French | English | Thai (ภาษาไทย) | Shqipe | Türkçe | Indonesian | Tagalog | اردو | عربي | فارسي
 
 
القائمة البريدية
أدخل بريدك الإلكتروني من أجل الاشتراك معنا في القائمة البريدية
عداد الزوار
المتواجدون الآن على الموقع الرئيسي :

( 3076 )



















شبهات وردود
    أرسل لصديق

إغلاق النافذة

المقالات --> المادة المختارة

الدِّعاية الموحِّديّة ضدَّ دولة المرابطين السلفيّة (قراءة تحليليّة في رسائل محمد بن تومرت) 1

 

أضيفت في: 9 - 11 - 2022

عدد الزيارات: 167

المصدر: مركز سلف للبحوث والدراسات

مقدمة:

إنّ المغربَ الإسلاميَّ كان إلى غاية أوائل القرن السادس على عقيدة السلف في الغالب الأعمّ؛ رغم قيام دولٍ رافضيّة وخارجية حاولت فرضَ عقائدها على الأمّة، فلم يزل الناس على مذهب مالك في الفروع، وعلى عقيدته -التي هي عقيدة السلف- في الأصول، وهذا الوضعُ الغالبُ لم يمنع من وجود من تبنّى آراءَ شاذةً أو انتسب إلى طوائفَ وفرقٍ غيرِ مرضية، لكنّ ذلك بقي في نطاق محدود جدًّا. ثم إنّ هذا الوضع لم يلبث أنِ انقلب رأسًا على عقب بعد قيام دولة الموحّدين التي أطاحت بالمرابطين ثم الحمّاديين والزيريِّين؛ حيث صارت العقيدة الرسميةُ للدولة والغالبة هي العقيدة الأشعرية، وتراجعت العقيدة السلفية ولم يبقَ لها إلا أنصار قليلون في أزمنة وأمكنة مختلفة بعدها، وإنّ هذا التحوُّلَ السريع الذي شهِد به المؤرِّخون في هذه الحقبة يحتاج إلى كشفٍ عن أسبابه التي أيَّدته والعوامل التي صاحبته، وذلك بالرجوع إلى مضامين الدعاية الموحّدية التي أسقطت دولة المرابطين.

ولقد يسَّر لي المولى عز وجل قراءة النصوص التأسيسيّة للدولة الموحِّدية التي كتبها محمد بن تومرت، والتي جُمعت في كتاب “أعز ما يطلب”، فعنّ لي أن أنجز دراسةً علمية تبحَث في هذه الأسباب، يكون عنوانها: “الدعاية الموحّدية ضدّ دولة المرابطين السلفية”، وأقوم فيها بإبراز ركائز الدعاية التي كان يحرّض بها القبائل للثورة على المرابطين، وأحسب أنّ هذه الدراسة مهمّة جدًّا؛ وذلك لاعتمادها على مصدرٍ كُتب في عصر التأسيس للدولة، وبِيَد الداعي إليها؛ وهذا المصدر جدير بأن يكون حَكَمًا على الأخبار التي نقلها المؤرخون والأحكامِ التي أُصدرت في حقّ الموحّدين إثباتًا أو نفيًا، وتأييدًا أو تفنيدًا، ومن ذلك قضيةُ التكفير للمخالفين واستباحة دماء كلّ من لم يتقبل عقائد ابن تومرت التي جعلها دستورَ دولة الموحدين، وقد ظهر في المعاصرين من يشكِّك في متواتراتِ الأخبار على أنها من أثر “هوى العداء”، ويهوِّن من سفك الدماء، ويجعله من قبيل “التعامل الانفعاليّ المتوَتِّر”، لا من قبيل التأصيل العقدي القاضي بالتكفير وما يتبعه من استحلال للدماء([1]).

وقد قسّمت هذه الدراسة إلى مطلبين: الأول منهما متعلق بعقيدة الدولة المرابطية والتعريف بابن تومرت وكتابه “أعز ما يطلب”، وهو مدخل ضروري لفهم مقاصد الدراسة، والمطلب الثاني فيه إبراز ركائز الدعاية الموحدية ضدَّ المرابطين؛ لنقف عن أسرار ذلك الانقلاب العقديّ الشامل.

