French | English | Thai (ภาษาไทย) | Shqipe | Türkçe | Indonesian | Tagalog | اردو | عربي | فارسي
 
 
القائمة البريدية
أدخل بريدك الإلكتروني من أجل الاشتراك معنا في القائمة البريدية
عداد الزوار
المتواجدون الآن على الموقع الرئيسي :

( 1405 )



















شبهات وردود
    أرسل لصديق

إغلاق النافذة

المقالات --> المادة المختارة

عدالةُ الصَّحابة من وجهةِ نظرٍ حداثيَّة (شبهات وردود)

 

أضيفت في: 28 - 5 - 2022

عدد الزيارات: 500

المقدمة:

            لا يخفى على كل مهتمٍّ بالدراسات المتعلِّقة بالنصوص الشرعية ما يحاوله الحداثيون في كل آنٍ وحين، وعبر مختلف الأدوات المتاحة لهم والمنقولة من التراث الغربي من محاولةٍ لتنحية النَّص الشرعي عن كونه حاكمًا على أفعال الناس وتصرفاتهم، ومؤطرًا لتوجهاتهم واعتقاداتهم وتعاملاتهم، وقد كُتب الكثير عن مواقفهم من القرآن والسنة وأحكام الإسلام، ومحاولتهم الدائمة لبثِّ أفكارٍ تؤدي في الأخير إلى إلغاء حاكمية النصوص أولًا، وإلغاء تشريعات الدين بالكلية ثانيًا، لذا يعلون كثيرًا من شأن المقاصد والمصالح لدرجة إيهام التعارض، ثم تقديم المصالح على النُّصوص، كما يقول فهمي هويدي: “تطبيق النصوص له شروطه الموضوعية التي ينبغي أن تتوفر، وله مصالح منشودة ينبغي أن تتحقق عند أهل الأصول، فإنه إذا لم تتوفر تلك الشروط أو إذا حدث التعارض بين النصوص وبين أيٍّ من مصالح الناس المعتبرة، فلا محل للتطبيق في الأولى، وتُغَلَّبُ المصلحة على النص في الثانية”([1])، فكانت المقاصد والمصالح راية الحداثيون التي رفعوها لإسقاط النص سواء صرحوا بذلك أم لا.

            ولهم سبلٌ كثيرةٌ في تحقيق هذا المعنى، أعني: تنحية الكتاب والسنة من وعي الفكر الإسلامي حتى يكونا هامشيين لا حاكمين، أما القرآن الكريم فهو أعلى قدرًا في نفوس المسلمين من أن يستطيعوا إلغاءه فراحوا يفرغونه من مضامينه، ويجعلون مفاهيمه التي كانت شائعة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ماهي إلا مفاهيم تاريخية مرهونة بزمانها ومكانها، وأنَّ المنقول إلينا إنما هو النص مفرغًا من مضامينه لنملأه نحن كما شئنا، ولذلك نادوا بتعددية المعنى، وتعددية التأويل، وما هو إلا عبثية المعنى والفهم([2]).

            أما السنة النبوية فحدث ولا حرج، فقد اقتحموا سياجها من كل جانب، فتارة مدعين عدم حجيَّتها، وأخرى مدعين أنَّها اجتهادات نبوية لا تلزمنا، وثالثة بالقول بتأريخيتها وعدم صلاحيتها لوقتنا، وأخرى في الطعن في أسانيدها، والشاهد أنهم إذا رموا سهمًا تجاه القرآن رموا مثله تسعًا نحو السنة، خاصة فيما يتعلق بفهم السنة بفهوم السلف الصالح، أو الصحابة الكرام، وتأتي هذه الورقة مناقشةً واحدًا من تلك الأساليب التي ينتهجونها في نقد السنة النبوية ألا وهي: الطعن في الصحابة الكرام، ففي هذه الورقة ننظر إلى الصحابة الكرام من وجه نظر حداثية.

تمهيد:

