French | English | Thai (ภาษาไทย) | Shqipe | Türkçe | Indonesian | Tagalog | اردو | عربي | فارسي
 
 
القائمة البريدية
أدخل بريدك الإلكتروني من أجل الاشتراك معنا في القائمة البريدية
عداد الزوار
المتواجدون الآن على الموقع الرئيسي :

( 3623 )



















شبهات وردود
    أرسل لصديق

إغلاق النافذة

المقالات --> المادة المختارة

الدِّعاية الموحِّديّة ضدَّ دولة المرابطين السلفيّة (قراءة تحليليّة في رسائل محمد بن تومرت) 2

 

أضيفت في: 9 - 11 - 2022

عدد الزيارات: 160

المصدر: مركز سلف للبحوث والدراسات

المطلب الثاني: ركائز الدِّعاية الموحدية ضدَّ المرابطين:

بعد أن فرغنا من بيان المقدّمات الأساسية التي تُعطي تصوّرًا على واقع العقيدة في المغرب في ذلك العصر، وشخصية ابن تومرت المتمرّد عليها، نأتي للنظر في الدعاية لدولته في أوساط القبائل البربرية، والتي كانت دعاية دينيّة بحتَة، وسنقصر النظر في عناصر الدعاية المسلَّطة ضدَّ المرابطين السلفيين، والتي أوجبت تكفيرَهم واستباحةَ دمائهم والخروجَ على دولتهم، دون التي كان فيها تقريرٌ للعقائد الجديدة التي جاء بها.

الفرع الأول: تنزيل أحاديث أشراط الساعة على المرابطين وأحاديث الطائفة المنصورة على أتباعه:

أوّل شيء يُلفت الانتباه في رسائل ابن تومرت -وهو يتحدث عن المرابطين- تنزيلَه لكلّ ما بلغه من أحاديث أشراط الساعة التي تتضمّن الذمَّ لأناس في آخر الزمان على المرابطين، ففي إحدى رسائله جمَع علامات من سماهم: “المبطلين من الملثَّمين والمجسِّمين” من الأحاديث النبوية وأوصلها إلى عشرين صفة، هي: أنهم الحفاة، والعراة، والعالة، ورعاء الشاء والإبل، والجاهلون بأمر الله تعالى، وأنهم ملوك، ويأتون في آخر الزمان، ويتطاولون في البنيان، ويلدون مع الإماء، وأنهم صمّ عن الحق، وبكم عن الحقّ لا يقولون به، وأنهم مضيِّعون للأمانة، وفي أيديهم سياط كأذناب البقر، وأنهم يعذِّبون الناس ويضربونهم، ورؤوس نسائهم كأسنمة البخت، وكاسيات عاريات، ومائلات عن الحقّ، ومميلات لغيرهن، وأنهم يغدون في سخط ويروحون في لعنة([39]). والملثّمون هم المرابطون الذين ينتمون إلى قبائل بربرية، كان تَلثّمُ الرجالِ عادةً لهم، وهي عادة باقية في بعض قبائل الصحراء إلى يومنا هذا.

والقصدُ من صنيع ابن تومرت هذا واضحٌ، وهو الإمعان في التغرير بالأمّيين وأشباههم من البربر؛ الذين كان لهم ميل طبعي إلى مناصرة كلّ خارج على الحكم ومتمرّد على السلطان([40])، ولا شكّ أنّ تصوير الحكام بصورة بشعة والزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تحدّث عنهم بالسوء مما يزيد في الشَّحن ضدَّهم وفي تقوية ذلك الطبع في نفوس العامّة.

وفي الجهة المقابلة نجد ابنَ تومرت قد حمل أحاديث الطائفة المنصورة والغرباء على جماعته، وقد بوَّب بعضَ الأحاديث بما يؤكِّد انطباقها عليهم كقوله: “باب في أن الطائفة التي تقاتل على الحقّ في آخر الزمان بالمغرب”، وقوله: “بابٌ في أنّ الله يفتح الدنيا كلّها لأهل الغرب”([41]). كما ادّعى أنّه هو المهدي المنتظَر ظهورُه في آخر الزمان، وكان دافعُ هذا الادعاء المصلحة السياسية لا الاقتناع العقديّ([42])، فهو لا يختلف عن ادّعائه النسب الشريف القرشيَّ العربي؛ إذ الغاية هي تحقيق شرط استحقاق الإمامة دون المرابطين البربر، الذين لا يتوافر فيهم شرط القرشية، وبعد موته وانتقال الخلافة إلى عبد المؤمن بن علي الكومي البربري أيضا ادُّعيَ له النسب الشريف من جهة إحدى جدّاته، ووصل نسبه البربريّ بقيس بن عيلان للغاية نفسها([43]).

