العودة   شبكة الدفاع عن السنة > المنتديـــــــــــــات الحوارية > الــــحــــــــــــوار مع الاثني عشرية

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-05-12, 11:55 PM   رقم المشاركة : 1
جاسمكو
عضو ماسي






جاسمكو غير متصل

جاسمكو is on a distinguished road


المهدي حقيقة تاريخية ام فرضية فلسفية احمد الكاتب

[SIZE="4"]



أحمد الكاتب



الإمام المهدي

"محمد بن الحسن العسكري"

حقيقة تاريخية ؟.. أم فرضية فلسفية ؟

الجزء الثاني من كتاب

تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه



الطبعة الخامسة

2007

حقوق الطبع محفوظة

[email protected]

يمكن الاطلاع على الكتاب كاملا على العنوان التالي

WWW.ALKATIB.CO.UK



بسم الله الرحمن الرحيم



قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ .. إن تتبعون إلا الظن ، وان انتم إلا تخرصون ! ( يونس 36)

إن هي إلا أسماء سميتموها انتم وآباؤكم ، ما أنزل الله بها من سلطان، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى .( النجم 23)

وما لهم به من علم .. إن يتبعون إلا الظن .. وان الظن لا يغني من الحق شيئا .. ( النجم 28)



المقــــــــــدمة

هل الإمام المهدي "محمد بن الحسن العسكري" حقيقة تاريخية؟..أم فرضية فلسفية؟
هذا سؤال مهم جدا ينبغي طرحه اليوم من أجل التقدم في عملية بناء الأمة الإسلامية وتجديدها وتحريرها وتوحيدها.
ولكن ما هو الفرق؟ سواء كان المهدي حقيقة.. أم فرضية؟ مولوداً؟ أم غير مولود؟ وماذا يهمنا من الأمر في حياتنا المعاصرة؟ إذا كان ظهور المهدي أمراً غيبياً مستقبلياً؟
ولكن من قال ذلك؟ ومن قال إن موضوع المهدي "محمد بن الحسن العسكري" أمر تاريخي أو مستقبلي غيبي، وليس أمرا سياسيا فكريا معاصرا؟
صحيح.. إن فكرة المهدوية بصورة عامة مسألة غيبية مستقبلية، وإن مسألة ولادة الإمام الثاني عشر "محمد بن الحسن العسكري" مسألة تاريخية قديمة، ولكن الإيمان بهذا الإمام مسألة حيوية معاصرة تدخل في عقيدة الشيعة الامامية الاثني عشرية، وتشكل العمود الفقري لها. كما انها شكلت وتشكل الأرضية الأيديولوجية لفكرهم السياسي القديم والمعاصر، ومن ثم فإنها تلعب دورا كبيرا في علاقاتهم الداخلية والخارجية مع الطوائف الإسلامية الأخرى، وتدخل في صميم الوحدة الإسلامية والعملية الديموقراطية.
إن فكرة المهدوية لا تختص بشعب دون آخر، ولا بأمة دون أخرى.. فقد عرفها جميع شعوب الأرض حتى من غير المسلمين أو الموحدين. وذلك لأن كل شعب يتعرض للظلم والاضطهاد يحلم بغد أفضل وإمام عادل (مهدي) يملأ الأرض قسطا وعدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا. ومن هنا فقد عرف المسلمون بمختلف طوائفهم وأحزابهم كثيرا من الأئمة المهديين وأدعياء المهدوية الذين قادوا الحركات الشعبية المطالبة بالعدالة، ونجح بعضهم في تحقيق أهدافهم في الوقت الذي فشل فيه آخرون.
وكان لكل (مهدي) قصة.. ولكن قصة "الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري" تختلف عن جميع الأئمة المهديين أو أدعياء المهدوية عبر التاريخ، وتحمل أبعادا كثيرة وخطيرة . فالإمام "الحجة بن الحسن" ليس مجرد أمل يحلق في المستقبل، وإنما هو "إمام حي موجود ولد في منتصف القرن الثالث الهجري ولا يزال يعيش اليوم وسوف يظهر في المستقبل". وبالتالي فقد ترتبت وتترتب على هذه العقيدة أمور كثيرة فكرية وسياسية.
فقد ولدت على أثر الإيمان بوجود الإمام "محمد بن الحسن العسكري" الفرقة الاثنا عشرية، بعد أن كاد المذهب الإمامي يصل إلى طريق مسدود، وذلك بوفاة الإمام العسكري دون الإشارة إلى وجود ولد له في الظاهر، ودون الإشارة إلى مصير الإمامة من بعده. ورغم وجود تيارات شيعية أخرى تعتقد بسلسلة أخرى من الأئمة العلويين، أو تؤمن بنظام وراثي مرن يجيز الانتقال إلى الاخوة وأبناء العم، إلا ان تيارا شيعيا مهما كان يعتقد بضرورة انتقال الإمامة إلى الورثة بصورة عمودية، أي في الأعقاب وأعقاب الأعقاب أبداً إلى يوم القيامة، اضطر إلى الإيمان بوجود ولد للإمام العسكري بصورة سرية، وخلافا للظاهر، مما أدى إلى تشكل الفرقة الاثني عشرية. ولو لم يكن ذلك الفريق من الشيعة يؤمنون بولادة ووجود "الإمام محمد بن الحسن العسكري" لما تكونت الفرقة الاثنا عشرية، ولوصلت نظرية الإمامة إلى طريق مسدود، على الأقل في هذا الخط من أبناء علي والحسين والكاظم.
ولما كان الشيعة الامامية يعتقدون بضرورة اتصاف الإمام بالعصمة والنص عليه من الله، وأنهم آمنوا بوجود ذلك الإمام المعصوم المعين من قبل الله، وهو "الإمام محمد بن الحسن العسكري" فقد تحتم عليهم انتظار ذلك الإمام ، وعدم الخوض بأي نشاط سياسي ثوري أو حكومي إلا تحت قيادة ذلك الإمام المنتظر. وعندما طلت غيبة ذلك الإمام، وامتد انتظار الشيعة الاثني عشرية له ؛ فقد دخل الشيعة في غيبة سياسية، وانسحبوا من مسرح التاريخ قرونا طويلة من الزمن. ورغم التطورات الإيجابية الحديثة التي حدثت في فكرهم السياسي فلا يزال قسم منهم يمتنع عن الخوض في السياسة انتظارا لظهور الإمام المعصوم الغائب.
وفي هذه الأثناء، ومنذ أيام الغيبة الأولى ، ظهرت في صفوف الشيعة دعوات أو ادعاءات بالنيابة الخاصة والعامة، عن الإمام المهدي الغائب، واللقاء به وأخذ التوجيهات والتعليمات والعلوم الشرعية عنه. وقد اشتهر حوالي أربعة وعشرين نائبا أو مدعيا للنيابة الخاصة عن الإمام المهدي في فترة ما يسمى بالغيبة الصغرى، التي امتدت حوالي سبعين عاما من وفاة الإمام العسكري، وادعى بعض العلماء كالشيخ المفيد، في القرن الخامس الهجري، استلام رسائل خاصة من الإمام المهدي، ثم ظهرت نظرية النيابة العامة للفقهاء، أي كون كل فقيه نائبا عن الإمام المهدي حتى إذا لم يسمه أو يعينه بالخصوص.
وفي ظل هذه الأجواء ظهرت المرجعية الدينية الشيعية التي اكتسبت هالة قدسية، سواء بواسطة النيابة الخاصة أو العامة، وأصبح المرجع الديني يحتل في صفوف الشيعة، موقعا متميزا لا يضاهيه إلا إمام معصوم.
ورغم حدوث تطور كبير في الفكر السياسي الشيعي في العقود أو القرون الأخيرة، وميل كثير من الفقهاء والسياسيين إلى إنهاء موقف الانتظار السلبي الممدود للإمام المهدي الغائب، واتخاذهم قرارا بالثورة أو إقامة الدولة في (عصر الغيبة) إلا أن إيمانهم بوجود الإمام المهدي "محمد بن الحسن العسكري" وأنه مصدر الشرعية الدستورية، دفعهم لإضفاء مسحة دينية على نشاطاتهم السياسية، والاستغناء عن اكتساب أية شرعية شعبية أو ديموقراطية، وبالتالي إعطاء أنفسهم صلاحيات مطلقة ديكتاتورية، وهو ما هدد ويهدد التجارب السياسية الحديثة التي يقوم بها الشيعة، ويقف عائقا أمام التطور الديموقراطي للمجتمعات الشيعية.
وعلى رغم انخراط الشيعة في العراق في هذه الأيام في عملية بناء النظام الديموقراطي، إلا أن بعض رجال الدين استغلوا فكرة وجود الإمام المهدي ليدعوا علاقات خاصة لهم معه، تتيح لهم مكانة فوق ديكتاتورية، وأبعد ما تكون عن الديموقراطية.
ومن هنا فإن مسألة وجود "الإمام المهدي الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري" لم تعد مسألة غيبية تاريخية أو مستقبلية، وإنما أضحت شأنا معاصرا حيويا فكريا سياسيا. وبالتالي فإن كثيرا من الأمور تصح إذا كان وجود الإمام حقيقة تاريخية، وتختلف إذا لم يكن كذلك.
ولقد ولد الكاتب ونشأ شيعيا إماميا أثني عشريا، ثم قام بدراسة هذه المسألة فتوصل إلى أنها فرضية فلسفية وليست حقيقة تاريخية. وقام بنشر دراسته قبل حوالي عشر سنين (في سنة 1997) ضمن كتاب "تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه" الذي كان يبحث بالإضافة إلى مسألة وجود الإمام الثاني عشر، نظرية الإمامة لأهل البيت، وتطور الفكر السياسي الشيعي في عصر الغيبة. وقد طبع ذلك الكتاب عدة طبعات، وأثار عاصفة من الردود والنقاشات لم تهدأ بعد، فقد كتبت في الرد عليه عشرات الكتب والمقالات، ولا يزال النقاش مستمرا، ولكن كثيرا من الردود اتجهت لمناقشة الجزء الأول من الكتاب وإثبات صحة نظرية الإمامة، وأغفل كثير من الكتاب الحديث عن جوهر الكتاب وهو موضوع وجود الإمام الثاني عشر، وكنت أتمنى لو يركز الباحثون على هذا الموضوع ففيه غنى لهم عن تجشم محاولة إثبات الموضوع الأول، إذ لو ثبت وجود الإمام الثاني عشر لثبتت صحة نظرية الإمامة، نوعا ما، وإذا لم يثبت وجوده يستحيل إثبات نظرية الإمامة بتلك الصورة المعروفة لدى الشيعة الامامية الاثني عشرية.
ومن هنا شعرت بضرورة إخراج الكتاب بشكل جديد، واختصار الجزئين الأول والثالث، مع التركيز على الجزء الثاني من كتاب "تطور الفكر السياسي الشيعي" وهو:"الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري.. حقيقة تاريخية؟ أم فرضية فلسفية؟" وطباعته بصورة مستقلة. أملا في أن يساعد نشر هذا الكتاب في إثراء البحث حول الموضوع، وتطوير الفكر السياسي الشيعي خطوات أوسع نحو الديموقراطية، وتوحيد الأمة الإسلامية.
أحمد الكاتب
11 آذار 2007
لندن