            إحدى المسائل المنهجيَّة التي يُجمع عليها أهل السنة والجماعة: عدالة الصحابة الكرام، فإنَّ أهل السنة والجماعة يرون أنَّ الصحابة الكرام كلهم عدول ثقات، عدلهم الله سبحانه وتعالى في كتابه، والنَّبي صلى الله عليه وسلم في سنته، واهتمَّ العلماء الكرام اهتمامًا كبيرًا بتأصيل هذا الباب من حيث مفهوم الصحبة والصحابة، وبيان فضلهم([3])، وحجية إجماعهم، وسبيل الاختيار من اختلافهم، وكان النصيب الأكبر من الاهتمام منصبًّا نحو عدالة الصحابة الكرام، ذلك أنها تتعلق بعدة أمور منها: الرواية ونقل سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأمة، فإنَّه ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الطعن فيهم يعني إغلاق باب السنة إذ لا ثقة في نقل غير العدل؛ فقد يكذب أو يجور أو يظلم في القول، وخالف في هذه القضية: المعتزلة، وخلافهم في جزئيات عديدة على خلاف بينهم، فمجملهم يتولون الشيخين، وبينهم خلاف طويل فيمن بعدهم، وخلاصته أنهم مائلون للتشيع في هذا الباب، ومنهم الخوارج الذين كفَّروا الصحابة الكرام، ومنهم الشيعة كذلك الذين لهم الموقف الأبرز في موضوع عدالة الصحابة، فهم يرون عدم عدالتهم إلا النزر اليسير ممن ينصّون عليهم، بل يرون أن كثيرًا من الصحابة على رأسهم الشيخين أبي بكر وعمر قد تولوا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أولئك الذين بدؤوا يطعنون في عدالة الصحابة الكرام: الحداثيون المعاصرون، وذلك ضمن مشروعهم الكبير في نقد التراث عمومًا ونقد السنة خصوصًا، فراحوا يعملون نقدهم على الصحابة الكرام؛ إذ إسقاطهم هو إسقاطٌ لمشروع السنة بالكامل.

            ويمكن القول: إن الحداثيين أضافوا بعدًا جديدًا في الصراع القائم على عدالة الصحابة، فإن الشيعة ومن مال إليهم إنما ينطلقون من إمامة علي رضي الله عنه، واغتصاب الصحابة لحقه – حسب زعمهم -، وغايتهم هو إسقاط الصحابة جلِّهم، لكنهم في الغالب يستعوضون عن الصحابة بمروياتهم المنقولة عبر شيوخهم إلى الأئمة الكرام -بغض النظر عن صحة ذلك- لكنهم لم يُسقطوا موضوع الرواية بالكامل، أما الطعن في عدالة الصحابة الكرام من قبل الحداثيين فقد راموا منه تحقيق غايات عديدة من أهمها بلا ريب: النَّص المفتوح، وعدم الالتزام بأي تفسير أو توجيه من الصَّحابة ومن بعدهم، وإنما يرون الأخذ من القرآن مباشرة، وليت أنه كان بالمفهوم الصحيح لكنهم إنما يقصدون أنَّ ألفاظ القرآن لا تتقيد بمعانٍ، وأن لكل قارئ حقه الكامل في قراءته التفسيرية كما يريد ويشتهي، ولذلك كانت هجمتهم كبيرة على أصول الفقه؛ لأنه يؤصل للطريقة الاستدلالية الصحيحة، ويحفظها من الفوضى التأويلية التي يريدونها، يقول عبدالمجيد الشرفي: “نلاحظ من جهة ثانية أنَّ التفاسير القرآنية وتوظيفات الفقهاء والمتكلمين قد شكلت عبر التاريخ الإسلامي نصوصًا ثواني؛ إذ لا يفهم النص المقدس إلا عبر تلك النصوص الثواني…بينما لو أبعدنا -وهذا مجرد افتراض نظري- هذه النصوص الثواني وهذه السنة التأويلية فإننا إذ ذاك نتعامل مباشرة مع النص القرآني بطريقة مختلفة عن هذه التأويلات التاريخية”([4]). وليست الإشكالية في مجرد القول إننا نفهم القرآن فهذا لا يردُّه أحد، وإنما في تجاوز الفهوم كلها بدءًا من الصحابة الكرام وصولًا إلى قارئ النص في أي عصر كان، فوصول النص وحده كافٍ في فهمه – حسب زعمهم -، وإن كان هذا الفهم جديدًا مخالفًا لكل ما سبق، فالنص قطعي الثبوت هلامي المعنى بحيث يفهمه كل أحد حسب ما يريد، وهو ما يتعارض مع القول بعدالة الصحابة وحجية قولهم، فإننا ملزمون بأخذ أقوالهم وإجماعاتهم، ومن غرضهم كذلك: إسقاط السنة، فالسنة تبدأ بالنبي صلى الله عليه وسلم وينقلها الصحابة فإن سقطوا سقطت، لذلك يعد شحرور القولَّ بعدالة الصحابة هو المؤدي إلى قبول السنة في حين أنَّها يجب أن لا تقبل، يقول: “إنَّنا نعي تمامًا جميع التنائج والمتواليات التي قاد إليها الاعتقاد بأنَّ السنة القولية وحي ثان، بدءًا من علم طبقات الرجال، وكتب التراجم، وسلالم الجرح والتعديل، مرورًا بعدالة الصحابة والعصمة”([5])، ولذا كان موضوع عدالة الصحابة يسبِّب أزمة لدى الحداثيين والطاعنين، يقول زكريا أوزون: “وإنَّ محاولة تقديس أقوالهم وأفعالهم، وتخصيص أبواب لهم في الفضائل، تجعل الإسلام والمسلمين في مأزقٍ حقيقي في أيامنا المعاصرة”([6])، بل يجعل أبو رية القول بعدالة الصحابة هو سبب كل وجه للإسلام من طعنات! يقول: “إنَّ القول بعدالة جميع الصحابة، وتقديس كتب الحديث؛ يرجع إليهما كل ما أصاب الإسلام من طعنات أعدائه، وضيق ذوي الفكر من أوليائه”([7])، ويقول في نصٍّ أوضح وأصرح: “فإذا نحن رفعنا صوتنا وقلنا: إنَّ البلاء الذي يصيب الإسلام إنما يرجع إلى أمرين: عدالة الصحابة المطلقة، والثقة العمياء بكتب الحديث التي تجمع بين الغثِّ والسمين، فإننا لا نبعد ولا نتجاوز الحقيقة”([8]).

