العودة   شبكة الدفاع عن السنة > المنتديـــــــــــــات الحوارية > الحوار مع الأباضية

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 27-02-13, 10:33 PM   رقم المشاركة : 1
عاشق الكذب
اباضي







عاشق الكذب غير متصل

عاشق الكذب is on a distinguished road


خلود اهل الكبائر والادله

وهي قسمان ، بعضها من الكتاب وبعضها من السنة :

أما من الكتاب فكثيرة نذكر منها ما يلي :

1 ـ قوله تعالى: ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون ، بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) البقرة - 80 - 81 .

ودلالته عليه من وجوه :-

ـ أولها : أن هذه العقيدة يهودية المنبت كما هو ظاهر من هذا النص وقد ذُكرت في مساق التنديد بهم والتشهير بضلالهم .

ـ ثانيها : ما فيه من الاستنكار لهذا القول الوارد مورد الاستفهام المقصود به التحدي ، والتقرير بأنهم لم يستندوا في مقالتهم هذه إلى عهد من الله ، وإنما هي من ضمن ما يتقولونه عليه تعالى بغير علم ، وناهيك بذلك ردعاً عن التأسّي بهم فيما يقولون ، والخوض معهم فيما يخوضون .

ـ ثالثها : ما فيه من البيان الصريح بأن مصير كل من ارتكب سيئة وأحاطت به خطيئته لعدم تخلصه منها بالتوبة النصوح أنه خالد في النار مع الخالدين ، وهو رد على هذه الدعوى يستأصل أطماع الطامعين في النجاة مع الإصرار على الإثم .

وما أجدر العاقل بأخذ الحيطة وعدم الاغترار بهذه الأماني التي تشبَّث بها أهل الكتاب ، وحذر الله هذه الأمة من التشبث بها كما تشبثوا حيث قال : ( ليس بأما************م ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ) النساء 123 .

واعترض على الاستدلال به بأمرين :-
ـ أولهما : أن السيئة هنا هي الشرك كما روي عن طائفة من المفسرين وإذا كان هذا الوعيد للمشركين فهو لا يعم الموحدين .

ـ ثانيهما : أن الخلود لم يرد به التأبيد وإنما أريد به المكث الطويل .

ويرد الاعتراض الأول أن حمل السيئة على الشرك وحده خروج بالآية عما يقتضيه لفظها ، فإن لفظ ( سيئة ) نكرة مطلقة في سياق الشرط ، والنكرات إذا وردت في الشرط فهي محمولة على العموم لأن الشرط كالنفي ، وحكم النكرة في سياق النفي عمومها .

وإن أردت مزيد البيان في ذلك فانظر في قول القائل لعبيده : من جاءني بعُملة فهو حرّ ، فإنه يعتق بقوله هذا من جاءه بأي شيء يصدق عليه أنه عُملة ، سواء كان درهماً أو ديناراً أو ريالاً أو جنيهاً ، أو غيرها ؛ وكذلك لو قال لهم من أتاني بثوب فهو حرّ ، فإن هذا الحكم يصدق على من جاء بما يصدق عليه اسم الثوب ، قميصاً كان أو إزاراً ، أو عمامة ، أو سراويل ، أو أي شيء آخر ، ولو حلف أحد أنه لم يرتكب سيئة وقد زنى ، أو سـرق ، أو شرب الخمر ، أو عقّ والديه ، أو أكل الربا ، أما يُعَدُّ حانثاً بقسمه هذا ؟.

ولا متعلق لهم في قوله تعالى : ( وأحاطت به خطيئته ) وإن زعموا أن مرتكب الكبيرة إن كان موحداً لم تحط به خطيئته لأن له حسنات لا يحرم ثوابها ، ذلك لأنا نقول إن عدم التخلص من المعصية بالتوبة النصوح يجعلها محيطة بصاحبها ، مستولية عليه كالآخذ بناصيته الممسك بتلابيبه ، بخلاف ما إذا تخلص منها باللجوء إلى التوبة النصوح ، وهذا معنى ما روي عن السلف ودونكم بعض النصوص المروية في ذلك .

قال الإمام ابن جرير حدثنا أبو كريب قال ثنا ابن يمان عن سفيان عن الأعمش عن أبي روق عن الضحاك ( وأحاطت به خطيئته ) قال : مات بذنبه .

