العودة   شبكة الدفاع عن السنة > المنتـــــــــديات العـــــــــــامـــة > الــــحــــــــــــوار العــــــــــــــــــام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 12-04-12, 01:21 AM   رقم المشاركة : 1
جاسمكو
عضو ماسي






جاسمكو غير متصل

جاسمكو is on a distinguished road


بعض مقالات احمد لاشين عن ايران و الشيعة

فهرس المقالات المنقولة لاحمد لاشين

مقتل الحسين (البطل الديني بين ملحمة التشيع والطقوس الإيرانية)
حقيقة ( مصحف فاطمة ) والآيات المحذوفة من القرآن عند ( الشيعة )
الصنم الأخير في التراث الشعبي الإيراني
المؤسسة العسكرية والدولة الدينية في إيران (الحرس الثوري العصا التي يؤدب بها آيات الله المعارضة الإيرانية
القمع بإسم الله في إيران
المعتقد الإيراني بين الزرادشتية والتشيع
عاشوراء الحسين في إيران فولكلور أم تشيع ؟
المهدي المنتظر وتأسيس دولة الحق السياسي والديني (أسطورة عودة الإبن الضال بين السنة والشيعة
الإعلام الديني وأوهام جنرالات الطائفية

==============

مقتل الحسين (البطل الديني بين ملحمة التشيع والطقوس الإيرانية)

الإثنين, 07 أيلول/سبتمبر 2009
( أحمد لاشين ) اكاديمي مصري



يمثل مقتل الحسين بن علي في كربلاء مفصلية حرجة في الرؤية الإسلامية على مستوى البنية التاريخية والبناء المذهبي الديني،في محاولة من العقل الإيماني ـ بشقيه الأسطوري والديني ـ لترسيخ حزمة من القيم والأفكار مجسدة في حكاية مقتل الحسين،وما تلا ذلك من طقوس عاشورائية تعيد إنتاج الحدث الحكائي كيفيما استقر في الوجدان الديني بعيداً عن الواقع التاريخي،إن كان هناك ثمّة تاريخ موازي يمكن الحديث عنه، فالحقيقة أن الحكاية هي التاريخ الوحيد القابل للتحليل .وبالتالي تعمد هذه الدراسة إلى رصد البنية المكونة لحكاية الحسين كبطل ديني أسطوري متمتع بكل صفات البطولة الشعبية من حيث العناصر والتيمات الأولى المكونة.

أولاً : النص التاريخي بداية تدوين الأسطورة:

تنحصر الإشكالية الرئيسية للنص التاريخي في كونه إعادة صياغة للكيفية التي تم بها تلقي حدث ما،أي محاولة لتثبيت الحكي بالتدوين،فسواءاً كانت الحكايات التي دونها التاريخ طبيعية أو فوق طبيعية،فهدفه النهائي هو نقل ما قد يكون حدث بالفعل على الأقل من وجهة نظر الراوي للنص التاريخي بصرف النظر عن احتواء النص ذاته لكل ملامح وأصول القصص الخرافية.وهذا ما نراه واضحاً في حكاية الحسين التاريخية،التي اعتمدت على حكايات الخوارق ختى تعطي مبرراً للحدث ذاته،بحيث لا يصلح فهم المعلومة التاريخية دون سياق حكائي يعمل كألة تبرير لها.

إذا تتبعنا التسلسل التاريخي للتدوين،نجد ان أول ذكر لحادثة كربلاء ومقتل الحسين في كتاب (الإمامة والسياسة لإبن قتيبة ت:276هـ)، بشكل مختصر جداً،ولكن النص التأسيسي الذي احتوى الموضوع والأهم على الإطلاق هو (تاريخ الطبري،تاريخ الرسل والملوك،أملى تارخيه :303 هـ) والذي اعتمد بشكل أساسي كما زعم على كتابات (لوط بن يحي ين مخنف،ت :132هـ)،والذي ضاعت أغلب كتبه بواسطة الحكومة الأموية لإشتهاره بالميول العلوية (مناصرة آل البيت)،أي بعد ما يقرب من مائتي عام من موت (بن مخنف)،وبعد ما يقرب من ثلاثمائة عام من مقتل الحسين ذاته الذي قُتل عام (62هـ)،وهذا ما ثبت بعد ذلك في بقية الكتب التاريخية مثل (البداية والنهاية لإبن كثير ت:774 هـ)و(الكامل في التاريخ لإبن الأثير ت :629هـ)(وتاريخ روضة الصفا،وهو من كتب التاريخ الموسوعي بالفارسية،لمؤلفه مير خواند ت:903 هـ) ، وجميعهم قد اعترف أن الاعتماد الأصيل فيما يخص حادثة كربلاء أو غيرها من تاريخ الصحابة كان على تاريخ الطبري،ورغم الخلاف المذهبي والتاريخي بين كل هؤلاء التاريخيين و(أبي مخنف) إلا إن إنعدام المصادر التاريخية الأخرى جعلته هو المصدر الوحيد كما أورده الطبري،رغم المسافة التاريخية التي تفرق بين الحادثة وتاريخ تدوينها بما سمح بتدخل الطابع الحكائي الشعبي في النص التاريخي، فإشكالية التاريخ تجعله مصدر للأسطورة ومثّبت لها،خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصية ذات قداسة تارخية ومذهبية دينية مثل الحسين بن علي.