            وفي هذه الورقة سنناقش بعضًا من طعناتهم على عدالة الصحابة الكرام، مع التنبيه إلى أن بعضها يتشارك فيها الحداثيون مع غيرهم ممَّن سبقهم، ولا غرابة؛ فماهم إلا مقلدة لكل من رام هدم المسلَّمات والمحكمات، مع ادعائهم التَّجديد، فهم عالة على غيرهم، ليس في المعاني فحسب؛ بل حتى في الأدوات والإجراءات التي تُعامل بها النصوص، وليس مراد هذه الورقة هو الخوض في كل الطعون التي وجهت إلى عدالة الصحابة([9])، وإنما الاقتصار على بعض ما ذكره الحداثيون، ولاكوه بألسنتهم، فأقول وبالله التوفيق:

العدالة عند أهل السنة والجماعة:

            العدالة عند أهل السنة والجماعة: ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التَّقوى. والتقوى: فعل المأمورات، وترك المنهيات. وعلى هذا المعنى تدور عبارات العلماء، يقول الخطيب البغدادي: “العدل هو: من عرف بأداء فرائضه، ولزوم ما أمر به، وتوقي ما نهي عنه، وتجنب الفواحش المسقطة، وتحري الحق والواجب في أفعاله ومعاملته، والتوقي في لفظه ما يثلم الدين والمروءة، فمن كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه”([10]).

            وعرفها ابن حجر بقوله: “ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة. والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شركٍ أو فسق أو بدعة”([11]).

            وأكثر من ينطبق عليهم حدُّ العدالة هم الصحابة الكرام، لذلك أجمع أهل السنة والجماعة عل عدالتهم؛ لتعديل الله سبحانه وتعالى لهم، وتعديل الرسول صلى الله عليه وسلم، وكون ذلك هو الواقع، يقول ابن عبدالبر في حكاية الإجماع: “ونحن وإن كان الصحابة رضى الله عنهم قد كفينا البحث عن أحوالهم؛ لإجماع أهل الحق من المسلمين – وهم أهل السنة والجماعة – على أنَّهم كلهم عدول، فواجب الوقوف على أسمائهم، والبحث عن سيرهم وأحوالهم؛ ليُهتدى بهداهم؛ فهم خير من سلك سبيله واقتدى به”([12]).

            ويقول ابن الصلاح: “للصحابة بأسرهم خصيصة، وهي أنّه لا يُسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه؛ لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة”([13])، ويقول أيضًا: “الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك، بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع، إحسانًا للظن بهم، ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر”([14]). فهو رحمه الله يحكي الإجماع عن أهل السنة والجماعة على تعديل الصحابة؛ سواء من تلبس منهم بالفتنة أو لم يتلبس، ويقول في ذلك النووي: “الصحابة كلهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم، بإجماع من يعتد به”([15])، وليس الغرض هنا الاستفاضة في ذكر عدالة الصحابة وأدلتها، فلذلك مقام آخر، وإنما بيان مجمل قول أهل السنة في عدالة الصحابة، وإجماعهم على ذلك.