حدثنا أبو كريب قال ثنا جابر بن نوح ، قال ثنا الأعمش عن أبي رزين عن الربيع بن خيثم ( وأحاطت به خطيئته ) قال مات عليها .

حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة ، قال أخبرني ابن إسحاق ، قال حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس ( وأحاطت به خطيئته ) قال : يحيط كفره بما له من حسنة - والكفر يعم الكبائر كلها لأنها من كفران النعم .

حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم ، قال حدثني عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ( وأحاطت به خطيئته ) قال : ما أوجب الله فيه النار .

حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة ( وأحاطت به خطيئته ) قال : أما الخطيئة فالكبيرة الموجبة .

حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق عن قتادة ( وأحاطت به خطيئته ) قال : الخطيئة الكبائر .

حدثني المثنَى قال ثنا إسحاق قال ثنا وكيع ويحيىَ بن آدم عن سلام بن مسكين ، قال سأل رجل الحسن عن قوله : ( وأحاطت به خطيئته ) فقال : ما تدري ما الخطيئة ؟ يا بني أتل القرآن فكل آية وعد الله عليها النار فهي الخطيئة .

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال ثنا أبو أحمد الزبيري قال ثنا سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله : ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ) قال : كل ذنب محيط فهو ما وعد الله عليه النار .

حدثنا أحمد بن إسحاق قال ثنا أبو أحمد الزبيري ، قال ثنا سفيان عن الأعمش عن أبي رزين( وأحاطت به خطيئته ) قال : مات بخطيئته .

حدثني المثنىَ قال ثنا أبو نعيم قال ثنا الأعمش قال ثنا مسعود أبو رزين عن الربيع بن خيثم في قوله : ( وأحاطت به خطيئته ) قال : هو الذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب .

حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال : قال وكيع : سمعت الأعمش يقـول في قولـه: ( وأحاطت به خطيئته ) مات بذنوبه .


حدثت عن عمار قال ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع : ( أحاطت به خطيئته ) الكبيرة الموجبة.

حدثني موسى قال ثنا عمرو بن حماد قال ثنا أسباط عن السدي : ( أحاطت به خطيئته ) فمات ولم يتب(1) .


وهذا الذي نقله الإمام ابن جرير عن سلف الأمة في معنى الآية الكريمة ، هو الذي ذهب إليه الإمام المحقق محمد عبده بعد دقة إمعانه وتسريح فكره فيما يراد بالسيئة وبإحاطة الخطيئة ، وهذا ما جاء عنه في المنار : للسيئة هنا إطلاقها وخصها مفسرنا - الجلال - وبعض المفسرين بالشرك ، ولو صح هذا لما كان لقوله تعالى : ( وأحاطت به خطيئته ) معنى ؛ فإن الشرك أكبر السيئات ، وهو يستحق هذا الوعيد لذاته كيف ما كان ، ومعنى إحاطة الخطيئة هو حصرها لصاحبها ، وأخذها بجوانب إحساسه ووجدانه ؛ كأنه محبوس فيها ، لا يجد لنفسه مخرجاً منها ، يرى نفسه حرّاً مطلقاً وهو أسير الشهوات وسجين الموبقات ورهين الظلمات ، وإنما تكون الإحاطة بالاسترسال في الذنوب والتمادي على الإصرار ، قال تعالى: ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) المطففين 14 .

أي من الخطايا والسيئات ، ففي كلمة ( يكسبون ) معنى الاسترسال والاستمرار ، ران عليه غطاه وستره ، أي أن قلوبهم قد أصبحت في غلف من ظلمات المعاصي حتى لم يبق منفذ للنور يدخل إليها منه ، ومن أحدث لكل سيئة يقع فيها توبة نصوحاً وإقلاعاً صحيحاً لا تحيط به الخطايا ، ولا يرين على قلبه السيئات ، روى أحمد والترمذي والحاكم وصححه والنسائي وابن ماجة وابن حبان وغيرهم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن العبد إذا أذنب ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء ، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي ذكره الله تعالى في القـرآن : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) " لمثل هذا كان السلف يقولون: (المعاصي بريد الكفر) (2) .