يعتمد النص التاريخي على نمط سردي حكائي يؤسس للطابع الملحمي للحكاية الحسينية،فيبدأ بقصة نبوءة النبي بمقتل الحسين في منام رأى فيه أن حزءاً من جسده مقطوع في كربلاء،ثم رواية أخرى تحكي أن النبي قد ذهب إلى كربلاء ليلاً وعاد بحفنة رمال دامية من دم الحسين الذي سوف يُقتل،وفي رواية أخرى أن ملاك البحار قد جاء للنبي وقال :" يا أهل الدنيا فلتقيموا المأتم على مقتل ابن المصطفى".فالنص التاريخي قد إمتلأ بالعديد من الحكايات الأسطورية خاصة نص الطبري،ورغم رفض بن كثير للكثير منها معتبراً أنها ذات أصول شيعية ـ مع الإلتفات إلى حنبلية بن كثير المتشددة ـ إلا أنه لم يجد لها بديلاً وإن كان حاول أن يوردها في معزل عن الحكاية التاريخية ذاتها.

فرغم أن الحسين قد خرج من المدينة لمكة للكوفة سعياً وراء مناصرته في وجهة نظره ضد الحكم الأموي ليزيد بن معاوية الذي رآه ظالماً غاشماً،إلا أن النص التاريخي يؤكد على الطابع القدري للحادثة وفي موقف الحسين،بحيث اعتبر أن الحسين كان يعلم بمقتله وتخلي أهل الكوفة عنه إلا أنه دافع عن الحق فيما يرى،حتى أن التاريخ يورد رواية الشاعر الفرزدق حين قابل الحسين مصادفة في طريقه للكوفة (قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية)،في محاولة لثنيه عن رحلته إلا أن الحسين قد صمم على ما يراه، فذهب بعدد يصل إلى 72 فرداً أغلبهم نساء وواجه جيش قوامه أربعة آلاف هو الجيش الأموي بقيادة (عمر بن سعد بن أبي وقاص)وبالفعل حوصر وقُتل وقُطعت رأسه (في العاشر من محرم)،وحُملت مع قافلة السبايا أو النساء المتبقيات من المعركة إلى (عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان) والي الكوفة،ثم إلى (يزيد بن معاوية ) في دمشق،ثم رحلة قافلة السبايا،والتاريخ لا يؤكد وجود واحد للرأس الحسيني،فبعض الروايات تؤكد عودتها لكربلاء لتدفن مع الجسد،وروايات تصل بها للقاهرة في العهد الفاطمي،وروايات أنها بالمدينة أو استقرت في دمشق،ولم يحسم تاريخياً مكان رأس الحسين،إلا أنها تحولت إلى رمز لكل مقاومة تاريخية ،بل كانت كربلاء ذاتها وما نتج عنها هي بداية النمو السياسي لشيعة آل البيت،والتطور الفلسفي والفكري للمذهب،وبداية ظهور فكرة الإمامة وفكرة الرجعة للأئمة بعد عودة المهدي المنتظر،فكربلاء هي الحادثة التي صنعت أهم الاحداث السياسية في التاريخ الإسلامي،وخلقت البطل الديني الشعبي في الوجدان الإسلامي في سياق موازي،فالحسين بن علي شخصية ذات ثلاث وجوه التاريخي ـ والشعبي الملحمي ـوالمذهبي الديني ،بشكل ممتزج يستحيل الفصل بينهم،فالتاريخ قد احتوى الحكاية الشعبية،وكلاهما شكل المعتقد المذهبي،مما حتم الإنتقال إلى دراسة العقل الملحمي الشعبي والمذهبي وتطور بنية الحكي داخله.