ملخص الجزء الأول[1]


نظرية الإمامة الإلهية لأهل البيت

الشورى نظرية أهل البيت السياسية

يشكل "الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري" الرقم الثاني عشر في سلسلة الأئمة المعصومين الذين يعتقد الشيعة الإثنا عشرية بتعيينهم من قبل الله، والذي يقولون إنه ولد في منتصف القرن الثالث الهجري، بصورة سرية واختفى بعد وفاة والده الإمام العسكري سنة 260 للهجرة، في سامراء.
والإثنا عشرية هم فريق من الإمامية الذين ولدوا في القرن الثاني الهجري من بين عدد من الفرق الشيعية التي كانت تحارب الدولة الأموية وتلتف حول عدد من الأئمة العلويين أو الفاطميين. وامتاز الإمامية بلقبهم هذا لأنهم طوروا ولاءهم لأهل البيت من ولاء سياسي إلى عقيدة دينية، واعتقدوا بأن الأئمة معصومين ومعينين من قبل الله. ورفضوا - بناء على ذلك- الشورى كطريق لانتخاب الإمام.
وكان قولهم هذا رد فعل على تسلط الحكام الأمويين بالقوة ، وتداولهم للسلطة بالوراثة ، وادعائهم للعصمة ومطالبتهم للأمة بالطاعة المطلقة، فقالوا رداً على ذلك بأحقية أهل البيت من الأمويين بالخلافة، وضرورة تداولها في أعقابهم. ولكن هذه النظرية لم تكن نظرية أهل البيت أنفسهم ولا عموم الشيعة في القرون الأولى.

وقد انطلق الإماميون في بناء نظريتهم من كون الإمام علي بن أبي طالب وصيا للنبي (ص) وهو أمر ثابت لا يختلف عليه المسلمون.[2] ولكنه كان يتعلق بالأمور العادية والشخصية، ولم تكن له علاقة بالسياسة والإمامة أو الخلافة الدينية.[3] كما انطلقوا من "حديث الغدير" الذي ورد أن النبي قال فيه:"من كنت مولاه فهذا علي مولاه". وهو حديث يعترف المسلمون بصحته ولكنهم ينفون دلالته على الإمامة. ومن هنا فان الصحابة (رضي الله عنهم) لم يفهموا من حديث الغدير أو غيره من الأحاديث معنى النص والتعيين بالخلافة ، ولذلك اختاروا طريق الشورى ، وبايعوا أبا بكر كخليفة من بعد الرسول (ص). وكان منهم الإمام علي نفسه الذي بايع أبا بكر وعمر وعثمان. ولم يستلم الخلافة إلا بعد بيعة الناس له بيعة عامة في المسجد. وينقل الكليني رواية عن الإمام محمد الباقر يقول فيها**** إن الإمام علي لم يدع إلى نفسه وإنه أقر القوم على ما صنعوا وكتم أمره.[4] وعندما قتل عثمان وجاء المهاجرون والأنصار إلى الإمام علي يطالبونه بتولي الخلافة ، دفعهم ، وقال لهم: " دعوني والتمسوا غيري، واعلموا أنى إن أجبتكم ركبت بكم ما اعلم ، وان تركتموني فأنا كأحدكم ، ولعلي أسمعكم واطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميرا".[5]

وهناك رواية في (كتاب سليم بن قيس الهلالي) تكشف عن إيمان الإمام علي بنظرية الشورى وحق الأمة في اختيار الإمام ، حيث يقول في رسالة له:****" الواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم أو يقتل .. أن لا يعملوا عملا ولا يحدثوا حدثا ولا يقدموا يدا ولا رجلا ولا يبدءوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماما عفيفا عالما ورعا عارفا بالقضاء والسنة".[6]

وعندما أصبح الإمام علي (ع) حاكما كان ينظر إلى نفسه كانسان عادي غير معصوم ، ويطالب المسلمين أن ينظروا إليه كذلك ، ويقول لهم:" إني لست في نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي ، إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني، فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل".[7]

وعندما ضربه عبد الرحمن بن ملجم ، دخل المسلمون على الإمام علي، وطلبوا منه أن يستخلف ابنه الحسن ، فقال****:" لا ، إنا دخلنا على رسول الله فقلنا****: استخلف ، فقال****: لا ،**** أخاف أن تفرقوا عنه كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون، ولكن إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يختر لكم" . وسألوه أن يشير عليهم بأحد ، فما فعل ، فقالوا له****: إن فقدناك فلا نفقد أن نبايع الحسن . فقال****:" لا آمركم ولا أنهاكم . أنتم أبصر".[8]

وقد قام الإمام أمير المؤمنين (ع) بالوصية إلى الإمام الحسن وسائر أبنائه، ولكنه لم يتحدث فيها عن الإمامة أو الخلافة ، حيث كانت وصيته شخصية وروحية وأخلاقية.‌[9]

وذكر المؤرخون: انه لما توفي الإمام علي (ع) خرج عبد الله بن العباس بن عبد المطلب إلى الناس فقال: إن أمير المؤمنين توفي ، وقد ترك خلفا ، فان أحببتم خرج إليكم ، وان كرهتم فلا أحد على أحد. فبكى الناس وقالوا: بل يخرج إلينا.[10]

وبعد أن بايعه الناس قام الإمام الحسن بالتنازل عن الخلافة إلى معاوية، واشترط عليه العودة بعد وفاته إلى نظام الشورى، حيث قال في شروط الصلح****: "...على انه ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده، وأن يكون الأمر شورى بين المسلمين".[11]

ولو كانت الخلافة بالنص من الله والتعيين من الرسول ، كما تقول النظرية الامامية ، لم يكن يجوز للإمام الحسن أن يتنازل عنها لأي أحد تحت أي ظرف من الظروف ، ولم يكن يجوز له بعد ذلك أن يبايع معاوية أو أن يدعو أصحابه وشيعته لبيعته ، ولم يكن يجوز له أن يهمل الإمام الحسين وإنما كان يجب أن يشير إليه من بعده .. ولكن الإمام الحسن لم يفعل أي شيء من ذلك وسلك مسلكا يوحي بالتزامه بحق المسلمين في انتخاب خليفتهم عبر نظام الشورى.