ولتحقيق أهداف هذه الدراسة انتهجت المنهج التحليليّ أساسًا، وخاصة فيما يتعلق بقراءة نصوص ابن تومرت، كما أني استعنت بالمنهج التوثيقي -أو الاستردادي- وذلك فيما يتعلّق بالأمور التاريخية التي تضمّنها المطلب الأول، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

المطلب الأول: عقيدة الدولة المرابطية والتعريف بابن تومرت وكتابه أعز ما يطلب:

قبل الخوض في بيان عناصر الدعاية الموحدية ضدَّ المرابطين لا بدّ من تقديم مقدمات تتضمّن تصويرًا عامًّا للوضع العقديّ في المغرب قبل الموحّدين، وتتضمَّن أيضًا تعريفًا موجزًا بشخص ابن تومرت صاحب الدعوة الموحدية وناشر الأشعرية في المغرب، وتعريفًا بكتابه “أعز ما يطلب” ومحتوياته مع تصحيح نسبته إليه.

الفرع الأول: عقيدة الدولة المرابطية:


كان المغرب الإسلاميُّ من منتصف القرن الخامس إلى منتصف القرن السادس مقسّمًا إلى ثلاث دول: الدولة الزِّيريَّة في المغرب الأدنى، والدولة الحمّادية في المغرب الأوسط، والدولة المرابطية في المغرب الأقصى والأندلس، وكانت عقيدة الأمّة في ظلّ هذه الدول سلفيّةً محضةً، فأمّا الدولتان الزِّيرِيَّة والحمادية فأصلهما الدولة الصنهاجية التي انقلبت على العبيديين، وفرضت فقهَ مالك، وبعثت عقيدةَ السلف([2])، وأمّا دولة المرابطين فدولة قامت على أساس دينيّ، وقد ارتبط ذكرها بالفقهاء الذين كانوا على مذهب مالك عقيدةً وفقهًا وأصولًا وفروعًا. وسنخصُّ دولة المرابطين بالبحث باعتبار أنّ دولة الموحّدين قامت على أرض المرابطين وواجهتهم أولا، قبل أن تتوسّع بعد ذلك شرقًا لتشمل كلّ المغرب الإسلامي.

أوّل شيء ننوّه به في هذا المقام هو أنّ دولة المرابطين قد عُرفت في التاريخ بدولة الفقهاء، وسبب ذلك المكانة العالية التي أعطيت لهم؛ حيث كان الخلفاء يرجعون إليهم في أمور السياسة والقضاء، وحتى في شؤونهم الخاصة، فهذا يوسف بن تاشفين (ت: 500هـ) وصف بأنه: “كان يفضّل الفقهاء ويعظّم العلماء، ويصرف الأمور إليهم، ويأخذ فيها برأيهم، ويقضي على نفسه بفتياهم”([3])، وكذلك ابنه علي بن يوسف الخليفة بعده؛ فقد سار على منهاج والده في النزاهة والقناعة والقيام على الحدود وإقامة العدل، وكذا في تعظيم شأن العلماء، وفيه يقول المراكشي: “واشتدَّ إيثاره لأهل الفقه والدين، وكان لا يقطع أمرًا في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء؛ فكان إذا ولَّى أحدًا من قضاته كان فيما يعهد إليه ألا يقطع أمرًا ولا يبتّ حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء، فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغًا عظيمًا لم يبلغوا مثلَه في الصدر الأول من فتح الأندلس”([4]).

وهؤلاء الفقهاء كانوا على مذهب مالك رحمه الله في الفقه والعقيدة، ولم يكن الانفصال بين العِلْمين قد حدث في زمنهم، وقد تجلَّى ذلك في بعض المقررات الدراسية المعتمدة عندهم، التي كانت تتضمّن مقدّماتٍ في العقائد، ومن أشهر تلك المقررات “الرسالة” لابن أبي زيد القيرواني، وقد حوت مقدّمة عقدية سلفية، وتوجيهًا منهجيًّا سلفيًّا، حيث نهى فيها صاحبها عن سلوك طرائق المتكلمين في الدين فقال: “وتَركُ المراءِ والجِدَالِ في الدِّين، وتَركُ ما أَحْدَثَهُ المُحْدِثُونَ”([5])، ومنه فإن عقيدةَ هؤلاء الفقهاء -والدولة المرابطية تبعًا لهم- كانت عقيدة سلفية في الإيمان والصفات والقدر والصحابة وغيرها من القضايا العقدية، كما أنّ منهج التلقي عندهم كان منهج السلف المعتمِد على القرآن والسنة وفهم سلف الأمة، لا منهج الخلف المبني على الكلام والجدل العقليّ، فالمرابطون وأهل المغرب عمومًا كانوا كما قال الذهبي: “على طريقة السلف، ينافرون الكلام وأهله”([6]).