ثانياً //: البناء الملحمي لمقتل الحسين:

الحسين في هذه المرحلة يتسم بكل سمات البطل الملحمي فقد أوردت كتب التشيع العربية في البداية

مثل (بحار الانوار،وزاد الميعاد،وقرة العين لمحمد باقر المجلسي)،والفارسية مثل (عجايب ومعجزات شگفت انگيزي از امام حسين، للطباطبائي) أو (عجايب ومعجزات شگفت انگيزي از حضرت علي)،وغيرها الكثير العديد من الروايات المذهبية والحكاية التي إذا تتبعناها سنتمكن من رصد للبناء الملحمي لشخصية الحسين،الذي يعتمد على ثلاث عناصر رئيسية (الثبات (المرحلة الأولى) ـ الرحلة (كربلاء ومقتله) ـ العودة (فكرة الرجعة))،ومن خلال هذه التقسيمات الرئيسية من الممكن تفصيل خطوات التحليل للأتي:

1 ـ التأسيس لبطولة الحسين والنبوءة بمقتله:

يبدأ التأسيس الملحمي للحسين من ميلاد علي بن أبي طالب،فترد الحكايات لتذكر أن أبا طالب قد قابل أحد الرهبان المعمّرين ويُدعى (مثرم)،وأخبره هذا الرجل أنه سوف يلد إمام الزمان وفي لفته أسطورية أتى لأبي طالب بفاكهة من الجنة أكلها وأتى أهل بيته،وكانت في تلك الفاكهة نطفة علي،وحملت أمه به في ليلتها.ويروى كذلك أنه كان لعلي قوى خارقة للعادة،فهو قد تمكن من أن يطير ببساط قد أتى هدية للنبي ويصل لأهل الكهف ويتحدث معهم.وكان فارساً لا يُضاهى وتكفينا ملحمة (علي ورأس الغول حروب علي في اليمن) دليلاً على الدمج بين الإعتقادي والملحمي الأسطوري بشكل واضح.

علي علم بموت الحسين في كربلاء في أكثر من موضع روائي،فالنبوءة هي قدر البطل الذي يعمل على تحقيقة،بل تعدّت النبوءة لمرحلة ما قبل التاريخ مرحلة الأنبياء الأوائل،فكان هبوط آدم في كربلاء،ووسفينة نوح رسيت بكربلاء وعلم هناك بمقتل الحسين الذي سوف يكون.بل ترد بعض الروايات أن هناك إثنا عشر ملاكاً يأتون للنبي على رأسهم ملاك البحار ليخبروه بمقتل الحسين، بل وليُخيروه بين التضحية بولده إبراهيم وبين الحسين،فيختار إبراهيم،وليبقى الحسين رغم كونه مقتولاً ولكن دوره أهم من مجرد القتل،فهو رمز للفداء والحرية والقداسة،أي أن النظرة الملحمية للحسين،حولت التاريخ إلى قدر يصنعه أبطاله بإختيارهم.فالطابع القدري الذي أسس لبنية الحادثة تاريخياً كان هو الركيزة الأساسية للفكر الأسطوري،ولا ندري أيهما أسس للأخر ولكن من المؤكد أن العقل المنتج واحد في كلا السياقين فلا تاريخ بدون حكاية مروية من البداية.

2ـ ميلاد البطل ونشأته:

كان ميلاد الحسين في الكعبة وأشرف عليه 70 ألف ملك وحور عين،وهذا متسقاً مع كون نور الجنة مخلوقة من نور الحسين (مراجعة مقالة المعتقد الإيراني بين الزرادشتية والتشيع،المنشور بجريدة القاهرة،30/6/2009)،أي الإمتداد الأسطوري للملحمة الحسينية،كما ورد أن رضاعة الحسين لم تكن عادية،بل كان يرضع من أصبع النبي،لإثبات العلاقة المقدسة بين النبي والحسين على مستوى الحكاية،كما كان طعامه وشرابه وملابسه من الجنة يأتي له بها النبي،وفي رواية تؤسس نبوءة الحسين لذاته ورد أنه وهو طفل سمعه أحد الصحابه وهو يقول أنه سوف يُقّتل من ظالمي بني أمية،فتعجب الرجل وحين سأل النبي أخبره أن علم الحسين من علمه،وهذا مما علمه الله إياه.