وهكذا نجد ذات الفكر السياسي عند الإمام الحسين الذي خرج على يزيد بن معاوية سنة 60 للهجرة، حيث لا توجد أية آثار لنظرية النص في رسائله إلى شيعة الكوفة، ولم يكن يطالب بالخلافة كحق شخصي له "لأنه ابن الإمام علي أو انه معين من قبل الله". ولذلك فانه لم يفكر بنقل "الإمامة" إلى أحد من ولده ، ولم يوصِ إلى ابنه الوحيد الذي ظل على قيد الحياة (علي زين العابدين)، وإنما أوصى إلى أخته زينب أو ابنته فاطمة ، وكانت وصيته عادية جدا تتعلق بأموره الخاصة، ولا تتحدث أبدا عن موضوع الإمامة والخلافة.[12]

وقد اعتزل علي بن الحسين السياسة ، ورفض قيادة الشيعة الذين كانوا يطالبون بالثأر لمقتل أبيه الحسين، ويعدون للثورة ، ولم يدّعِ الإمامة ، ولم يتصدَّ لها ، ولم ينازع عمه محمد بن الحنفية فيها ، وكما يقول الشيخ الصدوق :" فانه انقبض عن الناس فلم يلق أحدا ولا كان يلقاه إلا خواص أصحابه ، وكان في نهاية العبادة ولم يخرج عنه من العلم إلا يسيرا".[13]

وعندما قام المختار بن عبيدة الثقفي بحركته في الكوفة ، كتب إلى علي بن الحسين يريده على أن يبايع له ويقول بإمامته ويظهر دعوته ، فأبى أن يجيبه عن كتابه ، فلما يئس المختار منه كتب إلى عمه محمد بن الحنفية يريده على مثل ذلك ، واخذ يدعو إلى إمامته. وقد استلم محمد بن الحنفية قيادة الشيعة فعلاً ، ورعى قيام دولة المختار بن عبيدة الثقفي في الكوفة.

لقد كان أئمة أهل البيت يعتقدون بحق الأمة الإسلامية في اختيار أوليائها، وبضرورة ممارسة الشورى ، ويدينون الاستيلاء على السلطة بالقوة. ولعلنا نجد في الحديث الذي يرويه الصدوق عن الإمام الرضا عن أبيه الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن علي بن الحسين عن الحسين بن علي عن أبيه عن جده رسول الله (ص) والذي يقول فيه من جاءكم يريد أن يفرق الجماعة ويغصب الأمة أمرها ويتولى من غير مشورة فاقتلوه ، فان الله عز وجل قد أذن ذلك" [14].. لعلنا نجد في هذا الحديث افضل تعبير عن إيمان أهل البيت بالشورى والتزامهم بها. وإذا كانوا يدعون الناس إلى اتباعهم والانقياد إليهم فإنما كانوا يفعلون ذلك إيمانا بأفضليتهم وأولويتهم بالخلافة في مقابل الحكام الذين كانوا لا يتبعون الكتاب ولا يقيمون القسط ولا يدينون بالحق.

من هنا وتبعا لمفهوم (الأولوية) قالت أجيال من الشيعة الأوائل، وخاصة في القرن الأول الهجري:" إن عليا كان أولى الناس بعد رسول الله لفضله وسابقته وعلمه ، وهو افضل الناس كلهم بعده ، و أشجعهم و أشجاهم وأرعهم وأزهدهم" . وأجازوا مع ذلك إمامة أبى بكر وعمر وعدوهما أهلا لذلك المكان والمقام ، وذكروا: "إن عليا سلم لهما الأمر ورضي بذلك وبايعهما طائعا غير مكره وترك حقه لهما ، فنحن راضون كما رضي المسلمون له ، ولمن بايع ، لا يحل لنا غير ذلك، ولا يسع منا أحدا إلا ذلك ، وان ولاية أبى بكر صارت رشدا وهدى لتسليم علي ورضاه ".[15]

وكانت نظرتهم إلى الشيخين أبى بكر وعمر نظرة إيجابية ، إذ لم يكونوا يعتبرونهما "غاصبين" للخلافة التي تركها رسول الله شورى بين المسلمين، ولم ينص على أحد بالخصوص.

من الشورى إلى .. الحكم الوراثي

وحتى بداية القرن الثاني الهجري لم يكن الفكر السياسي الشيعي يعرف نظرية النص أو الإمامة الإلهية، حيث كان الإمام محمد الباقر يجادل منافسيه من أبناء علي والحسين بالعلم وامتلاك سلاح رسول الله وحق وراثة المظلوم ، اكثر مما كان يجادلهم بالنص الصريح أو الوصية الواضحة. وقد اعتمد الإمام الباقر في الدعوة إلى نفسه ، باعتباره أولى من الجميع ، للثأر من مقتل جده الإمام الحسين ، وبالتالي قيادة الشيعة لتحقيق هذا الهدف ، فكان يقول:"****ومن قُتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا" (الإسراء 17:33) [16] بينما كان أخوه الإمام زيد بن علي يعتمد في إمامته على الجهاد ويقول: ليس الإمام منا من جلس في بيته و أرخى ستره وثبط عن الجهاد ، ولكن الإمام منا من منع حوزته وجاهد في سبيل الله حق جهاده ودفع عن رعيته وذب عن حريمه.[17]

ولم يكن الإمام الصادق يطرح نفسه كإمام مفترض الطاعة من الله ، وإنما كزعيم من زعماء أهل البيت ، ولذلك فقد استنكر قول بعض الشيعة في الكوفة "إنه إمام مفترض الطاعة من الله". وقال لمن سأله: ما اعرف ذلك في أهل بيتي .[18] وقد استطاع الإمام الصادق أن يثبت إمامته وجدارته في قيادة الشيعة بما كان يتمتع به من خلق رفيع وعلم غزير ومحتد كريم . ولم يكن بحاجة ماسة للوصية أو الإشارة إليه لكي يتبوأ ذلك المقام العظيم الذي احتله في المجتمع والتاريخ. ولا توجد في التراث الشيعي أحاديث كثيرة عن موضوع النص عليه أو الوصية له من أبيه بالإمامة ، ما عدا رواية تتحدث عن وصية عادية جداً .[19]

ونتيجة لعدم تمتع الإمام الصادق بميزة "إلهية" خاصة ، وعدم معرفة الشيعة في ذلك الزمان بوجود أي نص إلهي حوله بالإمامة ، فقد قام عمه الإمام زيد بن علي بقيادة الشيعة، وفجر ثورة في الكوفة سنة 122هـ ، والتف الشيعة من بعده حول ابنه يحيى بن زيد الذي قام بثورة أخرى ضد النظام الأموي سنة 125هـ.. وبعد فشل هاتين الثورتين بثلاثة أعوام تفجرت ثورة شيعية أخرى واسعة عام ‍ 128 للهجرة ، بقيادة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار. وهي الثورة التي عصفت بجماهير الشيعة في مختلف مدن العراق وامتدت إلى الماهين وهمذان وقومس واصبهان والري وفارس ، وقد كان شعار الثورة : (إلى الرضا من آل محمد) وهي دعوة عموم الشيعة في ذلك الحين ، وقد اتخذ عبد الله ابن معاوية من اصبهان مركزا لدعوته وحركته ومناطق نفوذه ، وبعث إلى الهاشميين علويين وعباسيين يدعوهم إليه ليساهموا معه في إدارة البلاد التي سيطر عليها فقدم عليه عدد كبير منهم.[20]

وبعد فشل هذه الثورة ذهب الشيعة إلى اتباع الإمام محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ذي النفس الزكية الذي ظهر في المدينة في أول رجب سنة 145هـ، في أيام المنصور العباسي. [21]

بوادر الفكر الإمامي

وفي تلك الأثناء، قام فريق صغير من المتكلمين الشيعة بالغلو في أهل البيت، وادعى بعضهم كهشام بن الحكم الكندي وهشام بن سالم الجواليقي ومحمد بن علي النعمان ، الملقب بمؤمن الطاق، وعلي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمار ، وحمران بن أعين ، وأبي بصير المرادي :" أن الإمامة مفروضة من الله ، وهي في أهل البيت ، وإنها متوارثة في ذرية الحسين بصورة عمودية إلى يوم القيامة ، وإنها تثبت بالنص أو الوصية أو المعاجز الغيبية".[22] وكانوا يغلفون أقوالهم بلفائف من الكتمان ، ويدعون أن الأئمة كانوا يسرون لهم بذلك، خلافا لما كانوا يعلنون ، ويفسرون نفيهم لهذه النظرية بالخوف والتقية.

