهة «أن ابن الدّغنة سيد القارة لما ردّ إلى أبي بكر رضي الله عنه جواره بمكة وصفهُ بنظير ما وصفت به خديجة النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم لما بُعث، فتواردا فيهما على نعتٍ واحد من غير أن يتواطآ على ذلك، وهذا غايةٌ في مدحه؛ لأنَّ صفاتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم منذ نشأ كانت أكملَ الصفات»([82]).

والمقصود بتلكم الأوصاف قول ابن الدغنة لأبي بكر: «فإنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».

يقول أبو عثمان الجاحظ: «ولا أحدَ أشبَه بالرئيس ممن اختاره الرئيس وزيرًا وصاحبًا، ومُكانفًا ومُعينًا؛ لأن الرجل إذا كان في رأي العين صاحبَ أمر الرئيس، والمتولي على الخاصة والقربة منه في ظعنه ومقامه وخلواته وهربه واستخفائه، وكان هو المبتدِئ بالكلام عنده، والمفزع في الحوائج بعده، والثاني في الدعاء إلى الله ودينه، ولا نعلم هذه الخصال اجتمعت في غير أبي بكر الصديق رضي الله عنه»([83]).

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([57]) أخرجه البخاري (466، 3654، 3904)، ومسلم (6245، 6246).

([58]) «العثمانية» (ص: 85). وانظر: «الرياض النضرة في مناقب العشرة» (2/ 49-50).

([59]) «العثمانية» (ص: 86).

([60]) أخرجه البخاري (1399، 1400، 2946)، ومسلم (32).

([61]) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (2/ 334).

([62]) تقدّم تخريجه.

([63]) «تهذيب الأسماء واللغات» (2/ 190).

([64]) هو الإمام أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، وسيأتي في كلام ابن رجب نقل الإجماع عن ابنه أبي بكر محمد.

([65]) انظر: «الرياض النضرة في مناقب العشرة» (2/ 61-62).

([66]) «منهاج السنة» (7/ 500-507) بتصرُّف.

([67]) أخرجه مسلم (1477).

([68]) نقله السيوطي في «تاريخ الخلفاء» (ص: 116).

([69]) «فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه».

([70]) أخرجه البخاري (678) ومسلم (624). وأمْرُ النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالصلاة بالناس من تعريضه بخلافته، انظر: «الاستيعاب» لابن عبد البر (ص: 376)، و«منهاج السنة» لابن تيمية (8/ 549).

([71]) «فتح الباري» (6/ 112).

([72]) «تاريخ الخلفاء» (ص: 117).

([73]) ومع ذلك فإن ابن قاوان صرح بأن ما ذكره من أفضلية علي في العلم والقرابة لا يدل على أفضليته مطلقًا. انظر: «شرح العقائد العضدية» لابن قاوان (ص106).

([74]) «فتح الباري» (11/ 42). وانظر: «فتح الباري» (3/ 193).

([75]) قول عمر: أخرجه البخاري (3660)، والترمذي وصححه (3918). وقول علي: أخرجه البخاري (3662). وقول ابن عمر: أخرجه البخاري برقم (3647) في باب (فضل أبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم)، وقول عائشة: أخرجه مسلم (4379). وانظر: «شرح صحيح مسلم» للنووي (15/ 154)، و«جامع المسائل» لابن تيمية (7/ 264)، و«تاريخ الإسلام» للذهبي (2/ 68).

([76]) «مناقب الشافعي» (1/ 434)، و«الاعتقاد» (ص: 522). وانظر: «منهاج السنة» (7/ 286-287، 368-369). ووقعت كلمة الشافعي عند ابن حجر في «الفتح» (11/33) معزوةً للبيهقي: (أجمع ‌الصحابة ‌وأتباعهم على أفضلية أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي). وهو سهو، إذ ليس في رواية أبي ثور عن الشافعي حكاية الإجماع في شأن عثمان وعلي رضي الله عنهما.

([77]) «منهاج السنة» (7/ 121).

([78]) «شرح تجريد العقائد» (3/ 492).

([79]) «شرح تجريد العقائد» (3/ 494).

([80]) «شرح تجريد العقائد» (7/ 491-492).

([81]) «شرح الخيالي على نونية الخضر» (ص: 324).

([82]) «الإصابة في تمييز الصحابة» (4/ 149) لابن حجر، ونحوه في «منهاج السنة» لابن تيمية (8/ 549).

([83]) «العثمانية» (ص: 50).      

 


سجل تعليقك