            وقد أورد الحداثيون -وقبلهم الروافض- عددًا من الاعتراضات على هذه العدالة حتى يتخلصوا من الإلزام بأقوالهم وآرائهم، وكذلك يتخلصوا من السنة النبوية المنقولة عن طريقهم، فلكل شخصٍ مأرب يختلف عن الآخر في إسقاط عدالة الصحابة، يجمعها ردُّ أقوالهم وتجاوزها في فهم النَّص الشرعي، ومن تلك الاعتراضات:

الاعتراض الأول: الصحابة بشر يصيبون ويخطؤون وليسوا بمعصومين:

            هذا الاعتراض هو نفس ما يمارسه الحداثيون وغيرهم حين ينتقدون البخاري فيقولون: إنه ليس بمعصوم، ومادام أنه كذلك فإنه يجب أن يقع الخطأ في حديثه! وكذلك يتحدثون عن الصحابة الكرام، ويؤكِّدون أنَّهم ليسوا إلا بشرًا يصيبون ويخطؤون وليسوا بمعصومين، وبناءً عليه؛ فإنَّه لا يمكن أن نعدلهم كلَّهم.

            فحسب رأي زكريا أوزون: أهل السنة والجماعة قد غلوا في الصحابة حتى رفعوهم إلى منزلة الملائكة، يقول: “ولقد بالغ التابعون والأئمة والعلماء الأفاضل بمكانة وصفات الصَّحابة، فجعلوهم كالملائكة، إن لم يكن أفضل منهم، وفي حقيقة الأمر فإنَّ الصحابة كغيرهم من الناس”([16]).

            ويقول: “أقوال وأفعال الصحابة هي أعمال إنسانيَّة بشريَّة لا تمثل شرعًا ولا دينًا ولا قدسيَّة لها، وهم كغيرهم من الناس يخطؤون ويصيبون، ينجحون ويفشلون، وأمرهم كغيرهم مفوَّض لله عزوجل، وإنَّ محاولة تقديس أقوالهم وأفعالهم وتخصيص أبواب لهم في الفضائل تجعل الإسلام والمسلمين في مأزقٍ حقيقي في أيامنا المعاصرة”([17]).

            ويربط أبو رية بين العدالة والعصمة فيصرح بأن الجمهور يرون عصمة الصَّحابة كلِّهم، يقول: “وإذا كان الجمهور على أنَّ الصحابة كلهم عدول ولم يقبلوا الجرح والتعديل فيهم كما قبلوه في سائر الرواة، واعتبروهم جميعًا معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، فإنَّ هناك كثيرًا من المحققين لم يأخذوا بهذه العدالة المطلقة لجميع الصحابة”([18])، فهو يرى أنَّ القول بالعدالة هو قول بالعصمة، وأن هذا منافٍ لبشرية الصَّحابة، والتي تدل عليها أدلة عديدة ذَكَرَها، ويقول: “وقال ابن حجر العسقلاني -وهو إمام في المتأخرين- في ترجمة مروان: إذا ثبتت صحبته لم يؤثر الطعن فيه. كأن الصحبة نبوة، أو أنَّ الصحابي معصوم”([19]).

            كما يرى أنَّ أهل السنة حين أضفوا عليهم هذه العصمة – حسب رأيه – فإنهم بذلك قد حرَّموا على الناس نقدهم بعلم وبرهان، وفي ذلك يقول: “إذا كان اللأمر يتصل بأحد الصحابة الذين قالوا فيهم: “إنهم كلهم عدول” فلا يجوز لأحد أن ينتقد بالعلم والبرهان والحجة أحدًا منهم، لا في روايته ولا في شهادته ولا في سيرته. ومما قالوه في ذلك أيضًا: “إنَّ بساطهم قد طوى” كأن العدالة موقوفة عليهم وحدهم، وكأنهم في ذلك قد ارتفعوا عن درجة الإنسانية فلا يعتريهم ما يعترى كل إنسان من سهو أو خطأ أو وهم أو نسيان، ولا نقول الكذب والبهتان”([20]).

            وبنفس هذا يقول شحرور، فإنَّه يؤكد أن أهل السنة والجماعة حين يعدلون الصحابة فإنهم لا يذكرونهم بأيِّ خطأ، وأن العدالة تقتضي ارتفاعهم عن البشريَّة، وفي ذلك يقول: “إن مشكلتنا هي في أننا عندما نتكلم عن الصحابة نتكلم عن مجتمع أحادي الجانب؛ كما لو كانوا فوق البشر”([21]).

            وهذا من أشد ما يتمسكون به في نقد العدالة، إلا أنه متلبس بعدد من الأخطاء، يبين ذلك الآتي:

أولًا: أنَّه تصور خاطئ لقول أهل السنة والجماعة، فلا قولهم يدل على عصمة الصحابة، ولا حتى تعاملهم معهم يدل على أنَّهم يرونهم معصومين، فالخطأ هو في تصور أن أهل السنة والجماعة حين يقولون بعدالة الصحابة فإنهم يرفعون الصحابة إلى درجة العصمة، وهذا لم يقل به أحدٌ من العلماء، يقول العلاوي: “وبهذا يتبين أنه ليس المعنى بعدالة كل واحد من الصحابة رضي الله عنهم أنَّ العصمة له ثابتة والمعصية عليه مستحيلة”([22]).