وحين شب الحسين قليلاً كانت له معجزاته الخاصة،فقد روي أن جاءه رجلاً يخبره أن أمه ماتت ولم تخبره بمكان أموالها وعليه دين،فيذهب الحسين لجثمان الأم ويدعو فتنهض من الموت وتخبره بمكان الأموال ثم تموت ثانية،ورغم أن تلك السمة تتشابه بمعجزات المسيح ولكن السياق مختلف إلى حد ما،بين بطولة المسيح في الرؤيا المسيحية أو الإسلامية له وبين التأسيس الأسطوري للحسين.فالبطل الحسيني قد نشأ بطريقة مختلفة خارقة تمتزج فيها البنية الأسطورية بالبناء الملحمي لشخصية مقدسة تاريخياً.وهنا ننتقل إلى المرحلة الثالثة.
3 ـ رحلة البطل ومقتله (قمة الملحمة):

حينما يقرر الحسين الرحيل بحافذ درامي مركب بين رفضه لفكرة الظلم الأموي ودعوة أهل الكوفة له لمناصرته،يأخذ معه أهله من النساء والأطفال ومنهم (علي زين العابدين) ولده الثاني الذي تبقى بعد المعركة وأخذ قائمة الإمامة في التشيع،قبل رحيله يتجه إلى قبر النبي وينام عنده ويرى في منامه النبي مع مجموعة من الملائكة ترشده إلى طريق الجنة،أي استخدام تيمة الحلم الشعبية في صياغة الرحلة البطولية،ويروى أنه في أثناء رحلته سبقته مجموعة من الملائكة على شكل أحصنة بيضاء صاحبته وصولاً لكربلاء.

ثم تحدث الخلافات بين جيش يزيد والحسين،ويقرروا الهجوم على الحسين وآله،وفي بداية المعركة يتمكن الحسين منفردأ من قتل ألف رجل بقوته الحسدية المهولة،في إشارة من العقل الملحمي للطبيعة المغايرة للحسين،وكذلك الإلحاح على أن الحسين كان قادراً على الفتك بأعداءه ولكنه إختار الشهادة.

وتأكيدأ على تلك الفكرة،يروى أن رئيس الجن الشيعة ومجموعة من الملائكة قد أتت لنصرته في المعركة،ولكنه يرفض هذا تماماً بحجة أنه ذاهب للشهادة وتحمل ذنوب المؤمنين إلى يوم الدين،أي فكرة الفداء الأكبر،وفكرة الجن تلك تمثل تبعاً للمنهج (المورفولوجي ـ كما صاغة فلاديمير بروب في مورفولوجيا الحكاية الخرافية) العناصر المساعدة التي تأتي لنجدة البطل أو تحويل مساره،ودور البطل القبول أو الرفض في هذه الحالة كما فعل الحسين.

وفي أثناء المعركة يُقتل (علي الأكبر وعلي الأصغر وكان رضيعاً) إبنيّ الحسين في مشاهد ملحمية مؤثرةة للغاية نجدها واضحة في أشعار العزاء الحسيني التي تنشد في الطقوس العاشورائية.ثم يٌقتل الحسين وتُقطع رأسه بواسطة رجل يدعى (الشمر بن ذي الجوشن) الذي تلح الورايات أنه قد تحول إلى كلب أسود هائم في صحراء كربلاء بعد ذلك.ثم تصعد دماء الحسين على شكل نور إلى السماء، أي الربط بين الرمز الأسطوري المقدس والطابع البطولي للحسين،فقد نفذ الحسين قدره وحقق النبوءة وعليه أن يعود لأصله السماوي.

4ـ إنهيار العالم في إنتظار عودة البطل:

للعودة هنا بعدان،بعد حكائي ملحمي ويتجسد في أن أثناء رحلة قافلة السبايا إلى دمشق لدى يزيد كانت رأس الحسين تتلو آيات القرآن،وكانت هناك سحابة تظلل قافلة السبايا لدى عودتها من دمشق للمدينة،وحدثت العديد من المظاهر الكونية مثل إمّطار السماء دماً،وهذه سمة ملحمية متكررة في العديد من الملاحم في منطقة العراق وفارس مثلما حدث لدى اختفاء دموزي في الملحمة السومرية،ولدى مقتل (سياوش بن كيكاوس) في الملحمة الإيرانية الفارسية الذي قُتل غدراً على يد أعداء إيران وكان بطلاً قومياً فأمطرت السماء دماً حزناً عليه،أي أن تلك التيمة الأسطورية متكررة في الواقع الملحمي لتلك المنطقة المتوحدة ثقافياً. وكذلك كسوف الشمس،وتوقف النساء عن الحيض لعام كامل دلالة على زوال الحياة من العالم بموت الحسين.وتستمر الفكرة إلى أن روي أن الحسين صار ملِكّاً لعالم البرزخ السماوي،أي العودة للأصول.