فلسفة العصمة

وقد انطلق أولئك المتكلمون في بناء نظريتهم "الإمامية" من ضرورة "العصمة" في الإمام (أي الرئيس أو الخليفة أو السلطان) وذلك بناء على مفهوم الإطلاق في الطاعة لأولي الأمر، وعدم جواز النسبية فيها. وهو المفهوم الذي كان الحكام الأمويون يدأبون على ترويجه، ويطالبون المسلمين بطاعتهم طاعة مطلقة في الخير والشر ، على أساسه. وهو ما أوقع فلاسفة الإمامية والمتكلمين في شبهة التناقض بين ضرورة طاعة الله الذي يأمر بطاعة أولى الأمر، كما في الآية الكريمة: ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم ) النساء 59، وضرورة طاعة الحكام بصورة مطلقة حتى في المعاصي والمحرمات. فقال المتكلمون بضرورة أن يكون الإمام (مطلق الإمام) "معصوماً من الله" حتى لا يأمر بمعصية ولا يقع المسلمون في حرج التناقض بين طاعته في ذلك وعصيان الله ، أو معصيته وعصيان الله الذي يأمر بطاعته.[23]

وبالإضافة إلى قضية الطاعة وضرورة أن يكون الوالي أو صاحب الأمر معصوماً ، ادعى بعض المتكلمين**** الشيعة عدم استطاعة المسلمين التعامل مع القرآن والاستفادة منه مباشرة، وقالوا بوجود حاجة إلى مفسر للقرآن الكريم يستقي علمه من الله.[24] ورفضوا طريق الاجتهاد للحصول على العلم الشرعي.[25] ورأى بعضهم ضرورة توفر شروط أخرى في الإمام ، وهي وجوب أن يكون أفضل المسلمين ، وعدم جواز إمامة المفضول.[26]

وبعد تقرير ضرورة اتصاف الإمام ، مطلق الإمام ، بالعصمة والأفضلية، وعدم جواز إمامة غير المعصوم أو الجاهل أو المفضول ، وهو ما لا يوجد طريق للتعرف عليه سوى إرشاد الله تعالى إليه، قام الفكر الإمامي بإسقاط الشورى طريقا لاختيار الإمام ، ليحل محلها النص أو الوصية أو المعاجز الغيبية التي تميز الإمام المختار من قبل الله تعالى عن غيره من البشر.[27]

يقول الشريف المرتضى****:" إذا ثبت وجوب كون الإمام عالما بكل الأحكام استحال اختياره ووجب النص عليه... وإذا ثبت أن الإمام لنا في جميع الدين وعلومه وأحكامه ، وجب أن يكون افضل منا في جميع ذلك ، وفي ثبوت كونه افضل واكثر ثوابا وجوب النص عليه ، لأن ذلك مما لا طريق إلى معرفته بالاختيار".[28] ويضيف:" اعلم أن كلامنا في وجوب النص ، وانه لا بد منه ولا يقوم غيره في الإمامة مقامه ، تقدم ، وذلك كافٍ في فساد الاختيار ، لأن كل شيء أوجب النص بعينه فهو مبطل للاختيار".[29]

وبعد أن يبطل الفكر الإمامي قانون الشورى والانتخاب، ينتقل إلى ضرورة النص على الإمام من الله كطريق وحيد لمعرفته ، ثم يحصر الإمامة في الأئمة المعصومين من أهل البيت ، وهم الإمام علي بن أبى طالب والحسن والحسين والأئمة من ذرية الحسين "الذين نصّبهم الله تعالى قادة لخلقه إلى يوم القيامة". ولكن الفكر الإمامي يعجز عن إثبات النصوص على الأئمة الإثني عشر‍ ، وخاصة الإمام علي بن الحسين ، الذي يشكل حلقة الوصل بين الإمام الحسين ، وبين بقية أبنائه إلى يوم القيامة. ولذلك يذهب إلى الاعتماد على وسائل أخرى غير النص في إثبات الإمامة للأئمة الآخرين ، وهي الوصية والعقل والمعاجز وما إلى ذلك. [30]

انحصار الإمامة في ذرية الحسين

واختلف الشيعة الأوائل في امتداد الإمامة في البيتين الحسني أو الحسيني، فقال بعضهم كالجارودية: إن حديث الثقلين يشمل الجميع. وبنوا نظريتهم في جواز الإمامة في أبناء الحسن والحسين على ذلك الحديث ‍‍.[31] وفضل بعضهم أبناءَ الحسن على أولاد الحسين، وذهبوا إلى كون المهدي المنتظر منهم. فيما قام فريق ثالث بحصر الإمامة في ذرية الحسين فقط دون دليل ظاهر. وقد ادعى هشام بن سالم الجواليقي انه سأل الإمام الصادق**** كيف صارت الإمامة من بعد الحسين في عقبه دون ولد الحسن ؟.. فقال:"إن الله تبارك وتعالى أحب أن يجعل سنة موسى وهارون جارية في الحسن والحسين، ألا ترى انهما شريكين في النبوة كما كان الحسن والحسين شريكين في الإمامة".[32] ولكن الشيعة ظلوا يتساءلون عن سر حصر الإمامة في ذرية الحسين مع قيام أبناء الحسن بقيادة الشيعة عمليا وتفجيرهم للثورات المختلفة هنا وهناك.[33] وكان عبد الله بن الحسن بن الحسن ينكر حصر الإمامة في البيت الحسيني ، ويقول مستنكرا: "كيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون الحسن وهما سيدا شباب أهل الجنة ؟! وهما في الفضل سواء، إلا ان للحسن على الحسين فضلا بالكبر، وكان الواجب أن تكون الإمامة إذن في الأفضل".[34]‍‌



الوراثة العمودية

وإضافة إلى ذلك قال الامامية بامتداد الإمامة في أولاد الحسين بصورة عمودية حتى قيام الساعة، وذلك في الأكبر فالأكبر ، وعدم جواز انتقالها إلى أخ أو ابن أخ ، أو عم أو ابن عم.[35] وقد روى الكليني والصدوق والمفيد والطوسي أحاديث عن الإمام الصادق تشير إلى قانون الوراثة العمودية وامتداد الإمامة في الأعقاب وأعقاب الأعقاب ، هكذا أبداً إلى يوم القيامة.[36]

استمرار الإمامة إلى يوم القيامة

وبعد سقوط نظرية الشورى، عند فلاسفة نظرية الإمامة الإلهية، كطريق لانتخاب الإمام ، كان لا بد أن تمتد هذه النظرية من يوم وفاة الرسول الأعظم (ص) إلى يوم القيامة ، ولا تتحدد في فترة معينة. ومن هنا قال هشام بن الحكم في حواره مع ضرار:"لا بد من أن يكون في كل زمان قائم بهذه الصفة (العصمة) إلى أن تقوم الساعة‌". وروى أبو بصير عن الإمام الباقر أن الإمامة في ولد علي وفاطمة إلى أن تقوم الساعة". [37] وروى إسحاق بن غالب عن أبى عبد الله الصادق:".. كلما مضى منهم إمام نصب لخلقه من عقبه إماما".[38]