ويراد الاعتراض الثاني أن حمل الخلود هنا على المكث الطويل دون التأبيد يستتبع حمله على ذلك في نظيره ، وهو الخلود الموعود به الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة إذ لا دليل على الفرق بينهما .
وقد تحدث عن ذلك الإمام محمد عبده فقال : ومن المفسرين من ترك السيئة في الآية على إطلاقها ، ولم يؤولها بالشرك ولكنهم أولوا جزائها ، فقالوا : إن المراد بالخلود طول مدة المكث ، لأن المؤمن لا يخلد في النار وإن استغرقت المعاصي عمره ، وأحاطت الخطايا بنفسه فانهمك فيها طول حياته ؛ أولوا هذا التأويل هروباً من قول المعتزلة : إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار ، وتأييداً لمذهبهم أنفسهم المخالف للمعتزلة ، والقرآن فوق المذهب ، يرشد إلى أن من تحيط به خطيئته لا يكون أو لا يبقى مؤمناً ) . اهـ.

وقال عقبه السيد محمد رشيد رضا : ( إن فتح باب تأويل الخلود يجرِّيءُ أصحاب استقلال الفكر في هذا الزمان على الدخول فيه ، والقول بأن معنى خلود الكافرين في العذاب طول مكثهم فيه ، لأن الرحمن الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه ما كان ليعذب بعض خلقه عذاباً لا نهاية له ، لأنهم لم يهتدوا بالدين الذي شرعه لمنفعتهم لا لمنفعته ، ولكنهم لم يفقهوا المنفعة ، وإذا كان التقليد مقبولاً عند الله - كما يرى فاتحو الباب - فقد وضح عذر الأكثرين لأنهم مقلدون لعلمائهم - .. الخ ما يتكلم به الناس ولا سيما في هذا العصر ، فإن هذه المسألة قديمة ، وهي أكبر مشكلات الدين ، نعم إن العلماء يحتجون عليهم بالإجماع ولو سكوتياًّ ، ولكن التأويل باب لا يكاد يسده متى فتح شيء.(3).


وكلامه هذا يشير إلى ما ذكرته قبل ، من أن تأويل الخلود بالمكث الطويل دون التأبيد إذا قيل به في وعيد طائفة لزم منه أن يحمل عليه ما جاء من الخلود في وعيد غيرها ، بل يترتب عليه تسويغ مثله في وعد المؤمنين بالخلود في الجنة ، وقد أشار إلى مثل ذلك في تفسير سـورة النساء (4)، وبهذا ينتقض على قول من يحصر الخروج من النار في الموحدين مذهبهم للزوم أن يقولوا مثله في المشركين ، وأن يقولوا بانتهاء نعيم الجنة إلى أمد .

2 ـ قوله تعالى : ( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) البقرة 275 ، ووجه الاستدلال بالآية أنها وعيد لأكلة الربا وهم غير مشركين ، لأن الآية في معرض التحذير من أكل الربا بعد تحريمه .

واعترض بأن هذا الوعيد ليس على أكل الربا بل هو على استحلاله ، بدليل ما جاء في صدرها من حكاية قولهم المعارض لحكم الإسلام في الربا ( إنما البيع مثل الربا ) البقرة 275 ، والمُسْتَحِل لما حرم الله بالنص القطعي كالربا مشرك بالإجماع ، فلا يعم حكم الخلود مرتكبي الكبائر دون الشرك.

والجواب أن حمل الوعيد على الاستحلال دون الأكل يهون من وقْع أوامر الله تعالى ونواهيه في نفوس العباد ، ويقلل من أهمية حكم الحرمة في المحظورات ، على أن سياق ما قبل وما بعد هذه الآية إنما هو حظر الربا ، وتغليظ أمره على الناس ، وليس ذكر ما يقوله مستحلوه مخرجاً لهذا الوعيد عما يقتضيه السياق ، وإلا لما كانت فائدة في شيء مما ذكر قبلها أو بعدها .

وقد تفطن لذلك الإمام محمد عبده فأتى في كشف اللثام عن مخدرات معاني الآية للأفهام بما لخصه صاحب المنار حيث قال : ( أي ومن عاد إلى ما كان يأكل من الربا المحرم بعد تحريمه فأولئك البعداء عن الاتعاظ بموعظة ربهم الذي لا ينهاهم إلا عما يضرُّ بهم في أفرادهم أو جميعهم ، هم أهل النار الذين يلازمونها كما يلازم الصاحب صاحبه فيكونون خالدين فيها .