وفي بعد أخر تمتد الصياغة الملحمية للحسين في السياق المذهبي الشيعي إلى رجعة الحسين مع عودة المهدي من الغيبة،فالرجعة تخص الأئمة ومنهم الحسين(مقالة المهدي المنتظر،القاهرة،9/6/2009)،أي عودته ثانية لينتقم من كل اللذين ظلموه بكربلاء اللذين سيعودون معه،لتكتمل ملحمة الحسين بنهاية العالم وقيام القيامة،بعد تحقيق كل الإنتقامات.فالضياغة التاريخية والمذهبية لشخصية الحسين بن علي اعتمدت على البناء الحكائي الشعبي ،ذا الرمز الأسطوري،مما يشكل اعتقاد أصيل يصعب معه فك الإرتباط بين الثلاة عناصر،خاصة أن القضية لم تنتهي عند تلك المرحلة،فهناك سيل من الطقوس السنوية التي تُقام في كل بلدان التشيع خاصة إيران إحياءاً لذكرى الحسين ومقتله،مما أعطى مزيداً من الرمزية لنفس الحادث،وأصبحت الفكرة مكتملة على مستوى النص والطقس،كما أن الصلاة في المذهب الشيعي لا تصح إلا على المسجدة المأخوذة من تراب كربلاء ،أي أن الطقوس بمستوياتها الدينية والشعبية قد احتوت رمز مقتل الحسين بشكل كامل.

ثالثا//: الأصل الإيراني لطقوس العزاء الحسيني:

في بداية كل عام هجري منذ الأول من محرم إلى العاشر منه،تشتعل إيران والعراق وغيرها من البلدان ذات الأقلية أو الأغلبية الشيعية بإحياء ذكرى الحسين وآله،ولكن أشد الطقوس وضوحاً هي التي تُقام في إيران،وأهم تلك الطقوس السنوية شيئان،مسرح العزاء،ومسيرة العزاء.

1ـ الطابع الكرنفالي في المسرح العزائي (الشبيه الحسيني) :

تقام تلك المسرحيات في الشوراع والميادين أو الحسينيات وهي الأماكن المخصصة لذلك الطقس تحديداً وتكون تابعة للدولة أو لجمعيات أهلية،بأدوات بسيطة وأزياء رمزية تحكي نفس الملحمة التي سردناها سابقاً،ويطلق عليها الشبيه وبالفارسية (شبيه بازي : مسرحية الشبيه)،تبدأ بطبول في البداية إشارة إلى بداية المعركة،بني أمية بملابس حمراء وصفراء وآل الحسين بملابس حضراء وسوداء وبيضاء إشارة للحزن والنقاء.ومجموعة من الممثلين المتطوعين أحياناً أو المعينين لهذه الوظيفة التمثيلية من قبل المؤسسات الحكومية والأهلية الداعمة لإحتفالات عاشوراء.

الملفت في هذه المسرحيات ليس كل ما سبق وإنما حالة التوحد التي تُصيب المتفرجين بكل تباينهم الثقافي فهو طقس يشارك فيه كل طوائف المجتمع على اختلافه،أي حالة إنصهار إجتماعي عام يؤكد على السمة الإحتفالية،وما يحدث أن المتفرجين يتفاعلون سلباً أو إيجاباً مع الشخصيات أي نجدهم يتدافعون للدفاع عن الحسين أو شبيه الحسين ويهاجمون أشباه بني أمية،بل قد يقتلون أو يجرحون منهم،والبعض من هؤلاء الممثلين الشعبيين قد يُؤمّن على نفسه وعلى حياته رسمياً قبل العرض السنوي.كما أن المتفرجين يأخذون الأدوات البسيطة المستخدمة خاصة أدوات آل البيت للتبرك مثل السيوف أو الملابس بشكل ديني واضح.