            ويقول المرداوي: “ليس المراد بكونهم عدولًا: العصمة لهم واستحالة المعصية عليهم، إنما المراد أن لا نتكلف البحث عن عدالتهم، ولا طلب التزكية فيهم”([23]).

            ويقول ابن الوزير: “ولم يقل أحد من أهل السُّنة بعصمة أحد من الصحابة في الباطن والظاهر، وكم بين القول بالعدالة في الظاهر والقول بالعصمة في الباطن والظاهر! فإن كان المعترض يزعم أنّهم نصُّوا على العصمة فهو كذَّاب أشر غير جدير بالمناظرة، وإن كان يزعم أنَّ نصوصهم على عدالة الصّحابة في الظَّاهر تقتضي العصمة؛ فكذلك نصوص الزَّيدية على عدالة العدول من أئمتهم وسائر المسلمين، وكان يلزمه أن تقتضي عصمتهم”([24]).

            فنحن لا نرى عصمة أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرفع الصحابة فوق البشر وننزع عنهم البشريَّة، فنقد المسألة من جهة أن الصحابة بشر نقد في غير محل النزاع.

ثانيًا: القول بالعدالة هو قولٌ بعدم ضرورة البحث عن عدالة كلِّ فردٍ منهم، فمادام أنَّ الله سبحانه وتعالى قد زكَّاهم وعدلهم فلا نحتاج بعد ذلك إلى تزكية، فحكمه فيهم لا شكَّ أنه حكم عالم بأحوالهم الآنية والمستقبلية ومع ذلك عدلهم بالعموم، فنقدِّم تلك العدالة ونقول بموجبها، وفي هذا يقول الخطيب البغدادي: “عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن”([25])، ثم قال: “والأخبار في هذا المعنى تتسع، وكلها مطابقة لما ورد في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم – المطلع على بواطنهم – إلى تعديل أحد من الخلق لهم”([26]).

ثالثًا: إن القول بعدم عصمة الصَّحابة لا يعني ضرورة وقوعهم فيما يخرم العدالة، فإنَّ هذا ليس بلازم، ولم يؤثر عن جلِّ الصحابة أنهم وقعوا في ذنوب كبيرة، نعم أثر ذلك عن بعض الصحابة ممن لا يساوون عشر معشار الصحابة كلهم، ومع ذلك فإنه لم يؤثر عنهم أنَّهم أصروا على كبيرة، أو لم يرجعوا عنها، وبعضهم أقيمت عليه الحدود؛ ممَّا يعني الكفارة لهم، هذا مع ما كانت لهم من حسنات عظيمة ماحية، يقول ابن تيمية رحمه الله: “ثمَّ إذا كان قد صدر عن أحدهم ذنب؛ فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسناتٍ تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمَّد صلى الله عليه وسلم الذين هم أحقُّ الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفِّر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور، ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزرٌ مغمورٌ في جنب فضائل القوم ومحاسنهم؛ من: الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما منَّ الله به عليهم من الفضائل؛ علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم صفوة الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله”([27])، ومع هذا فإن البعض الذين ارتكبوا محرمات كبرى، كالردة؛ لا يُدخلهم أهل السنة في حدِّ الصحابة أصلا إذا توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهم بحالتهم، فحقيقة قول أهل السنة هو: أنَّ العدالة ثابتة؛ لأنها جاءت بنصوص قطعية ما لم يأت أمرٌ قطعي آخر ينفيها.

رابعًا: قول أبي رية بأن مقتضى عدالة الصحابة هو القول بأنهم لا يخطؤون ولا ينسون ولا يسهون مجرد مغالطة الرجل القش! فإن أهل السنة لم يقولوا ذلك في بيان عدالة الصحابة، وهذه كتبهم بين أيدي الجميع من أولهم إلى آخرهم، لم يدَّعِ أحدٌ منهم أن الصحابة فوق النسيان والخطأ، وسيأتي بيان ذلك أكثر في اعتراض تكذيب الصحابة بعضهم بعضًا، فالصحابة ينسون ويخطؤون كغيرهم، والعدالة لا تقتضي إنكار ذلك عنهم أصلًا.