وإذا دقّقنا في مذهبهم في الصفات وجدناه مذهب الإثبات والتنزيه من غير شكّ؛ كما تدلّ عليه نصوص علمائهم، وتواطأت عليه كتابات المؤرّخين أيضًا، هذا مع اختلافهم في توصيف هذا المذهب حسب توجُّهاتهم، فقال اليَسَع بن حزْم (ت: 575هـ): “سَمَّى ابن تُومَرْت أتباع المرابطين مجسّمين، وما كان أهل المغرب يدينون إلّا بتنزيه الله تعالى عمّا لَا يجب له، وصِفَتِه بما يجب له، وترك الخوض فيما تقصر العقول عن فهمه، وكان علماء المغرب يعلّمون العامَّة أنّ اللّازم لهم أنَّ اللَّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البصير”([7])، ويقول مبارك الميلي السلفي (ت: 1364هـ): “إنهم كانوا سلفيّين، يؤمنون بآيات الصفات وأحاديثها بلا تأويل”([8])، ويقول السلاوي (ت: 1315هـ) -وهو من مصحِّحي مذهب التفويض-: “أَقَامُوا على مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، مقلِّدين لِلْجُمْهُورِ من السّلف رَضِي الله عَنْهُم فِي الْإِيمَان بالمتشابه وَعدم التَّعَرُّض لَهُ بالتأويل مَعَ التَّنْزِيه عَن الظَّاهِر”([9])، فقوله: “مع التنزيه عن الظاهر” تفسير لمذهبهم بناء على فهمه وظنّه.

وهناك من وصفهم بالحشوية، وهو وصف يطلِقه المعتزلة والأشاعرة على كلّ من لم يخُض في علم الكلام، وهو نظير كلمة “الجمهور” التي يطلقها الفلاسفة على من عداهم. وممن استعمل هذا الوصف الرحالة ابن حوقل (ت: 397هـ) الذي قال عن أهل أغمات السُّنَّة بإقليم السوس: “والمالكية من فظاظ الحشوية”([10])، وقد تبعه على ذلك ياقوت الحموي (ت: 626هـ) في معجمه([11])، ولقَّبهم ابن تومرت (ت: 524هـ) بالمجسمة؛ إذ هو يعتبر كل إثبات تجسيمًا، وقد ردَّ عليه ابن تيمية (ت: 728هـ) بقوله: “ولم يكونوا من أهل هذه المقالة، ولا يعرف عن أحد من أصحاب مالك إظهارُ القول بالتشبيه والتجسيم”([12]).

ولقد كان المالكية مقلِّدة محضة لنصوص مالك رحمه الله، لا يرضون بمناظرة من اعتبروه من أهل البدع، وكانوا لا يعاملونهم إلا بالزجر والهجر، كما فُعل ذلك بكثير ممن جنح إلى الاعتزال حتى اضطروا بعضَهم إلى ترك البلاد، وهناك من نقل عنهم الحكمَ بتكفير من خاض في علم الكلام([13]).