الفرع الثاني: الإصرار على وصم المرابطين بالمفسدين وبالجهال:

ومما يلاحَظ أيضًا في تلك الرسائل حرصُ المهدي على أن يجعلَ دعوته إصلاحية ضدَّ الفساد، وعِلمية ضدَّ الجهل؛ لذلك نجده يشنّع على المرابطين بأنواع المنكرات الموجودة في الرعية أو الأمراء أو القضاة، وقد ذكر منها الإسرافَ والتبذير وأكلَ أموال اليتامى وقطع الطريق وسفك الدماء، وخصَّ أبوابا لبيان وجوب جهاد من استحلّ الأموال والأعراض والدماء، ومن ضيّع السنن ومنع الفرائض، ومن ارتكب المناكر، ومن يقول ما لا يفعل([44])، ولا شكّ أنّ النفوس كلَّها تتطلّع إلى الإصلاح ومحاربة الفساد، وأنّ كلّ من طمح في الحكم يجعل الإصلاح وعْدَه والفسادَ صفةَ خصمِه، لكنْ اللافت للنظر أن ابن تومرت ركّز كثيرا على وصف خصومه بالجهل، وعلّة ذلك محاولة محو الصورة البرّاقة التي اكتسبتها دولة المرابطين من أنّها دولة الفقهاء، وهو إذا صوّر خصومه بالجهل؛ فإنّ وصف العلم سيكون خاصيته وخاصية أتباعه، كما أنّه إذا وُصف أتباعه بالموحدين فإنّ خصومه سيكونون في نظر الأتباع على الضدّ من ذلك، وممّا يدلّ على هذا التركيز والحرص أنّه حين عدّد علاماتهم في الأحاديث ذكر الجهلَ بالشرع علامةً مفردة، ولما ذكر أنهم صمّ وبكم قال: “وكل ذلك راجع إلى الجهل والعدول عن الحق”([45]). فصارت ثلاث علامات كلها راجعة إلى الجهل، وقال في موضع آخر وهو يحرّض على عصيان المرابطين: “وحرَّمَ -أي: الله تعالى- طاعة الجاهلين”([46]).

وذكر في إحدى رسائله أصنافَ المعاونين للمرابطين، فخصّ منهم الفقهاءَ الذين وصفهم بالمكر واتباع الهوى، وقال: “منهم الملبِّسون -أعني المكّارين- الذين يضلّونهم بغير علم، ويتوسّلون بفُتياهم إلى باطلهم وأهوائهم؛ كلّما سألوا عن شيء أفتوهم به على وفق ما وافق أهواءهم وأغراضهم، فضلّوا وأضلوا”([47]).

وفي رسالة أخرى قسّم خصومه إلى ثلاثة طوائف، وجعل الفقهاء شرَّ الثلاثة، حيث قال: “الذين شمّروا وتجرّدوا لهدم الدين وإماتته، أعني أهل التجسيم الملثَّمين، والبرابر المفسدين، والمكّارين الملبّسين من الطلبة وهم شرّ الثلاثة؛ تسمّوا بالعلم ونسبوا أنفسهم إلى السّنة وتزينوا بالفقه والدين، وتعلّقوا بالكفرة وانحازوا إلى جنبتهم، واستفرغوا مجهودهم في معونتهم وفي طلب مرضاتهم”([48]).

وكلّ هذا الإصرار والتكرار مقصوده نزع الثقة في العلماء من نفوس العامة، وكذا الإجابة عن تساؤل أكثر من وارد يومها، وهو: إذا كان المرابطون أهل فساد في الاعتقاد والعمل، فلم نرَ الفقهاء في صفهم قبل الثورة وبعدها؟! فهو قد أجاب عن هذا التساؤل بأنهم ملبسون يصدرون الفتاوى على وفق الأهواء، وأنهم أيضا ممن يقولون ما لا يفعلون.

يؤكد ذلك قوله في رسالة خارج مجموع “أعز ما يطلب”: “واعلموا -وفقكم الله- أن المجسمين والمكّارين وكل من نسب إلى العلم أشدّ في الصد عن سبيل الله من إبليس اللعين، فلا تلتفتوا إلى ما يقولون؛ فإنه كذب وبهتان وافتراء على الله ورسوله”([49]).