وفي الحقيقة لم تكن هناك قائمة مسبقة بأسماء الأئمة القادمين ، وإنما كانت هذه القضية متروكة للزمن، وهناك أحاديث عديدة تقول:**** إن الأئمة لم يكونوا يعرفون بخلفهم من قبل، وانهم كانوا يعلمون بذلك في اللحظات الأخيرة من حياتهم، حيث يروي الصفار عن الإمام الصادق انه قال****: "إن الإمام السابق لا يموت حتى يعلمه الله إلى من يوصي، و إن الإمام التالي يعرف إمامته في آخر دقيقة من حياة الأول".[39]

ونظرا لعدم وجود قائمة مسبقة بأسماء الأئمة، معدة من قبل ، فقد كانت قضية معرفة هوية الإمام الجديد تعتبر قضية هامة عند الامامية. وكانوا يسألون الأئمة دائما عن مواصفات الأئمة القادمين، وكان الأئمة يجيبونهم بالعلامات لا الأسماء، كالسكينة والوقار والعلم والكبر والوصية.[40] وكثيراً ما كان الأئمة يرفضون إخبارهم بذلك.[41] وهناك أحاديث كثيرة تصرح بإمكانية جهل الشيعة بالإمام، وترسم لهم الموقف في ذلك الظرف، كالتمسك بالأول حتى يستبين الآخر.[42]

وقد روى الكليني والصدوق والمفيد حديثا عن عيسى بن عبد الله العلوي العمري عن أبى عبد الله جعفر بن محمد، قال قلت له:"جعلت فداك : إن كان كونٌ ولا أراني الله يومك فبمن أأتم ؟ قال: قال فأومأ إلى موسى ، فقلت : فإن مضى موسى فبمن أأتم ؟.. قال : بولده ، قلت فان مضى ولده وترك أخا كبيرا وابنا صغيرا فبمن أأتم ؟.. قال: بولده ، ثم هكذا أبدا ، قلت: فان أنا لم اعرفه ولم اعرف موضعه فما اصنع ؟.. قال:تقول: اللهم إني أتولى من بقي من حججك من ولد الإمام الماضي، فان ذلك يجزئك".[43]

سرية نظرية الإمامة

إن نظرية الإمامة الإلهية القائمة على العصمة والنص، لم تكن شائعة ومعروفة في أوساط الشيعة أو أهل البيت أنفسهم في القرن الأول الهجري ، ولم تكن لها رائحة في المدينة، وإنما بدأت تدب تحت الأرض في الكوفة في بداية القرن الثاني، وكان المتكلمون الذين ابتدعوها يلفونها بستار من التقية والكتمان.[44] وبما أن الأئمة من أهل البيت كانوا ينفون نظرية الإمامة الإلهية وينفون علمهم بالغيب، فقد أطلق المتكلمون الإماميون على هذه الحالة اسم "التقية". وذلك لكي يفسروا ظاهرة التناقض بين أقوال الأئمة وسيرتهم العلنية القائمة على الشورى والعلم الطبيعي ، وبين دعوى "الإمامة الإلهية القائمة على النص والتعيين والعلم الإلهي الغيبي" ، والتي كان ينسبها الاماميون إلى أهل البيت سراً.



نظرية الإمامة في مواجهة التحديات

نقد فلسفة العصمة

لم تكد نظرية الإمامة الإلهية تولد، حتى واجهت سلسلة من التحديات التي وضعتها على محك الاختبار، وأثبتت استحالتها ، فمن جهة كان مبدأ اشتراط "العصمة" في الإمام، الذي قامت عليه، مبدأ حادثاً، مرفوضا من قبل أهل البيت وعموم الشيعة ، حيث كانت فلسفة العصمة تقوم على مبدأ الإطلاق في الطاعة لولي الأمر، وعدم جواز أو إمكانية النسبية فيها ، وذلك مثل الرد على الإمام ورفض إطاعته في المعاصي والمنكرات لو أمر بها ، والأخذ على يده عند ظهور فسقه وانحرافه . وهو المبدأ الذي كان الحكام الأمويون يدأبون على ترويجه ومطالبة المسلمين بطاعتهم على أساسه طاعة مطلقة في الخير والشر ، وهو ما أوقع فلاسفة الامامية في شبهة التناقض بين ضرورة طاعة الله الذي يأمر بطاعة أولى الأمر في الآية الكريمة: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء 59 ، وضرورة طاعة الحكام بصورة مطلقة حتى في المعاصي والمحرمات.[45]

لكن هذا الأمر لم يثبت من إطلاق الآية الشريفة ، التي قد تفهم أيضا على أساس النسبية ، بل إن هذا ما يوحي به العرف والعقل والآيات الأخرى في القرآن الكريم ، التي تؤكد على مبدأ :" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ". ومع إن آية (أولي الأمر) كانت تنطبق على أولي الأمر والولاة والقادة الذين كان يعينهم الرسول الأكرم في حياته ، فان المسلمين الأوائل لم يكونوا يفهمون منها : معنى الإطلاق ، والطاعة لأولي الأمر حتى في المعاصي والمنكرات، وقد رفضت جماعة من المسلمين كان الرسول الأكرم قد أرسلها في سرية وأمّر عليها رجلا ، طاعة ذلك الرجل عندما أمر الجماعة في وسط الطريق بدخول نار أشعلها ، وطالبهم بالامتثال لأوامره ، وقالوا له: لقد فررنا من النار فكيف ندخل فيها . وفهموا الطاعة في حدود العرف والعقل والشرع ، وليس خارج ذلك ، وعادوا فأخبروا الرسول بما فعل القائد ، فأقرّهم على موقفهم العقلائي ،وحذرهم قائلا: لو دخلتم فيها للبثتم فيها.

وهذا ما يؤيد إمكانية الفهم النسبي لآيات القرآن الكريم في حدود العقل والعرف والسيرة والشرع، وعدم جواز فهمها فهما مطلقا دائما حتى في حالات التعارض مع أحكام أخرى عقلية أو شرعية.

وإذا انتفى الإطلاق وثبتت النسبية في الطاعة لأولي الأمر؛ لا تبقى حاجة إلى اشتراط العصمة في الإمام ، ويمكن للمسلمين انتخاب قائد لهم على أساس العدالة الظاهرية والتقوى والكفاءة، ليطبق لهم الدين ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وإذا انحرف هذا القائد (الإمام) فان لهم الحق في عصيانه ومخالفة أوامره وإسقاطه عن منصب الإمامة ، ولا طاعة له من الله في أعناقهم. ولكن المتكلمين الامامية رفضوا النسبية رفضا مطلقا وأصروا على مفهوم الإطلاق من الآية ، ولذلك بنوا نظريتهم في العصمة على هذا الأساس ، ثم أقاموا سائر المقولات على قاعدة العصمة.[46]

وكان أهل البيت أنفسهم يرفضون "العصمة " أشد الرفض ، ويصرحون أمام الجماهير بأنهم أناس عاديون قد يخطئون وقد يصيبون وأنهم ليسوا معصومين من الذنوب ، ويطالبون الناس بنقدهم وإرشادهم واتخاذ موقف المعارضة منهم لو صدر منهم أي خطأ أو أمروا بمنكر لا سمح الله . وقد وقف الإمام أمير المؤمنين علي بن أبى طالب في مسجد الكوفة وخاطب الجموع قائلا****: "لا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي لما لا يصلح لي ، فانه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما اثقل عليه .. فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل ، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطيء ولا آمن ذلك من فعلي ، إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني . فإنما أنا وانتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا ما لا نملك من أنفسنا ، وأخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى وأعطانا البصيرة بعد العمى".[47]

وقال الإمام الصادق: " والله ما نحن إلا عبيد ... ما نقدر على ضرّ ولا نفع ، إن رحمنا فبرحمته، وان عذبنا فبذنوبنا ، والله مالنا على الله من حجة ولا معنا من الله براءة ، وإنا لميتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون ومسئولون .. أشهدكم أنى امرئ ولدني رسول الله وما معي براءة من الله ، إن أطعت رحمني وان عصيته عذبني عذابا شديدا".[48]

أزمة البداء

ومن جهة أخرى أصيبت النظرية الامامية الوليدة ، في منتصف القرن الثاني الهجري، بنكسة شديدة عندما توفي إسماعيل بن جعفر الصادق ، وكان الاماميون في الكوفة قد التفوا حوله ونقلوا عن أبيه: أن إسماعيل خليفته من بعده ، فلما توفي في حياة أبيه تبين أن تعيينه ليس من الله ، وإلا فانه لم يكن ليموت قبل أبيه ، أو كان الإمام يوصي إلى من يعلم من الله انه سوف يبقى بعده. ولكن الإمامية غطوا على هذه المشكلة، بالقول بالبداء ، والزعم بتغير إرادة الله بشأن إسماعيل ، بعد أن كان الإمام الصادق ، حسب قولهم، قد أشار إليه وعينه إماما من بعده.