وإذا رجعنا إلى واقع دولة المرابطين في عهد علي بن يوسف بن تاشفين (ت: 537هـ) فإننا نجد شهادة المراكشي التي يقول فيها: “ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كلِّ من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام. وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيحَ علم الكلام وكراهة السلف له وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة في الدين، وربما أدى أكثره إلى اختلاف في العقائد، في أشباهٍ لهذه الأقوال، حتى استحكم في نفسه بُغْض علم الكلام وأهله، فكان يُكتب عنه في كلّ وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه، وتوعّد من وُجد عنده شيء من كتبه. ولما دخلت كتب أبي حامد الغزالي رحمه الله المغرب أمر أمير المسلمين بإحراقها، وتقدم بالوعيد الشديد -من سفك الدم واستئصال المال- إلى من وُجد عنده شيء منها، واشتد الأمر في ذلك”([14]). وقد استمرَّ الحال في عهد ابنه تاشفين بن علي الذي أُثر عنه قوله: “ومتى عثرتم على كتاب بدعة أو صاحب بدعة فإيّاكم وإياه، وخاصة كتب أبي حامد الغزاليّ، فليُتتبَّع أثرُها، وليُقطع بالحرق المتتابِع خبرُها، ويبحث عليها، وتغلَّظ الأيمانُ على من يُتَّهم بكتمانها”([15])، على أنّ الإنكار على كتب الغزالي لم يقتصر على السلفيين، بل بعض كتبه أنكرها عليه حتى الأشاعرة لما فيها من أشياء فلسفية ونحوها.

وليس المقصود هنا تأييد هذه الأحكام أو تقييمها، أو التفصيل فيها أو حتى التحقُّق منها، ولكن تقرير الواقع العقديّ الذي كان بعيدًا كلَّ البعد عن المناهج الكلامية وطريقة التأويل والخوض في مضائق المعقولات.

الفرع الثاني: التعريف بابن تومرت:

في ظلّ الدولة المرابطية وفي المغرب الأقصى وإقليم السوس المذكور سابقًا ولد نحو سنة 471هـ([16]) محمد بن تومرت الهرقي المصمودي البربري، وتلقّى تعليمه الأوّلى في هذا الإقليم، ثم رحل إلى المشرق سنة 499هـ، فتنقّل بين العراق والشام ومكة والإسكندرية، ولقي أبا حامد الغزالي وإلكِيا الهَرّاسي وأبا بكر الطُّرطوشي([17])، وأبا بكر الشاشي والمبارك بن عبد الجبار الصيرفي([18])، ومحمد بن منصور الحضرميّ([19])، فأخذ عن بعضهم الحديثَ كالصيرفي والحضرمي، وعن الآخرين أصول الفقه وكذا علم الكلام على الطريقة الأشعرية، وكان قد تأثر بها تأثرًا بالغًا.

وفي طريق رجوعه بعد رحلته إلى المشرق شرع ابن تومرت بالجهر بدعوته العقدية الجديدة، فبمجرّد حلوله -بطرابلس أوّل بلاد المغرب- أظهر النكير على علمائها في عدولهم عن طريقة التأويل للصفات([20])، فأُخرِج منها كما أخرِج من الإسكندرية قبلها ومن المهدية بعدها، أما في بجاية فترفّق به صاحبها ولم يخرجه مطرودًا، ومكّنه منِ اتخاذ رباطٍ للتعليم بأطرافها، وفي هذا الرباط تعرّف على عبد المؤمن بن عليّ الذي سيؤسِّس دولة الموحدين بعد وفاة ابن تومرت([21])، ثم إنّه واصل مسيرته غربًا متّبعا السلوك ذاته في إظهار عقيدة التعطيل، وكذا تغيير منكرات الأعمال التي يقع فيها العامة، حتى دخل مراكش عاصمة الدولة المرابطية، وفيها ناظر الفقهاء في حضرة الأمير علي بن يوسف بن تاشفين، فظهر عليهم حسب رواية المؤرخين([22])، ومنهم ابن خلدون الذي لم يخفِ ميله إليه؛ فجعل سبب تلك المناظرة حسدَ الفقهاء له، وإنكارَهم لانتحاله مذهب الأشعريّة، وقد ذكر أنّه كان “ينكر عليهم جمودَهم على مذهب السلف في إقراره كما جاء، ويرى أن الجمهور لُقّنوا تجسيمًا، ويذهب إلى تكفيرهم”([23]).