الفرع الثالث: نبز المرابطين وتلقيبهم بالمجسمين:

إنّ أكثر شيء كرّره ابن تومرت في رسائله هو نبزه المرابطين والعلماء المؤيدين لهم بأنهم مجسّمون، وقد أحصيت في ذلك نحو أحد عشر موضعا([50])، منها قوله: “وتجسيمهم وكفرهم أكبر، وهذا الباب اشتهاره وانتشاره يغني عن بيانه وتفصيله؛ يعني تجسيمهم وكفرهم وباطلهم والضروري لا يحتاج إلى دليل”([51]). ومنها قوله وهو يقرّر وجوب مخالفتهم: “وكذلك المجسّمون الكفار، وهم يتشبّهون بالنساء في تغطية الوجوه بالتلثّم والتنقيب”([52])، ومنها قوله في آخر رسالة دعائية له: “تمَّ القول في المجسمين، والحمد لله وحده”([53]).

وقد سبق أن العقيدة التي كانت سائدة في ذلك العصر هي عقيدة الإثبات والتنزيه، وهي عقيدة السلف، ولم يجد ابن تومرت طريقة لتنفير العامة عنها إلا بهذا النبز الذي يعلم هو أنه مجرد إلزام لأهل الإثبات الذين يبرؤون إلى الله من التشبيه والتجسيم، كما أن الأشعري يُعتبر عند المعتزلي مجسمًا([54])، والمعتزلي نفسه يعتبر عند الفيلسوف مجسّمًا([55]).

وقد أفرط ابن تومرت في جانب النفي، حتى إنه ليوهم قارئ بعض نصوصه أنه جهمي صرف لا يثبت لله صفة، والواقع أن دافع ذلك الإفراطِ هو حرصه على محو عقيدة التجسيم التي انتشرت في وقته كما عبّر ابن رشد الحفيد (ت: 595هـ)([56]) الذي عاش في كنف هذه الدولة وحمايتها، ومن تتبّع آراءه العقدية في كتاب “أعز ما يطلب” وجدها متطابقة مع آراء الجويني إلى حدٍّ كبير، وقد قرّر ابن تيمية هذا موضع حيث قال: “ولهذا كان المغاربة الذين اتّبعوا ابن تومرت المتّبع لأبي المعالي أمثل وأقرب”([57])، يعني: هم أقرب إلى الحق من الجهمية والفلاسفة، وإذا كان الجويني كان قد مال إلى المعتزلة، وخالف متقدمي الأشاعرة في قضايا كثيرة وعلى رأسها الصفات الخبرية، فإنه من الطبيعي أن يوصف ابن تومرت بالميل إلى المعتزلة بالتبع، هذه خلاصة نظرٍ لعلّي أفرده ببحث مفرد بإذن الله تعالى.

الفرع الرابع: المجاهرة بتكفير المرابطين بسبب التجسيم:

لم يكتفِ ابن تومرت بوصف المرابطين بالتجسيم الذي قد يحمل على معنى الابتداع؛ بل أكّد على كون المجسّمين كفّارا مرتدّين عن دين الله تعالى، وذلك تنفيرا للناس عنهم وإباحة لدمائهم أيضا، فذكر في موضع تحت عنوان “تحريم معونة المرابطين وتصديقهم” حديث: «أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي»([58]) وقال: “وفيه تنبيهٌ على طوائف أهل الباطل الذين تركوا دينهم بعده، وارتدوا وبدّلوا وغيّروا وجسّموا وعاندوا الحق”([59]). فجعل من المبدّلين المرتدّين من يصفهم بالتجسيم، والتبويب المذكور وسياق الرسالة يجعل الحكم موجَّها إلى خصوص المرابطين.