خامسا: قول شحرور: إننا نعامل الصحابة كما أنهم فوق البشر غير صحيح، ويدل عليه تأليفات أهل السنة والجماعة في رواية ما وقع فيه الصحابة من أخطاء وذنوبٍ ومعاصي وكبائر، وما أقيم عليهم من الحدود، وما وقع بينهم من قتال، بل وتصويب فئة وتخطئة فئة أخرى، وبيان أنَّ الحق مع طائفة دون الثانية، وهذا كله ذكرٌ للأخطاء التي وقع فيها الصَّحابة، ممَّا يدل على أنهم لم يتعاملوا معهم على أنَّهم معصومون أو أنهم فوق البشر، كلُّ ما في الأمر أنَّ أهل السنة والجماعة يتعاملون مع هذا الملف بضوابط شرعية عقلية، ومنهجهم في ذلك متسقٌ مع المعطيات الشرعية ولله الحمد.

            فإن قيل: هذا ما تقررونه نظريًّا، لكن تعاملكم تعامل من يرى العصمة لهم؛ لأنكم تعدلونهم كلهم مع ما وقعوا فيه من كبائر.

            يقال: سيأتي الجواب عنه في جواب الاعتراض الثاني، وهو:

الاعتراض الثاني: عدالة الصحابة تنافيها الواقع المعاش للصحابة:

            ويعنون بذلك أنَّ من الصحابة من وقع في بعض الكبائر، وأقيم حدٌّ على بعضهم، فكيف نقول بعدالتهم كلهم؟ وفي هذا يقول أحمد حسين يعقوب: “إذا كان الصحابة عدولًا وكلهم في الجنة وأنَّ الله قد ساوى بينهم.. لماذا أقيمت الحدود على بعضهم؟ وهل يسرق العادل النَّزيه المضمون دخوله الجنة؟”([28])، وقد عدد جملة من الأمثلة على ذلك في كتابه “نظرية عدالة الصحابة”، كما ركز على بيان أن القول بالعدالة ينافي القرآن الكريم، والذي بين الله فيه أن كل أمة فيها من يخطئ ويفسق، وأن القول بعدالتهم تتنافى مع القرآن الكريم، وقد عنون لذلك فقال: “نظرية عدالة كل الصحابة تتعارض مع النصوص القرآنية القاطعة”([29]). ويرومون من ذلك كله إسقاط العدالة عن الصحابة كلها، ووقوع بعض الصحابة في الكبائر لا ينافي القول بالعدالة، ويوضح ذلك الآتي:

أولًا: عدَّل الله سبحانه وتعالى الصحابة بنصوص عامة، فلا يحق لنا صرفها عن مدلولاتها إلا إذا عارضه نصٌّ معارضة صريحة، وذلك أن قول الله قطعي الثبوت والدلالة، ومع ورود مثل هذه النصوص فإن الأصل أن العدالة باقية في الصحابي فلا نحتاج أن نسأل عن حالهم، يقول العلَّائي: “وبهذا يتبين أنه ليس المعنى بعدالة كل واحد من الصحابة رضي الله عنهم أن العصمة له ثابتة، والمعصية عليه مستحيلة، ولكن المعنى بهذا: أن روايته مقبولة، وقوله مصدق، ولا يحتاج إلى تزكية، كما يحتاج غيره إليها؛ لأن استصحاب الحال لا يفيد إلا ذلك”([30])، فالعدالة في كل صحابي بعينه موجودة من خلال النَّص، ولا نخرج عنه إلا بنصٍّ قطعي.

            يقول الخطيب البغدادي في نصٍّ واضح يجلي ما قلناه: “فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم، المطلع على بواطنهم، إلى تعديل أحد من الخلق لهم، فهم على هذه الصفة إلا أن يثبت على أحدهم ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصد المعصية، والخروج من باب التأويل، فيحكم بسقوط عدالته، وقد برأهم الله تعالى من ذلك، ورفع أقدارهم عنه، على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين: القطع على عدالتهم والاعتقاد بنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيؤون من بعدهم أبد الآبدين. هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء”([31]).

ثانيًا: مفهوم العدالة لا يقتضي أنَّ العدل هو من لا ذنب له، يقول ابن الوزير: “عن الشافعي أنه قال: “لو كان العدل من لا ذنب له لم نجد عدلاً، ولو كان كل مذنب عدلاً لم نجد مجروحاً، ولكنّ العدل من اجتنب الكبائر، وكانت محاسنه أكثر من مساويه”([32])، وقد تقدم القول بأن العدالة لا تعني العصمة، فيقع الذنب من الصحابي كما يقع من غيره، لكن تجتمع مع أمور أخرى من أهمها تعديل الله لهم، وترضِّيه عنهم، ومسارعتهم إلى التوبة، وسبقهم إلى الدين، فتقوى جانب العدالة على غيرها.