ثم إنّه خرج من مراكش خوفًا من أن يناله الخليفة بسوء، فاتجه إلى إقليم السوس جنوبا، وفي مدينة أغمات جرت له مع فقهائها مناظرة شهيرة في العلم وطُرُقه وفي أصول الحق والباطل([24])، وقد ظهر عليهم لأنّه فرض عليهم النقاش في مسائل عقلية وكلامية كانوا عنها في معزل، ثم إنه التجأ بعدها إلى مسقط رأسه “هرغة”؛ لأنّ له فيها عصبةً تحميه، كما أنها منطقة أكثر حصانة وأمنًا، وهناك شرع في الدعاية إلى عقيدة جديدة لخَّصها في “المرشدة” التي ترجمها إلى اللسان البربريّ، مع الدعوة إلى الثورة على السلطان، فصار يأخذ البيعة في آن واحد على عقيدةِ التَّوْحِيد وقتال المرابطين المجسِّمين، وذلك سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة([25]).

وتدعيمًا لدعايته الدينية في الأوساط البربرية ادَّعى أنّه المهديُّ، وساق لنفسه نسبًا ينتهي إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما، وهو نسب يشكِّك فيه مؤرِّخون([26])، ويدافع عنه آخرون نحو ابن خلدون الذي تمسك بمجرد إمكانه، وأنّ النّاس مصدَّقون في أنسابهم([27]).

واستمرّ في الدعوة إلى نفسه وإلى إقامة الدولة الموحدية إلى غاية وفاته سنة 524هـ، وقد ذكر بعض المؤرّخين أنه تمّ كتم موته عن العامة، وكانت الأمور تُسيّر باسمه حتى استتبّت الأمور، وبُويع عبد المؤمن خليفةً سنة 527هـ([28]).

الفرع الثالث: التعريف بكتابه (أعز ما يطلب):

لابن تومرت مؤلفات كثيرة، أكثرها صغير في حجمه، بمثابة رسائل تذكيرية أو دعائية تتضمّن قواعد أساسية في العقيدة والأصول وغيرها، كما ألّف مختصرًا للموطأ سماه: محاذي الموطأ، ومختصرا لصحيح مسلم عرف بتلخيص كتاب مسلم([29]).

وقد جمع عبد المؤمن بن علي أكثر تلك الرسائل المشار إليها بعد وفاة ابن تومرت في مجموع، أعطي له اسم أول رسالة فيه: “أعز ما يطلب”، وهذه الرسالة متعلّقة بالعلم، وابتُدِئت بهذه العبارة: “أعز ما يُطلب وأفضلُ ما يكتَسَب وأنفسُ ما يُدَّخر وأحسن ما يُعمَل العلم”. فسميت الرسالة بهذا الاسم، ثم أطلقت التسمية على الكلّ.

وقد أطلق المراكشيُّ هذا العنوان على الرسالة الصغيرة، وتبعه الذهبي وابن السبكي([30])، بينما نجد ابن خلدون يطلقه على المجموع كلّه حيث قال: “وألّف في ذلك كتابه في الإمامة الّذي افتتحه بقوله: (أعزّ ما يطلب)، وصار هذا المفتتح لقبًا على ذلك الكتاب”([31]).

ولهذا المجموع المعنون بـ”أعزّ ما يطلب” مخطوطتان: بارسية ومغربية، اعتمدهما الدكتور عمار طالبي في تحقيقه له، وعلى طبعته سنعتمد في هذه الدراسة.

وكما ذكرنا فإنّ الذي أشرف على إملاء هذا المجموع وكتابة بعض موادّه الشفهية هو عبد المؤمن بن علي، وقد جاء ذلك مبيّنا في أوّل المخطوط، حيث نجد هذه العبارة: “سفر فيه جميع تعاليق الإمام المعصوم المهديّ المعلوم رضي الله عنه مما أملاه سيدنا الإمام الخليفة أمير المؤمنين أبو محمد عبد المؤمن بن علي”([32]). ويظهر تصرّف عبد المؤمن في مواضع، منها حكايته للمناظرة التي كانت بأغمات حيث بيَّن بدايتها ونهايتها([33])، ومنها كتابته تقديما لرسالة للمهدي قبل أن يوجّهها إلى أهل جزولة وتعقيبًا عليها، وقد ذكر فيها أنّ عمر الدعوة بلغ ثلاثا وعشرين سنة([34])، مما يفيد أن تاريخ إعادة توجيه الرسالة كان سنة 538هـ.