وقال ابن تومرت في موضع آخر: “حرّم الله تعالى طاعة المجسِّمين والمرتدّين واليهود والنصارى”([60]). فقرنهم باليهود والنصارى وقدّمهم عليهم، وقال في موضع آخر: “فجهاد الكفرة الملثَّمين قد تعيّن على كلّ من يؤمن بالله واليوم الآخر، لا عذرَ لأحد في تركه”([61])، وهذا التكفير كان سببُه الرئيس هو تهمة التجسيم، وهو قد جعل التوحيد مقابلًا للتجسيم، فجماعته هم الموحّدون، لا موحّد إلا من اعتقد عقيدتهم، ويقابلهم الكفرة المرتدون الذين خرجوا من التوحيد بسبب التجسيم، وقد بحثتُ في كلامه عن سبب آخَر للحكم عليهم بالكفر فلم أجد، إلا أن يكونَ تكفير الأتباع والمعاونين -كما سيأتي- ولكن ذلك تابع لتكفير المتبوعين الذين ارتدّوا بسبب التجسيم، فهؤلاء كفروا بسبب الاعتقاد، والأتباع كفروا إما للاعتقاد أو للموالاة.

ووجدتُ نصًّا فيه التكفير بسبب تهمة استحلال المحرمات في غير هذا المجموع، حيث يقول في رسالة إلى الموحدين: “واستحلّوا الحرام حتى صار مطعهم ومشربهم وملبسهم ومسكنهم ومركبهم، واستحلوا ذلك كله فزادوا به كفرا على تجسيمهم”([62])، ولا يخفى أن استحلال الحرام بالتأويل لا يُعدّ كفرًا، وإلا كانت استباحة ابن تومرت لقتال مخالفيه تعدّ أيضا كفرًا في نظر كل مخالف له، ولا أظن هذا كان خافيا على ابن تومرت الذي جعل هذا الاستحلال الذي لا يمكنه إثباته نافلة بعد ثبوت التكفير بالتجسيم كما هو نصه.

الفرع الخامس: تعميم التكفير للاتباع والمعاونين واستباحة دمائهم:

لم يقنع ابن تومرت بتكفير الفقهاءِ الذين كانت تهمتهم الأساسيّة التجسيم؛ حتى عدّى الحكم إلى كلّ المعاونين والمؤيدين للمرابطين، فقال في رسالة خصّها لأصناف المعاونين للمرابطين: “ومن أعوانهم المرتدّون الذين رجعوا إليهم، وباعوا دينهم بعرض من الدنيا، يصبح أحدهم مؤمنا ويسمي كافرا يبيع دينه… وفتنة الدين أكبر من هذا، لا فتنة ولا مصيبة أعظم من الارتداد والتبديل والتغيير”([63]).

ومما يتبع التكفيرَ استباحةُ الدماء، وقد شمل هذا كلَّ الأصناف من المخالفين من المرابطين وفقهائهم وجنودهم والموالين لهم([64])، وشرح في موضع أسباب استباحة دمائهم -مع أنه كان ينكر ذلك عليهم- فقال: “باب وجوب جهادهم على الكفر والتجسيم وإنكار الحق واستحلال دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم”([65])، فذكر أسبابًا أربعة عطفها على بعض، ولم يُفصّل في هذا الباب الفرق بين الكفر والتجسيم، ثم بيّن أنّ القتال لا يكون فقط على الكفر، بل يكون بأسباب أخرى، منها عدم الرضوخ للحق، ومنها تضييع السنن ومنع الفرائض، وذكر تحت هذا السبب قتالَ أبي بكر رضي الله عنه لمانعي الزكاة؛ ثم فرّع على ذلك وقال: “كلّ من منع فريضةً من فرائض الله حقّ على المسلمين جهاده حتى يأخذوها منه، فكيف من منع الإيمان والدين والسنة”([66])، وذلك أنه لم يجد عند المرابطين تعطيلا للسنن ولا منعًا للفرائض، وختم مبررات الجهاد بقوله: “باب في وجوب جهادهم على العناد والفساد في الأرض”، ونحن نرى أن ابن تومرت استفرغ وسعَه في ذكر الأسباب الشرعية التي تبيح له ولأتباعه قتال المرابطين وأعوانهم، فذكر الكفر والردة والتجسيم، وعطف عليها أشياء تدخل في مسمى الردة كإنكار الحق واستحلال المحرمات، وأمورا أخرى توجب القتال حتى ولو لم توجب الردّة وهي تضييع السنن، والسنن في اصطلاح المالكية يشمل شعائر الدين نحو الأذان والختان ونحوها، وذكر منع الفرائض ومثّل بالزكاة، وأخيرًا ذكر الإفساد في الأرض الذي هو قطع الطريق، وهذا يبيّن لنا جليًّا أن ابن تومرت استباح القتال والخروج على الدولة القائمة بعد تكفيرها واعتقاد عدم شرعية حكمها، وهذا يؤكّد الصبغة الدينية لحركته، خلافا لما عهد في التاريخ من حروب بين الدول، فأهلها في أكثر الأحيان لم يكونوا محتاجين ولا مستندين لتأصيلات شرعية، ولا فتاوى لثوراتهم أو اعتداءاتهم، ومن جهة أخرى فإننا نجد دقّة متناهية في تعداد أسباب الجهاد، وليس فيها شيء من التكفير بالمعاصي.