ورفض الإمام الصادق بعد ذلك تحديد هوية الإمام من بعده، فتوفي زرارة بن أعين ، وهو من أكبر أصحاب الإمامين الباقر والصادق ، دون أن يعرف هوية الإمام الجديد ، فوضع القرآن على صدره وقال: اللهم اشهد أني أأتم بمن أثبت إمامته هذا المصحف.[49] ولكن معظم الشيعة ذهبوا إلى القول بإمامة عبد الله الأفطح بن الصادق، باعتباره أكبر أولاد الإمام.[50] وكاد أن يحضى بإجماع الشيعة عليه بالرغم من عدم وجود نص واضح وصريح عليه من أبيه الإمام الصادق.[51] إلا أن عبد الله توفي بعد حوالي سبعين يوما من وفاة أبيه الصادق ، دون ان يخلف ولدا تستمر الإمامة في ذريته ، وهذا ما خلق أزمة جديدة في صفوف الامامية الذين كانوا يعتقدون أن الإمامة من الله ، وانها لا بد ان تستمر في الأعقاب وأعقاب الأعقاب هكذا أبدا إلى يوم القيامة، فانقسموا إلى ثلاث فرق ، حيث تراجع قسم منهم وهم "الموسوية" عن القول بإمامته وشطبوا اسمه من لائحة الأئمة. وانتقل قسم آخر إلى القول بإمامة أخيه موسى من بعده ، وعرف هؤلاء بالفطحية، وكانوا من كبار أصحاب الإمام الصادق وبقية الأئمة اللاحقين .[52] وقد تجاوز هؤلاء مسألة الوراثة العمودية ، وأجازوا القول بإمامة الأخوين إذا لم يكن للسابق ولد. بينما أصر فريق ثالث على ادعاء وجود ولد لعبد الله الأفطح ، في السر ، وقد أخفاه للتقية ، وقالوا إن اسمه ( محمد بن عبد الله) وانه المهدي المنتظر ، وانه غائب في اليمن.

وقد كشفت هذه الأزمة عن شاشة وغموض نظرية النص في الإمامة ، وصعوبة تحديد الامامية أو معرفتهم بالإمام المنصوص عليه من الله، أو اتفاقهم عليه، وإمكانية القول بإمام لا تتوفر فيه شروط الإمامة ، ثم التراجع عنه بعد ذلك ، مثل عبد الله الأفطح.

دليل المعاجز

ولما لم يكن الإمام موسى الكاظم يدعو إلى نفسه، ولم يكن يوجد عليه أي نص خاص من الله أو من أبيه ، فقد لجأ الامامية إلى سلاح "المعاجز وعلم الغيب" ليثبتوا وجود الارتباط الخاص بالسماء للإمام الكاظم ، وتحديده من بين اخوته كوريث شرعي ووحيد للإمام الصادق.[53]ويقول الكليني:"إن الإمام الكاظم كان يعلم متى يموت الرجل ويخبر أصحابه بذلك ، كما يخبرهم بمصائرهم في المستقبل.[54] إلا ان هذا "الدليل" كان يعاني من مشكلة صعوبة إثباته لأي أحد، خاصة في ظل نفي الإمام الكاظم له وإنكاره لمعرفة علم الغيب .

ولم تكد نظرية الإمامة تلتقط أنفاسها بعد أزمة الوصية إلى إسماعيل والبداء فيه ، وأزمة عبد الله الأفطح ووفاته دون عقب ، ثم أزمة إثبات إمامة الكاظم، حتى وقعت في أزمة جديدة هي: وفاة الإمام موسى الكاظم في سجن هارون الرشيد في بغداد سنة 183هـ بصورة غامضة ، وقول عامة الشيعة الموسوية بهروب الإمام من السجن وغيبته ، وإنكار وفاته. وقد كانت وفاة الكاظم غامضة حقاً بحيث التبس الأمر على معظم أبنائه و تلامذته وأصحابه.[55] وكان السبب الرئيسي في (وقوف) الشيعة الموسوية على الإمام الكاظم ، ورفض الاعتراف بإمامة ابنه الرضا ، هو وجود روايات كثيرة متداولة تلك الأيام بمهدوية الكاظم وحتمية قيامه قبل موته.[56]

وقد تشبث الاماميون في عملية إثبات "الإمامة" للرضا، بوصية الإمام الكاظم إليه ، ولكن الوصية كانت غامضة أيضا ، و غير صريحة بالإمامة ، خاصة وان الكاظم أشرك فيها بقية بنيه مع الرضا.[57] ونتيجة لغموض النص حول الإمام الرضا ، وعدم شيوع نظرية الإمامة الإلهية بين أوساط الشيعة في عهده، فقد برز عدد من الزعماء العلويين الآخرين كقادة للحركة الشيعية المعارضة ، كعلي بن عبيد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب ، و عبد الله بن موسى ، و محمد بن إبراهيم ابن طبطبا بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبى طالب. وأعلن محمد الديباج بن الإمام الصادق، نفسه: "أميرا للمؤمنين" في الحجاز ، وأخذ البيعة بعد صلاة الجمعة لست خلون من ربيع الآخر سنة 200 للهجرة،‌‌ وقد رجا أن يكون المهدي القائم .. ولكنه سرعان ما فشل وتنازل عن الخلافة ، وبايع المأمون.[58]

وما يهمنا من أمر محمد الديباج ، هو موقف الطالبيين والشيعة عموما من حركته، وحشر الناس لبيعته ، وهو ما يدل على حجم التأييد له بالنسبة إلى ابن أخيه الرضا ، وجهل عامة الشيعة بنظرية الإمامة الإلهية القائمة على العصمة والنص التي كان يقول بها جماعة من المتكلمين في الكوفة بصورة سرية.

وعندما عرض المأمون العباسي الخلافة على الإمام علي بن موسى الرضا عام 201 للهجرة ، فانه لم يعرضها عليه باعتباره الإمام الثامن في سلسلة الأئمة الاثني عشر ، وإنما بناء على فضله وجلالته ، وكان المأمون قد عاهد الله ، خلال صراعه مع أخيه الأمين، أن ينقل الخلافة إلى افضل آل أبى طالب، ثم أعلن: ان علي الرضا هو افضل العلويين. [59] وقد دعا المأمون الإمام الرضا لاستلام الخلافة منه ، وعندما رفض الإمام ذلك ، عرض عليه ولاية العهد فقبلها.[60]

ومهما اختلف المؤرخون في تحليل موقف المأمون ، فان مبايعة الإمام الرضا له وقبوله بولاية العهد، يكشفان عن موقف أيديولوجي ظاهر بشرعية خلافة المأمون وواقعية إمامة الرضا، بعيدا عن نظرية "الإمامة الإلهية الخاصة في أولاد علي والحسين" .

وقد تحدث الإمام الرضا عن نظرية الشورى بصراحة وروى عن آبائه وأجداده الأطهار ، حديثا عن رسول الله (ص) أنه قال****:" من جاءكم يريد أن يفرق الجماعة ويغصب الأمة أمرها ويتولى من غير مشورة فاقتلوه فان الله قد أذن ذلك".[61] وهو ما يكشف عن نظرية الإمام الرضا السياسية الحقيقة المنسجمة مع الخط العام لأهل البيت ، والتي تؤكد حق الأمة في الشورى واختيار حكامها وتدعو إلى قتل كل من يغتصبها حقها ويستولي عليها بدون إرادتها ..