ويستثنى مما وًجد في المجموع كتاب الجهاد الذي في آخره؛ فقد ظهر لي أنه ليس مما أملاه عبد المؤمن (ت: 558هـ) عن ابن تومرت؛ إذ جاء في آخر الرسائل وقبل كتاب الجهاد في النسخة الباريسية هذه العبارة: “كمل الإملاء بحمد الله وحسن عونه، وصلى الله على محمد وآله وصحه وسلم وشرّف”([35])، والذي ألحق كتاب الجهاد هو الخليفة الثاني يوسف بن عبد المؤمن (ت: 580هـ)، وقد جاء في نهاية النسخة المذكورة: “تم كتاب الجهاد بحمد الله وحسن عونه، وبتمامه كمل جميع تعاليق الإمام المعصوم المهدي المعلوم رضي الله عنه مما أملاه الخليفة أمير المؤمنين -أدام الله تأييدهم وأعز نصرهم ومكّن سعودهم-، وذلك في العشر الأواخر من شعبان المحرم سنة تسع وسبعين وخمس مائة”([36]).

وفي هذا التاريخ كان يوسف هو الخليفة، وقد ثبت تاريخيًّا أنّ يوسف بن عبد المؤمن أمر من يجمع له أحاديث الجهاد وقام بإملائها بنفسه، ممّا يدلّ على أنها لم تُجمع قبله([37])، ولكن هذه النسخة من الكتاب لم تتضمّن إلا ثلاثة أبواب فقط من أبواب الجهاد، وأما بقية أبواب الجهاد فواردة فقط في النسخة المغربية، فيحتمل أن تكون الأبواب الزائدة من إملاء الخليفة الثاني يوسف وسقطت من نسخة باريس، كما يحتمل أن يكون الخليفة الثالث يعقوب هو من زادها؛ لأن التاريخ المذكور لنسخها وهو سنة 595هـ، وهو لا يعني بالضرورة أنه تاريخ الإملاء، فقد يكون تاريخ النسخ متأخّرا إذا فرضنا أنها نسخت عن أصل آخر([38]).

ومهما يكن فإنّ هذا الشكَّ المثار حول مؤلّف هذه القطعة لا تعلّق له بموضوع بحثنا؛ لأنّ كتاب الجهاد عبارة عن أحاديث مبوّبة ليس فيها شيء من الشرح، أو التوظيف للمعاني عقائديًّا أو سياسيًّا.
 
(المراجع)

([1]) تجربة الإصلاح في حركة المهدي ابن تومرت لعبد المجيد النجار (ص: 131، 135) المعهد العالي للفكر الإسلامي، فيرجينيا، ط2، 1415هـ-1995م.

([2]) تاريخ الجزائر في القديم والحديث، لمبارك الميلي، المؤسسة الوطنيّة للكتاب بالجزائر، 1406هـ- 1986م.

([3]) البيان المغرب لابن عذارى (3/ 38)، تحقيق: بشار عواد معروف ومحمود بشار، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1434هـ.

([4]) المعجب في تلخيص أخبار المغرب (ص: 130)، تحقيق: صلاح الدين الهواري، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، ط1، 1426هـ-2006م.

([5]) عقيدة السلف -مقدمة أبي زيد القيرواني لكتابه الرسالة- (ص: 61)، تحقيق: بكر بن عبد الله أبو زيد، دار العاصمة.

([6]) العبر في خبر من غبر (2/ 422)، تحقيق: محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت.

([7]) ينظر: تاريخ الإسلام للذهبي (11/ 417)، تحقيق: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، ط1، 2003م.

([8]) تاريخ الجزائر في القديم والحديث (2/ 339).

([9]) الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (1/ 196)، تحقيق: جعفر الناصري ومحمد الناصري، دار الكتاب، الدار البيضاء.

([10]) صورة الأرض (ص: 90) دار مكتبة الحياة، بيروت، 1992م.

([11]) معجم البلدان (1/ 225) دار صادر، بيروت، ط2، 1995م.

([12]) مجموع الفتاوى (11/ 478)، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، 1416هـ-1995م.

([13]) انظر: المهدي ابن تومرت لعبد المجيد النجار (ص: 50، 56)، دار الغرب الإسلامي – بيروت، ط1، 1403هـ-1983م، جهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة لإبراهيم التهامي (ص: 275).

([14]) المعجب في تلخيص أخبار المغرب (ص: 131).