ثالثًا: من منهجية الاستدلال عند أهل السنة والجماعة أنه إذا ورد دليل عام وآخر خاص فإن الخاص يخصص العام ولا يلغيه، وهكذا ورود كل هذه النصوص في تفضيل الصحابة والترضي عنهم وتعديلهم موجبة لهم بالعدالة، فإن ورد نصٌّ في أحد الصحابة يقتضي بأنه خرج عن هذه العدالة فإن هذا لا يمكن القول معه بأنه هدم للعدالة وإنكار لها، بل تبقى الآية على عمومها، وإن دلت آية أخرى على نقد أحد الصحابة – كما مثل له صاحب كتاب نظرية العدالة – فإن هذا الصحابي ينظر في حاله بعينه، لا أن تهدم العدالة بأكملها.

رابعًا: إنَّ وقوع الصحابة في الكبائر نادرٌ وقليلٌ وليس كما يصورونه، فإن المتمسك بهذا الاعتراض يصور مجتمع الصحابة وكأنه مجتمع تطغى فيه الكبائر والآثام، ويكثر فيه الفساق، وحاشا أن يكون من اختارهم الله لصحبة نبيه هكذا، وإن شئت فافتح كتب الأحاديث المعتمدة وابحث عن الصحابة الذين أثر عنهم أنهم ارتكبوا كبائر، كالزنى وشرب الخمر، فكم تجد منهم؟ وكم هو نسبة فعلهم بالنسبة إلى أفعالهم كلها؟ وهل كان هذا هو الحال منهم بتتبع كل صحابي لوحده؛ هل كان ارتكاب الكبائر هو الحال الأعم لهم؟ وكم يمثل هؤلاء من مجتمع الصحابة؟ إنك لن تجد ما يملأ عليك أصابع يدك حين تعدهم من أصل أكثر من مائة ألف صحابي. فكيف مع ذلك نترك كل النصوص التي تدل على عدالتهم وفضلهم، ونطعن فيها بهذه الحوادث القليلة؟

خامسًا: إنَّ السلف الصالح قد تعاملوا مع من ما وقع من الصحابة الكرام حسب حالهم، ولا شكَّ أن بعض ما وقع فيه بعض الصحابة سبب من أباب زوال العدالة، لكن لكل سبب شروط وموانع حتى يُحكم بموجبه على الإنسان، والصحابة قد اجتمع في حقهم النصوص القاطعة على تعديلهم، والأحوال الشخصية التي تقتضي سرعة توبتهم ورجوعهم للحق، فمن وقع في شيء من ذلك فإنه يحكم على كل حالة بمفردها، ولا يطعن ذلك في عدالة الصحابة كلهم، أما الحالات الخاصة فقد تعامل معها أهل السنة والجماعة بما يليق بها، فقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحدَّ على بعض الصحابة، ومع ذلك ماذا ذكر عنهم؟

            حين أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحدَّ على ماعز جلس عند أصحابه فقال لهم: ((استغفروا لماعز بن مالك، قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم))([33]).

            وقال عن المرأة الغامدية التي أقام النبي صلى الله عليها الحد: ((فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له)) ([34]).

            وقال عن عبدالله الذي كان يؤتى في الخمر فيجلد: ((لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا إنه يحب الله ورسوله)) ([35]).

            فهذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم عمن أقام عليهم الحدود، وغيرهم يقاس عليهم، بأن لهم من الحسنات والسبق إلى الإسلام ونصرة الرسول صلى الله عليه وسلم  ما يغفر لهم خطاياهم التي لم تكن هي سيرة حياتهم أصلًا، فكان الإتيان بما يخرم العدالة يتعامل معه بإقامة الحد وغيره، وهكذا فعل الصحابة الكرام، فقد تعاملوا مع الصحابة بمقتضى البشرية التي تورد الإنسان الذنوب والمعاصي، وقد أقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحدَّ على قدامة بن مظعون رضي الله عنه، بل وعزله من ولاية البحرين، يقول الذهبي في سيرته: “قدامة بن مظعون: أبو عمرو الجمحي. من السابقين البدريين، ولي إمرة البحرين لعمر، وهو من أخوال أم المؤمنين حفصة وابن عمر، وزوج عمتها صفية بنت الخطاب – إحدى المهاجرات -. ولقدامة هجرة إلى الحبشة، وقد شرب مرة الخمرة متأولًا مستدلا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: 93] الآية، فحدَّه عمر، وعزله من البحرين”([36]).