وهذا يجعلنا ننفي تهمة الخارجية التي أُلصِقت بابن تومرت نفيًا قاطعًا، كيف وهو أشعريّ يقول: إن الإيمان هو التصديق فقط([67])، وتبقى تلك التّهمة مجردَ رأي صادر عن استنكار توسُّع ابن تومرت وأتباعه في استباحة الدماء([68])، ولكن هذا ليس خاصّا بدولة الموحدين، وما لقِّب السفاح في دولة بني العباس بالسفاح إلا لسفك الدماء، ثم إنّ تجاوزَ الحدّ في التكفير لا يقتصر على التكفير بالكبيرة وهذه هي خاصية الخوارج، بل إن التجاوز يكون بالتكفير بغير ذلك كالتقليد في الاعتقاد عند المعتزلة والأشاعرة، وكالتكفير بالخلاف في أمور الاعتقاد دون مراعاة للأحوال والأعذار والموانع، ولا ظهور المسائل وخفائها، ولا كونها منصوصة أو مولّدة من بنات العقول، وهذا عند جميع الفرق الإسلامية عدا أهل السنة المحضَة، وابن تومرت قد كفّر المخالفين له بهذا النوع الأخير، حيث اعتبر إثبات الصفات الخبرية تجسيمًا، ثم ركب على ذلك تكفير المخالفين سواء كانوا حكّامًا أو علماء أو أتباعًا، وليس في هذا خروجٌ عن الأشعرية، بل هو تطبيق لها -على أنّ لبعضهم رأيًا مخالفًا لهذا([69]) ورواية يروونها عن الأشعري في التراجع عن تكفير المخالفين من أهل القبلة([70])-، وأمّا القتال للمخالفين فليس مستغربًا من أشعريّ يكفّر المخالف، كما لا يستغرب القتل للمخالفين من المعتزلة لما كان لهم السلطان، فاستباحةُ الدماء ليس خاصًّا بالظلمة من ذوي السلطان، بل هو في الطوائف الدينية أكثرُ من غيرها، كان لها سلطان أم لا، فإذا كان لها السلطان أمكنها تنفيذ ما تمليه عليه عقيدتها، وهذا هو الواقع مع ابن تومرت الأشعريّ، ومن نصوصه الواردة عنه خارج المجموع قوله: “إن جهادكم فرضٌ على الأعيان على كلّ من فيه طاقة على القتال، واجتهدوا في جهاد الكفرة الملثَّمين، فجاهدهم أعظم من جهاد الروم وسائر الكفرة بأضعاف كثيرة؛ لأنهم جسَّموا الخالق سبحانه وأنكروا التوحيد وعاندوا الحقَّ”([71]).

الخاتمة: وفي الأخير، وبعد هذه الجولة التاريخية والتطواف في كتاب “أعز ما يطلب” تنقيبًا عن عناصر الدعاية الموحدية ضدّ المرابطين؛ نكون قد توصّلنا إلى الإجابة عن الإشكال الأساس المتعلّق بسرّ التحوّل السريع للناس من العقيدة السلفية إلى الأشعرية، حيث تمّ توثيق ما نقله المؤرّخون من التكفير للمخالفين واستباحة دمائهم لأجل رفضهم للعقيدة الأشعرية، والذي يُبيّن أنّ ما هو مذكور في كتب التاريخ من سفك للدماء لم يكن غرضه سياسيًّا، وهو إعلان الولاء للدولة الجديدة فحسب؛ بل كان الدم لا يُعصم حتى يعلنَ الإيمان بالعقائد التي فرضها ابن تومرت([72])، وهي في جملتها العقائد الأشعرية مع أمرٍ آخرَ متعلِّق بشخصه وهو القول بأنه المهديّ المعصوم، ولم يكن ذلك مجرَّد ردةِ فعل عابرة كما يزعمه بعض المدافعين عن ابن تومرت والأشعرية في عصرنا، وهذا ما وثّقه المقريزيّ حيث يقول: “فلذلك صارت دولة الموحدين ببلاد المغرب تستبيح دماء من خالف عقيدة ابن تومرت… فكم أراقوا بسبب ذلك من دماء خلائق لا يحصيها إلّا الله خالقها سبحانه وتعالى، كما هو معروف في كتب التاريخ، فكان هذا هو السبب في اشتهار مذهب الأشعريّ وانتشاره في أمصار الإسلام، بحيث نسي غيره من المذاهب”([73]). وإذا أردنا التدقيق أكثر قلنا: هو سبب انتشار الأشعرية بفهم الجويني وتلاميذه، الذي يختلف عن عقيدة متقدمي الأشاعرة ويميل إلى الاعتزال في أشياء غير قليلة.