أزمة الطفولة

ورغم ذلك فقد كان الإماميون يتشبثون بأفكارهم المغالية بعيدا عن أهل البيت، ولكنهم كانوا يصابون كل يوم بصدمة جديدة. وبينما كانوا يحاولون إثبات إمامة الرضا "الإلهية" بالنصوص والمعاجز، توفي الإمام الرضا في خراسان سنة 203 هـ وكان ابنه (محمد الجواد) يبلغ من العمر سبع سنين ، مما أحدث أزمة جديدة في صفوفهم ، وشكل تحديا ً كبيراً لنظريتهم السرية الوليدة . حيث لم يكن يعقل ان ينصب الله تعالى لقيادة المسلمين طفلا صغيراً غير مكلف شرعا، محجوراً عليه لا يحق له التصرف بأمواله الخاصة حسبما يقول القرآن الكريم: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) النساء 6، ولم تتح له الفرصة للتعلم من أبيه الذي تركه في المدينة وله من العمر أربع سنوات.[62] وهذا ما أدى إلى انقسام الامامية إلى عدة فرق :

أ - فرقة عادت إلى الوقف على موسى الكاظم.[63]

ب - وفرقة ذهبت إلى أخي الإمام الرضا ( أحمد بن موسى) وكان على درجة من العلم والتقوى والورع ، كما يصفه الشيخ المفيد في (الإرشاد). [64] وقد نحا هؤلاء منحى الفطحية، ولم يلتزموا بدقة بقانون الوراثة العمودية ، واعتبروا الجواد الذي كان طفلا صغيرا كأنه لم يكن. وذهب قسم آخر منهم للالتفاف حول الإمام محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب ، الذي كان يعيش في الكوفة ، وكان معروفا بالعبادة والزهد والورع والعلم والفقه ، وفجر ثورة ضد الخليفة المعتصم في الطالقان سنة 218 هـ .[65]

ج - وفرقة قالت بإمامة الجواد ، ولكنها اضطربت في الإجابة على مشكلَتَي العمر والعلم.[66]

ولما كان الاماميون يعتبرون الإمامة شبيهة بالنبوة، وأنها من الله ، فلم يصعب عليهم الاستشهاد بآية من القرآن الكريم تقول: ( وآتيناه الحكم صبياً) مريم 12، وقالوا****: كما أعطى الله النبوة ليحيى وهو طفل صغير ، وكما أعطاها لعيسى وهو طفل صغير، كذلك فلِمَ لا يجوز أن يعطي الإمامة لمحمد الجواد وهو ابن سبع سنين؟ و رووا عن الجواد انه قال لمن استشكل في عمره :" إن الله تعالى أوحى إلى داود أن يستخلف سليمان وهو صبي يرعى الغنم". [67]

وبالرغم من عدم وجود نص صريح بالإمامة من الرضا على الجواد ، أو الوصية له ، وعدم ادعاء الإمام الجواد نفسه بالإمامة، فقد اضطر الإماميون للقول بإمامته إنقاذا لنظريتهم من التهاوي والسقوط ، وكان لا بد أن يبنوا قولهم على مجموعة من حكايات المعاجز والعلم بالغيب .[68]

وقد تكررت مشكلة " صغر عمر الإمام" مرة أخرى مع ابن الجواد (علي الهادي) ، حيث توفي الجواد في مقتبل عمره ولما يكمل الخامسة والعشرين ، وكان ولده علي صغيرا لم يتجاوز السابعة. ولذلك أوصى أبوه بالأموال والضياع والنفقات والرقيق إلى أحد أصحابه وهو: (عبد الله بن المساور) وأمره بتحويلها إلى الهادي عند البلوغ ، وشهد على ذلك (أحمد بن أبى خالد) مولى أبى جعفر.[69] وهذا ما دفع الشيعة أيضا إلى التساؤل: إذا كان الهادي بنظر أبيه غير قادر على إدارة الأموال والضياع والنفقات لصغره ، فمن هو الإمام في تلك الفترة ؟.. وكيف يقوم بالإمامة طفل صغير ؟.. ولم يقدم الإمامية دليلا على إمامة الهادي ، سوى دعاوى المعاجز وعلمه بالغيب.[70]

مشكلة البداء .. مرة أخرى

كانت مسألة الإمامة عند أهل البيت وعامة الشيعة، تختلف في مفهومها عند "الامامية" الذين كانوا يشكلون فريقا صغيرا وسريا في الشيعة ، فهي كانت إمامة عادية بشرية عند أولئك ، وإمامة ربانية عند هؤلاء. ومن هنا كان أئمة أهل البيت يشيرون أحيانا إلى أحد أبنائهم ، أو يتوقعون أن يخلفهم في مقامهم التوجيهي ، ويموت في حياتهم ، فيشيرون إلى رجل آخر ، ولا يجدون في ذلك أي حرج أو تناقض. ولكن وفاة أحد أبناء الأئمة المرشحين للخلافة كان يسبب أزمة في صفوف الامامية الذين كانوا يعتقدون أن نصب الإمام يأتي من الله تعالى، ولذلك فقد كانوا يستغربون أن يموت الإمام المقترح و"المعين" في نظرهم في حياة أبيه ، ويعتبرون ذلك تغييراً في الإرادة الإلهية ، وهو ما عبروا عنه بـ:" البداء" مع انه كان من الصعب عليهم الاعتراف بالبداء وتغيير الله لإرادته في هكذا موضوع (كالإمامة) ، وذلك لما يسببه التغيير فيها من حرج وتشكيك للناس في صدقية الأئمة والتراجع عن اعتبار النص من الله.

لقد فسر الامامية وفاة إسماعيل بن جعفر الصادق ، الذي كانوا قد رشحوه لخلافة أبيه ، بالبداء ، ورفض بعضهم قصة الترشيح من أساسها في وقت لاحق ، بينما أنكر بعضٌ آخر الوفاة ، وأصر على اختفاء إسماعيل عن الأنظار. وقد سببت وفاة إسماعيل هزة في الفكر الإمامي أدت إلى تراجع الكثير من الامامية عن الاعتقاد بأن الإمامة تعيين من الله. وتكررت القصة مرة أخرى بعد مائة عام تقريبا ، حيث أعلن الإمام الهادي عن ترشيح ابنه (السيد محمد) كخلف له، ولكنه توفي في حياته ، فأوصى إلى أخيه ****الحسن العسكري وقال له:" يا بني أحدث لله شكراً فقد أحدث فيك أمرا".[71] ومثلما حدث مع الإسماعيلية، فقد رفض قسم من شيعة الإمام الهادي الاعتراف بوفاة ابنه محمد ، وأصروا على القول باستمرار حياته وغيبته ، وتفسير إعلان الهادي لوفاة ابنه بأنه نوع من التقية والتغطية على الحقيقة.[72]

وتكررت أيضا قصة وفاة عبد الله الأفطح دون عقب ، مع الإمام العسكري ، الذي توفي كذلك، دون أن يشير إلى وجود ولد له أو يوصي إلى أي أحد بالإمامة ، مما أدى إلى وقوع الأزمة الكبرى والحيرة العظمى في صفوف الامامية ، وتفرقهم إلى أربعة عشر فرقة ، كل يقول برأي مختلف.

التطور الإثنا عشري

إذا القينا نظرة فاحصة على تاريخ الشيعة في القرنين الثاني والثالث، ورأينا تعاطفهم وتجاوبهم مع الثورات المختلفة التي كان يقودها الأئمة من أهل البيت، كثورة الإمام زيد وابنه يحيى وابنه عيسى، وثورة محمد بن عبد الله ذي النفس الزكية وأخيه إبراهيم ، وثورة الحسين شهيد فخ ، وثورة محمد بن القاسم وغيرهم .. وغيرهم ، لوجدنا أن عامة الشيعة وجماهيرهم كانت تلتف حول (أهل البيت) ولكن من دون تحديد الإمامة في سلسلة معينة ، أو الإيمان بالنص من الله على واحد منهم ، فضلا عن تسلسلها في أبناء الحسن أو الحسين أو بشكل عمودي وراثي إلى يوم القيامة ، ولوجدنا الشيعة بصورة عامة ، بعيدين عن نظرية "الإمامة الإلهية" التي كان يقول بها بعض المتكلمين سراً ويلصقونها بأهل البيت ، الذين كانوا يبرؤن منها في الحقيقة وفي الظاهر.