وقد أول الخلود المفسرون لتتفق الآية مع المقرر في العقائد والفقه من كون المعاصي لا توجب الخلود في النار ، فقال أكثرهم إن المراد ومن عاد إلى تحليل الربا واستباحته اعتقاداً ، ورد بعضهم بأن الكلام في أكل الربا ، وما ذكر عنهم من جعله كالبيع هو بيان لرأيهم فيه قبل التحريم ، فهو ليس بمعنى استباحة المحرم ، فإذا كان الوعيد قاصراً على الاعتقاد بحله لا يكون هناك وعيد على أكله بالفعل .


والحق أن القرآن فوق ما كتب المتكلمون والفقهاء ؛ يجب إرجاع كل قول في الدين إليه ، ولا يجوز تأويل شيء منه ليوافق كلام الناس ، وما الوعيد بالخلود هنا إلا كالوعيد بالخلود في آية قتل العمد ، وليس هناك شبهة في اللفظ على إرادة الاستحلال .

ومن العجيب أن يجعل الرازي الآية هنا حجة على القائلين بخلود مرتكب الكبيرة في النار انتصاراً لأصحابه الأشاعرة ، وخير من هذا التأويل تأويل بعضهم للخلود بطول المكث .

أما نحن فنقول : ما كل ما يسمى إيماناً يعصم صاحبه من الخلود في النار ، الإيمان إيمانان ، إيمان لا يعدو التسليم الإجمالي بالدين الذي نشأ فيه المرء أو نُسب إليه ، ومجاراة أهله ، ولو بعدم معارضتهم فيما هم عليه ، وإيمان هو عبارة عن معرفة صحيحة بالدين على يقين بالإيمان متمكنة في العقل بالبرهان ، مؤثرة في النفس بمقتضى الإذعان ، حاكمة على الإرادة المصرفة للجوارح في الأعمال بحيث يكون صاحبها خاضعاً لسلطانها في كل حال إلا ما لا يخلو عنه الإنسان من غلبة جهالة أو نسيان ، وليس الربا من المعاصي التي تُنسى ، أو تغلب النفس عليها خفة الجهالة والطيش كالحدة وثورة الشهوة ، أو يقع صاحبها منها في غمرة النسيان ، كالغيبة والنظرة ، فهذا هو الإيمان الذي يعصم صاحبه بإذن الله من الخلود في سخط الله ، ولكنه لا يجتمع مع الإقدام على كبائر الإثم والفواحش عمداً إيثاراً لحب المال واللذة على دين الله وما فيه من الحكم والمصالح ، وأما الإيمان الأول فهو صوري فقط ، فلا قيمة له عند الله تعالى لأنه تعالى لا ينظر إلى الصور والأقوال ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال كما ورد في الحديث ، والشواهد على هذا الذي قررناه في كتاب الله تعالى كثيرة جداً .

وهو مذهب السلف الصالح وإن جهله كثير ممن يدَّعون اتباع السنة ، حتى جرأوا الناس على هدم الدين بناءً على أن مدار السعادة على الاعتراف بالدين ، وإن لم يعمل به ، حتى صار الناس يتبجحون بارتكاب الموبقات مع الاعتراف بأنها من كبائر ما حرم ، كما بلغنا عن بعض كبرائنا أنه قال : إنني لا أنكر أنني آكل الربا ولكنني مسلم أعترف بأنه حرام ، وقد فاته بأنه يلزمه بهذا القول الاعتراف بأنه من أهل هذا الوعيد ، وبأنه يرضى أن يكون محارباً لله ولرسوله ، وظالماً لنفسه وللناس ، كما سيأتي في آية أخرى ، فهل يعترف بالملزوم أم ينكر الوعيد المنصوص فيؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض ؟ نعوذ بالله من الخذلان . )(5) وكلامه صريح في أن مذهب السلف الصالح هو ما عليه أهل الاستقامة والحمد لله .

3 ـ قوله تعالى : ( ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرَّهم في دينهم ما كانوا يفترون ) آل عمران 24 ، ووجه الاستدلال به ما سبق في نظيره من إثبات أن هذه العقيدة من عقائد اليهود ، وأنها جرأتهم على معصية الله ، وقادتهم إلى الإعراض عن كتابه ، وذُكرت في معرض تفنيد ضلالهم وتبكيتهم على عيوبهم ، ولصاحب المنار في تفسيره هذه الآية كلام جاء فيه : ( لعل المراد بعبارة الآية أنهم كانوا يعتقدون أن الإسرائيلي إذا عوقب فإن عقوبته لا تكون إلا قليلة ، كما هو اعتقاد أكثر المسلمين اليوم ، إذ يقولون إن المسلم المرتكب لكبائر الإثم والفواحش إما أن تدركه الشفاعات وإما أن تنجيه الكفارات ، وإما أن يمنح العفو والمغفرة بمحض الفضل والإحسان ، فإن فاته كل ذلك عذب على قدر خطيئته ثم يخرج من النار ويدخل الجنة .