            والشَّاهد أن وجود بعض الأفراد من الصحابة ممن ارتكبوا الذنوب والكبائر لا يعني هدم نظرية العدالة، لأنَّ العدالة ثابتة بنصوص قطعية، والتخصيص لا يلغي الآيات العامة، أما ما ورد عن بعض الصحابة فإنه ينظر في كل صحابي بعينه دون إلغاء للعدالة كلها، إذ إن هذا خلل منهجي في طريقة التعامل مع النصوص، سواء كانت شرعية أو غير شرعية.

الاعتراض الثالث: أن عدالة الصحابة تشريع سني لسلطة الصحابة:

            يرى بعض الحداثيين أنَّ القول بعدالة الصَّحابة ما نشأ إلا متأخرًا، وهو قولٌ يشاطرهم الشيعة فيه، وينصُّون على أنَّ العدالة إنَّما أشيعت زمن معاوية رضي الله عنه؛ لتشريع سلطته، بحيث إنه لا يُنتقد إذا كان من الصحابة، وكذلك الحداثيون يرون أنَّ القول بالعدالة ما هو إلا تشريعٌ للسلطة إثر الخلاف الذي وقع بين الصحابة آخر الخلافة الراشدة، فمحمد حمزة يرى أنَّ الصحابة كان لهم “تاريخ معقد لا ينسجم البتة وما أضفي عليهم من عدالةٍ مطلقة، فلا يعدو هذا التَّقديس في حقيقة أمره أن يكون مسألة افتراضية وضعها الإسلام السُّني تشريعًا لسلطة الصحابة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أيام الخلاف الشديد الذي بدأ في أعقاب الخلافة الراشدة”([37]).

            ويقول أحمد حسين يعقوب: “وبدون مقدمات أو بمقدمات سياسيَّة أصبح كل رعايا دولة النَّبي صلى الله عليه وسلم عدولًا، بحجَّة أنَّهم كلهم صحابة شاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم أو شاهدوه، وآمنوا به أو تظاهروا بالإيمان، وأنهم ماتوا على هذا الإيمان، مع أن النظرية قد ابتدعت في العصر الأموي (عصر خلافة الطلقاء) وقبل أن يموت جيل الصحابة بالمفهوم الآنف الذكر، أي أنهم قد حكموا بالعدالة قبل أن يتأكدوا من حسن الخاتمة”([38]).

            ويدعي أنَّ سبب اختراع العدالة هو أنَّ معاوية رضي الله عنه يحتاج إلى معاضدة شرعية، يقول: “وأفضل وسيلة لتبريره هو القول بعدالة كل الصحابة، وبما أن معاوية وشيعته هم صحابة بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي، وبما أنَّ الصحابة كلهم عدول وكلهم في الجنة ولن يدخل أحد منهم النار، ولا فرق بينهم؛ لأنَّهم كلهم عدول وكلهم صحابة، فمالذي يمنع شيعته – وهم صحابة أيضًا بالمعنيين اللغوي والاصطلاحي – أن يكونوا بطانة لمعاوية…فنظرية عدالة الصحابة بثوبها الفضفاض هي المبرر الأمثل لملك معاوية”([39]).

            ويزعم أنَّ الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة إنما اخترعت من أجل الأمويين، ونكاية بالهاشميين! يقول: “روى ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم كما جاء في شرح النهج: أنَّ أكثر الأحاديث في فضائل الصحابة قد افتعلت أيام بني أمية تقربًا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون أنوف بني هاشم، وقد صيغت بأسلوبٍ يجعل من كل صحابي قدوة صالحة لأهل الأرض، وصبت اللعنة على كل من طعن في أحد منهم”([40]).

            وخلاصة هذا أن العدالة اخترعت لتشريع سلطة الأمويين، لأن العدالة تقتضي عدم الإنكار عليهم، وهذا القول يأباه الميزان العلمي، ويبين ذلك الآتي:

أولًا: أننا لا ننكر العلم الحقيقي القائم على أدلة صحيحة، وعلى أصول استدلاليَّة صحيحة، ويستند إلى واقع صحيح، فمن يقول: إن مفهوم العدالة لم يظهر إلا زمن بني أمية فإنه يجب عليه تقديم الدليل الواقعي على ذلك، وليس مجرد تكهنات لا تغني عن المطالبة بدليل؛ ولا دليل لديهم. أما القول الآخر – وهو الذي يقول بعدالة
الصحابة – فعنده كل الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن نقل ذلك هم الصحابة الكرام، فقولهم مجرد دعوى بلا دليل.

ثانيًا: إن هذا مفهوم غريب للعدالة لم يقل به أهل السنة، فالعدالة لا تعني أن ا

 


سجل تعليقك