كما يمكننا أيضا تسجيلُ النتائج الآتية:

– لقد تطابقت الشهادات من المؤرخين من مختلف التوجهات والمذاهب أنّ أهل المغرب الإسلامي إلى عهد المرابطين كانوا على عقيدة السلف في الغالب الأعم، ولم يكن قد انتشر فيهم علم الكلام ولا المذهب الأشعري.

– إنّ ابن تومرت قد أتمّ تكوينه العالي في المشرق، فتمكن من علم الكلام وتبنى الأشعرية، فلمّا رجع إلى المغرب عزم على إحداث انقلاب على العقائد، وثورة على السلطة الحاكمة، فأخذ البيعة لنفسه على الأمرين معا.

– إنّ أوثق المصادر التي ينبغي الاعتماد عليها في بيان عقائد ابن تومرت وتفسير أفعاله وأفعال الخلفاء من بعده هو كتاب “أعز ما يطلب” الذي كان بمثابة الدليل المرشد أو الدستور المتَّبع لدولة الموحدين في طور التأسيس، وأغلب مادته ثابتة عن ابن تومرت إلا مواد حديثية صرفة متعلقة بالجهاد أُلحقت به من بعده.

– وقد تمكّن ابن تومرت من حشد الناس حوله وصرفهم عن المرابطين باستعمال دعاية متكاملة العناصر، والتي كانت دعاية دينية بحتة؛ أول ركائزها إقناع الناس بأن أتباع ابن تومرت هم الطائفة المنصورة، وأن قائدهم هو المهدي، وأن المرابطين قدِ اجتمعت فيهم جميع الخصال السيئة المذكورة في أحاديث أشراط الساعة.

– ونظرا لاشتهار الدولة المرابطية بكونها دولة الفقهاء؛ فإنّ ابن تومرت حرِص في دعايته على سلب هذه الصفة منها، وذلك بإلصاق وصف الجهل بالمرابطين، كما اجتهد في تشويه صورة الفقهاء الملتفّين حولهم؛ بكونهم من أتباع الأهواء مجسّمين وملبّسين ومكّارين وموالين للظلمة.

– وأظهرُ عنصرٍ في الدعاية الموحدية نبزُ المرابطين السلفيين وتلقيبهم بلقب المجسّمة، وقد كرّر ابن تومرت ذلك في رسائله كثيرًا، وهو نبزٌ مكمِّل لوصف أتباعه بالموحدين، حيث إنه جعل التوحيد والتجسيم أمرين متقابلين، فلا يتحقق التوحيد إلا بالبراءة من التجسيم والمجسّمة، وهذا العنصر البارز يؤكد أنّ المرابطين كانوا سلفيين أهل إثبات وتنزيه، وأن حربه كانت عقائدية في أساسها.

– ومن الأمور البارزة في الدعاية الموحدية بعد النبز بلقب التجسيم: الحكم بالتكفير، ولم أجد سببًا آخر للتكفير سواه، إلا أن يكون تكفيرًا للأتباع بحكم الموالاة والمناصرة للمجسمين، فعاد الأمر إلى التهمة نفسها.

– وآخر شيء وجدته بارزا في دعايته ضدَّ المرابطين هو استباحته لدمائهم، وقد حاول ابن تومرت إقناع أتباعه بشرعية ذلك من عدّة أوجه؛ منها شرعية قتال الكفار والمرتدين بسبب التجسيم وجحد الحق، ومنها شرعية قتال تاركي شعائر الدين التي سماها السنن وكذا قتال الممتنعين عن الفرائض كالزكاة، ولما لم يكن ذلك ظاهرا في المرابطين جعل قتالهم أولويا؛ لأنهم منعوا الإيمان والسنة حسبه، فرجع الأمر إلى العقيدة، ومنها قتال المفسدين في الأرض، وقد اعتبر المرابطين كذلك، رغم كونهم هم الدولة الحاكمة يومها.