ولو القينا نظرة على تراث الامامية خلال ذينك القرنين الثاني والثالث لوجدنا النظرية الامامية مفتوحة وممتدة إلى يوم القيامة ، وأنها لم تكن محصورة في عدد محدد من الأئمة أو فترة زمنية خاصة . ومع إنها وصلت إلى طريق مسدود عند وفاة الإمام الحسن العسكري في سنة 260 للهجرة، دون أن يخلف ولداً تستمر الإمامة فيه ، ودون أن يشير أو يوصي إلى أي أحد من بعده ، فقد اعتقد الذين آمنوا بوجود ولد مخفي له ، في البداية ،**** أن الإمامة ستسمر في ذرية ذلك الولد المخفي إلى يوم القيامة، ولم يعتقدوا في ذلك الحين ، أنه الإمام الأخير ، وأن الأئمة اثنا عشر فقط.

وتوجد في التراث الشيعي العشرات بل المئات من الروايات التي تؤكد على استمرار الإمامة إلى يوم القيامة ، مما يؤكد أن النظرية الامامية لم تكن محددة في عدد معين، خلال القرنين الثاني والثالث. وان من يلاحظ تلك الروايات المتواترة التي تتحدث عن امتداد الإمامة إلى يوم القيامة يجد أنها: عامة، ومطلقة، ومقصودة العموم والإطلاق . أي إنها آبية عن التخصيص والتقييد. وهي تعبر عن النظرية الامامية الإلهية الموازية لنظرية الشورى، الممتدة إلى يوم القيامة ، وذلك في مراحل نشوئها الأولى، وقبل أن تصل إلى الطريق المسدود.

ونظراً لأن نظرية الإمامة كانت في بدو نشوئها ممتدة إلى يوم القيامة ولم تكن محددة في عدد معين من قبل ، فقد كانت النظرية تقول بأن النص قد حدث على الإمام علي فقط ، وان النص على الأئمة الآخرين يتم دائما من قبل الأول للثاني وهكذا إلى يوم القيامة‍.[73] ولم تكن تعرف وجود قائمة مسبقة بأسماء الأئمة (الإثني عشر).

وكانت النظرية الامامية، أيضا ، تعترف بعدم وجود النص الصريح من بعض الأئمة على بعض ، فكانت تتشبث بالوصية العادية وتعتبرها دليلا على الإمامة ، ولما لم تكن توجد أية وصية على بعض الأئمة الآخرين من آبائهم ، كالإمام زين العابدين، أو كانت الوصية مشتركة بين عدد من الاخوة ، كأبناء الإمام الكاظم، فقد كانت النظرية تقول: بأن دليل الإمامة الحاسم، هي المعاجز وعلم الغيب ، أو الكبر ، أو العلم ، أو حيازة سيف رسول الله. بل إن روايات كثيرة تشير إلى عدم معرفة الأئمة أنفسهم بإمامتهم، أو إمامة الإمام اللاحق من بعدهم، إلا عند وفاتهم . فضلا عن جهل الشيعة الامامية أنفسهم ، الذين كانوا يقعون في حيرة واختلاف بعد وفاة كل إمام ، وكانوا يتوسلون بكل إمام أن يعين اللاحق بعده ويسميه بوضوح ، لكي لا يموتوا وهم لا يعرفون الإمام الجديد. ومع ذلك فكثيرا ما كانوا يقعون في الحيرة والجهل.[74] وهو ما يدل على امتداد نظرية الإمامة إلى يوم القيامة، في طورها الأول، وعدم اقتصارها على عدد محدود.[75]

ميلاد النظرية الإثني عشرية

ونظرا لوصول نظرية "الإمامة الإلهية" إلى طريق مسدود بعد وفاة الإمام الحسن العسكري من دون ولد ظاهر، والقول بوجود ولد له في السر وغيبته عن الأنظار، وعدم ظهوره لفترة طويلة جدا .. شهد القرن الرابع الهجري تطورا جديدا في النظرية الامامية هو حدوث الإثني عشرية ، وهي نظرية حدثت خاصة في صفوف الشيعة الموسوية ، وبالأخص في الجناح المتشدد الذي كان يلتزم بقانون الوراثة العمودية، ولا يقبل أي تسامح فيه، وقد قال ذلك الجناح **** بوجود قائمة مسبقة وتحديد أسماء الأئمة من قبل الرسول الأعظم باثني عشر إماما، هم****: علي بن أبي طالب ، والحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعلي الرضا، ومحمد الجواد، وعلي الهادي، والحسن العسكري، وآخرهم الإمام الغائب المهدي المنتظر:"محمد بن الحسن العسكري".

وكان الهدف من وراء تشكيل هذه القائمة المسبقة، إثبات وجود الإمام الثاني عشر، الذي كان وجوده محل شك ونقاش في صفوف الشيعة الامامية. وقد استعانوا بأحاديث "سنية" ذكرها البخاري ومسلم حول حدوث هرج ومرج بعد الخليفة، أو الأمير الثاني عشر.

ولكي ينسجم عدد الأئمة السابقين مع هذه الروايات فقد لجأ الإثنا عشريون إلى حذف اسم الإمام زيد والإمام عبد الله الأفطح والإمام احمد بن موسى، الذين قال بإمامتهم كثير من الشيعة الامامية في السابق ، كما رفضوا الاعتراف بإمامة جعفر بن علي الهادي ، وأضافوا اسم (الإمام محمد بن الحسن العسكري) ونظموا قائمة جديدة بأسماء تسعة من أولاد الحسين واحدا بعد واحد ، وقالوا **** بأن هؤلاء الأئمة قد نصَّ عليهم الرسول وأعلن أسماءهم من قبل، وجاءوا على ذلك بعشرات الأحاديث التي نسبوها إلى رسول الله (ص) والأئمة السابقين.

وقد أورد الكليني ، في مطلع القرن الرابع الهجري ، في كتابه (****الكافي) سبع عشرة رواية تتحدث عن "الاثني عشرية" بينما ذكر الشيخ الصدوق ، بعد ذلك بنصف قرن ، خمساً وثلاثين رواية حول الموضوع (في كتابه إكمال الدين) ، وأكملها الخزاز، في كتابه**** (كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر) إلى مائتي رواية، في نهاية القرن الرابع.

ولكن النظرية الاثني عشرية لم تستقر في أذهان الشيعة الامامية بسهولة، إذ انتشرت بعض الأحاديث التي تقول: إن عدد الأئمة ثلاثة عشر. (كما ورد في كتاب سليم بن قيس الهلالي والكافي للكليني) وقد قامت على أثرها فرقة تسمى "الثلاث عشرية" بقيادة (أحمد بن هبة الله الكاتب، حفيد عثمان بن سعيد العمري****). وقد قال الصدوق بصراحة: "إننا لسنا مستعبدين في ذلك إلا بالإقرار باثني عشر إماما ، واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر بعده". وروى عدة روايات حول احتمال امتداد الإمامة بعد المهدي وعدم الاقتصار عليه، فروي عن الإمام أمير المؤمنين رواية حول غموض الأمر بعد القائم، وأن رسول الله قد عهد إليه أن لا يخبر أحدا بذلك إلا الحسن والحسين ، وأنه قال : " لا تسألوني عما يكون بعد هذا فقد عهد إلي حبيبي أن لا أخبر به غير عترتي". [76]




للمزيد


http://www.alkatib.co.uk/mahdihkikah.htm








التوقيع :
دعاء : اللهم أحسن خاتمتي
وأصرف عني ميتة السوء
ولا تقبض روحي إلا وأنت راض عنها .
#

#
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله :
العِلمُ قَالَ اللهُ قَالَ رَسولُهُ *قَالَ الصَّحَابَةُ هُم أولُو العِرفَانِ* مَا العِلمُ نَصبكَ لِلخِلاَفِ سَفَاهَةً * بينَ الرَّسُولِ وَبَينَ رَأي فُلاَنِ

جامع ملفات ملف الردود على الشبهات

http://www.dd-sunnah.net/forum/showthread.php?t=83964
من مواضيعي في المنتدى
»» الأمير و ليم يسافر على الدرجة الثانية في رحلته الي نيوزيلندا
»» التخريب الشيعي في البحرين ثورة طائفية
»» حجية أراء الصحابي حجية قول الصحابي في الميزان
»» شيعة العراق يهبون لنصرة الأسد مع تزايد الانقسام الطائفي
»» براءة أبي الشعثاء جابر بن زيد من الإباضية وتفنيد شبههم
 
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:20 PM.


Powered by vBulletin® , Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
" ما ينشر في المنتديات يعبر عن رأي كاتبه "