([15]) الحياة الفكرية بالأندلس في عصر المرابطين لمحمد الأمين بلغيت (1/ 394)، القافلة للنشر والتوزيع، 2014م.

([16]) انظر تفصيل الأقوال في مكان مولده وتاريخه في: المهدي ابن تومرت لعبد المجيد النجار (ص: 30-33).

([17]) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (11/ 408).

([18]) انظر: المعجب في تلخيص أخبار المغرب (ص: 136).

([19]) انظر: المهدي ابن تومرت لعبد المجيد النجار (ص: 84، 154). وانظر ترجمته في: المقفى الكبير للمقريزي (7/ 164)، تحقيق: محمد اليعلاوي، دار الغرب الاسلامي، بيروت، ط2، 1427هـ-2006م.

([20]) انظر: تاريخ ابن خلدون (6/ 302)، تحقيق: خليل شحادة، دار الفكر، بيروت، ط2، 1408هـ-1988م.

([21]) انظر: المهدي ابن تومرت لعبد المجيد النجار (ص: 86-94).

([22]) انظر: أخبار المهدي ابن تومرت للبيذق (ص: 57)، تحقيق: عبد الحميد حاجيات، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1395هـ-1975م.

([23]) تاريخ ابن خلدون (6/ 303). وقال الذهبي في العبر (2/ 422): “وكانت تهمة ابن تومرت في إظهار العقيدة والدعاء إليها”.

([24]) تنظر المناظرة في: أعز ما يطلب لابن تومرت (ص: 31-36)، تحقيق: عمار طالبي، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر، 1985م.

([25]) انظر: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (2/ 85)، المهدي ابن تومرت لعبد المجيد النجار (ص: 102-103).

([26]) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (11/ 408)، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب ومدينة فاس لابن أبي زرع (ص: 172) المصور للطباعة والوراقة، الرباط، 1972م.

([27]) تاريخ ابن خلدون (1/ 36).

([28]) انظر: أخبار المهدي ابن تومرت للبيذق (ص: 77) والمهدي ابن تومرت لعبد المجيد النجار (ص: 128).

([29]) انظر: المهدي ابن تومرت لعبد المجيد النجار (ص: 154-156)، وأعز ما يطلب -مقدمة عمار طالبي- (ص: 12).

([30]) المعجب في تلخيص أخبار المغرب (ص: 141)، تاريخ الإسلام (11/ 414)، طبقات الشافعية الكبرى (6/ 117)، تحقيق: محمود الطناحي وعبد الفتاح الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، 1413هـ.

([31]) تاريخ ابن خلدون (6/ 302).

([32]) أعز ما يطلب (ص: 29)، وجاء ذلك في الغلاف وليس في الأخير، خلافًا للنجار.

([33]) أعز ما يطلب (ص: 31، 36).

([34]) أعز ما يطلب (ص: 256). قال البيذق في أخبار المهدي (ص: 179): “وفي عام واحد وعشرين وخمسمائة كتب الرسالة المنظمة إلى الموحدين في بعض غزواتهم، وهي التي بعث الخليفة إلى جزولة”.

([35]) أعز ما يطلب (ص: 357).

https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/btv1b8419211m/f189.item.

([36]) أعز ما يطلب (ص: 379).

https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/btv1b8419211m/f199.item.

([37]) المعجب في تلخيص أخبار المغرب للمراكشي (ص: 187).

([38]) ولذلك لم يحدّد عبد المجيد النجار من هو الذي أضافه، واحتمل أن يكون أحد الخلفاء الثلاثة: عبد المؤمن أو ابنه يوسف أو حفيده يعقوب. وأما عمار طالبي فحدّد الخليفة بأنه أبو يوسف يعقوب المنصور اعتمادا على تاريخ نسخ المخطوطة المغربية، وقد علم ما في ذلك، وتبعه عبد الغني أبو العزم في آخر الكتاب رغم أنه قرر في بداية كتاب الجهاد أن كاتبه هو يوسف بن عبد المؤمن. انظر: المهدي ابن تومرت (ص: 148)، أعز ما يطلب (ص: 8) تحقيق: عمار طالبي، وأعز ما يطلب (ص: 413، 510) تحقيق: عبد الغني أبو العزم، مؤسسة الغني للنشر، الرباط، 1997م.
 


سجل تعليقك