وفي الأخير نحمد الله تعالى على منّته وتوفيقه، ونسأله السداد والرشاد في القول والعمل، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

 

 

([39]) أعز ما يطلب (ص: 242-243).

([40]) انظر: تاريخ الجزائر في القديم والحديث (2/ 60).

([41]) أعز ما يطلب (ص: 250-253).

([42]) انظر: المهدي ابن تومرت (ص: 245).

([43]) انظر: أخبار المهدي ابن تومرت وابتداء أمر الموحدين، للبيذق (ص: 21-22)، تحقيق: لافي نرونسفال، طبعة باريس، 1928م.

([44]) أعز ما يطلب (ص: 244، 249-250، 260-261).

([45]) أعز ما يطلب (ص: 242).

([46]) أعز ما يطلب (ص: 248).

([47]) أعز ما يطلب (ص: 245-246).

([48]) أعز ما يطلب (ص: 262).

([49]) أخبار المهدي ابن تومرت وابتداء أمر الموحدين، للبيذق (ص: 4).

([50]) انظر: أعز ما يطلب (ص: 242، 244، 245، 247، 248، 249، 250، 258، 261، 262، 263).

([51]) أعز ما يطلب (ص: 244).

([52]) أعز ما يطلب (ص: 247).

([53]) أعز ما يطلب (ص: 250).

([54]) انظر: المغني للقاضي عبد الجبار (4/ 280، 7/ 85)، الدار المصرية للتأليف والترجمة.

([55]) انظر: التعليقات لابن سينا (ص: 308)، تحقيق: حسن حمدي العبيدي، دار الفرقد دمشق، 2009م.

([56]) انظر: درء تعارض العقل والنقل (10/ 299).

([57]) الفتاوى الكبرى (6/ 622)، دار الكتب العلمية، ط1، 1408هـ-1987م.

([58]) رواه مسلم (249).

([59]) أعز ما يطلب (ص: 245).

([60]) أعز ما يطلب (ص: 248).

([61]) أعز ما يطلب (ص: 260).

([62]) ينظر: أخبار المهدي ابن تومرت وابتداء أمر الموحدين، للبيذق (ص: 9).

([63]) أعز ما يطلب (ص: 246).

([64]) قال في رسالة له لم يتضمّنها كتاب أعز ما يطلب: “فادعوهم إلى التوبة والإنابة والرجوع إلى الكتاب والسنة وترك معونة المجسمين والمرتدين والمعتدين، فإن قبلوا منكم ورجعوا إلى السنة وأعانوكم على جهاد الكفرة فخلّوا سبيلهم وهم إخوانكم في دين الله وسنة رسوله، وإن عاندوا الحقّ وأصروا على معونة أهل الباطل والفساد فاقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليّا ولا نصيرا، وكلُّ من امتنع عن الرجوع إلى السنة فهو عدوّكم إلى الممات، وكلّ من قُتل من الكفرة والمجسمين فهو مخلّد في جهنم وبئس المهاد، وكل من قُتل من المؤمنين فهو من أهل الجنة”. وهي ضمن أخبار المهدي ابن تومرت وابتداء أمر الموحدين، للبيذق (ص: 2).

([65]) أعز ما يطلب (ص: 249).

([66]) أعز ما يطلب (ص: 249).

([67]) أعز ما يطلب (ص: 177، 206، 273).

([68]) انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/ 501)، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى للسلاوي (1/ 196-197).

([69]) وممن جاهر بخلاف الأشعرية في هذا الغزالي رحمه الله، انظر: فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة (ص: 75) وما بعدها، تحقيق محمود بيجو، ط1، 1413هـ-1992م.

([70]) انظر: تبيين كذب المفتري، لابن عساكر (ص: 149) دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، 1404هـ.

([71]) أخبار المهدي ابن تومرت وابتداء أمر الموحدين، للبيذق (ص: 9).

([72]) تأمل هذه العبارة: “وكل من امتنع عن الرجوع إلى السنة فهو عدوكم إلى الممات”. أخبار المهدي ابن تومرت وابتداء أمر الموحدين، للبيذق (ص: 2).

([73]) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (4/ 192)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418هـ.

 


سجل تعليقك