وأما المنتسبون إلى سائر الأديان فهم خالدون في النار كيفما كانت حالهم ، ومهما كانت أعمالهم ، والقرآن لا يقيم للانتساب إلى دين ما وزناً ، وإنما ينوط أمر النجاة من النار والفوز بالنعيم الدائم في دار القرار بالإيمان الذي وصفه وذكر علامات أهله وصفاتهم ، وبالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة ، مع التقوى وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن .

وأما المغفرة فهي خاصة في حكم القرآن بمن لم تحط به خطيئته ، وأما من أحاطت به حتى استقرت شعوره ورانت على قلبه فصار همه محصوراً في إرضاء شهوته ، ولم يبق للدين سلطان على نفسه ( فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) لهذا يحكم هذا الكتاب الحكيم بأن من يجعل الدين جنسية وينوط النجاة من النار بالانتساب إليه أو الاتكال على من أقامه من السلف فهو مغتر بالوهم مفتر يقول على الله بغير علم ، كما قال هنا : ( وغرَّهم في دينهم ما كانوا يفترون ) آل عمران 24 ، أي بما زعموا من تحديد مدة العقوبة للأمة في مجموعها ، وهذا من الافتراء الذي كان منشأ غرورهم في دينهم ، ومثله لا يعرف بالرأي ولا بالفكر لأنه من أمر عالم الغيب فلا يعرف إلا بوحي من الله ، وليس في الوحي ما يؤيده ، ولا يوثق به إلا بعهد من الله عز وجل ، ولا عهد بهذا ، وإنما عهد الله هو ما سبق في سورة البقرة (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون ، بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) البقرة 80 - 82(6).

ثم تناول تفسير قوله تعالى : ( فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) آل عمران 25 ، وعندما تكلم على جملة ( وهـم لا يظلمون ) قال : ( وقد قال المفسرون في هذه الجملة كلمة أحب التنبيه على ما فيها ، قالوا فيها دليل على أن العبادة لا تحبط ، وأن المؤمن لا يخلد في النار لأن توفية جزاء إيمانه وعمله لا تكون في النار ولا قبل دخولها ، فإذاً هي بعد الخلاص منها ، والعبارة للبيضاوي ، ونقلها أبو السعود كعادته ، وأقول : إن الكسب هنا ليس خاصاً بالعبادة والإيمان ، بل هو عام وشامل لكل ما عمله العبد من خير وشر ، فإذا أرادوا أن الآية تدل على أنه لابد من الجزاء على الكسب كما هو ظاهر الآية ، لزمهم أن الكافر إذا أحسن في بعض الأعمال - ولا يوجد أحد من البشر لا يحسن عملاً قط - وجب أن يجازىَ عليه ، وهم لا يقولون بذلك ، ولذلك خصصوا وأخرجوا الآية عن ظاهرها ، وإذا نحن جمعنا بين هذه الآية التي وردت رداً لقول الذين زعموا أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة ، وآية البقرة التي وردت في ذلك أيضاً ، وعلمنا أن مراد الله في الجزاء على كسب الإنسان بحسبه ، وهو أن العبرة بتأثير العمل في النفس فإذا كان أثره السيئ قد أحاط بعلمها وشعورها ، واستغرق وجدانها كانت خالدة في النار ، لأن العمل السيئ لم يدع للإيمان أثراً صالحاً فيها يعدها لدار الكرامة ، بل جعلها من أهل دار الهوان بطبعها ، وإذا لم يصل إلى هذه الدرجة بأن أغلب عليها تأثير العمل الصالح أو استوى الأمران فكانت بين بيـن جوزيت على كل بحسب درجته كما قررنا آنفاً .(7).






 
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:56 PM.


Powered by vBulletin® , Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
" ما ينشر في المنتديات يعبر عن رأي كاتبه "