أي أن تلك المسرحيات ليس الهدف منها فقط إحياء الذكرى ولكن إستعادة الحدث الفعلي والتوحد معه في محاولة تكرارية للتطهر الجمعي (تطبيقاً لمنهج يونج النفسي) من الذنب التاريخي الذي حمّلَه الشيعة لأنفسهم لتسببهم في مقتل الحسين بتخليهم عنه.كما أن مسرح العزاء يتجاوز الحدود الزمانية والمكانية الواضحة في محاولة لإستدعاء الحسين ذاته،مع الإنهيار الكامل بين الذات والموضوع،فلمسرح العزاء وظيفة دينية على الأقل في العقل الشعبي.

فالتكرار السنوي لطقوس المسرح العزائي أنتج حالة من التثبيت للعناصر المقدسة في العقل الجمعي الشيعي والإيراني خاصة،كما يؤكد على إنهيار الفواصل بين الممثل والشخصية التي يقوم بأدائها في عقل المتلقي على الأقل،ويُعيد فكرة تلبس الأوراح لأجساد الممثلين في المسرح اليوناني والمصري القديم،فمسرح العزاء لا يختلف من حيث الوظيفية عن أي من المسارح ذات الطابع الديني في تاريخ الإنسانية بشكل عام.فالشبيه الحسيني لا يمثل الشبيه أكثر من تجسيده للأصل ذاته.

2 ـ مسيرة العزاء وعودة الإله المقتول:

أهم طقوس العزاء على الإطلاق وأكثرها إثارة للجدل هي مسيرة العزاء،تمثل المسيرة حالة من تعذيب وجلد الذات على أمل نيل الشفاعة من الحسين والآئمة يوم القيامة كما يؤكد الفكر الشيعي،فكلما زاد الألم زادت المغفرة،وكلما تعاظم الذنب إزداد الأمل في الشفاعة.

تبدأ مسيرة العزاء على شكل مواكب تبدأ منذ اليوم الأول إلى اليوم العاشر من محرم سنوياً،تتنوع المواكب من موكب (اللطامة،وبالفارسية ـ سينه زني ـ أو ضرب الصدور)،ويتكون من مجموعة كاشفين صدورهم ويضربون عليها بعنف متصاحباً هذا مع قراءة لأشعار العزاء التي تمثل الجانب الشعري من المأساة الحسينية.وموكب (الجنازير ـ زنجير زني ـ الضرب بالجنازير)،وهو عبارة عن أناس يحملون جنازير تنتهي بسكاكين صغيرة يضربون بها ظهورهم العارية بشكل إقاعي حتى تدمى،ويحمل هذا الموكب عصا طويلة مرفوع عليها ما يرمز إلى لسان تشير إلى نهاية (الشمر بن ذي الجوشن) كما ذكرتها الحكاية الدينية بتحوله إلى كلب أسود عطشان.ثم موكب (التطبير ـ قمه زني ـ الضرب بالسيوف)،ويتكون من مجموعة يرتدون ملابس بيضاء كأنها كفن ويضربون رؤوسهم الحليقة بالسيوف متصاحباً ذلك بفريق أخر يفرق الحلوى على المطبرين لإعطائهم الطاقة.وتجتمع تلك المواكب في اليوم العاشر في الميادين العامة في حالة هياج دموي قوي.ورغم أن هذه الطقوس قد قلت حدتها في الأونة الأخيرة في إيران ورغم رفض بعض الجهات الرسمية لهذه الطقوس الدموية إلا أنها كانت على هذه الحال ويمكن أكثر فيما سبق،و ما زالت مستمرة للآن وإن كانت ليست بنفس الحدة.

كما أن فكل الأدوات المستخدمة تؤخذ للتبرك أيضاً،كما أن دموع ودماء الممارسين لهذه الطقوس اللذين غالباً ما يكونوا متتطوعين تُجمع وتُستخدم للتبرك والشفاء،كما أن العديد من النساء اللواتي لا ينجبن يجعلن أحد أطفال الأسرة يشارك في هذه الطقوس علّه يعود إليها بالبركة،وكلها ملامح ذات طابع كرنفالي أسطوري الدلالة،فمأساة الحسين متوحدة مع الوجدان الجمعي بشكل كامل.

الأهم هو البعد الرمزي والتاريخي خلف هذه الطقوس،فهي ليست وليدة أزمة الحسين منفردة وإلا لما إختيار هذا الشكل الطقسي تحديداً تعبيراً عن أزمة الحسين،فعلى المستوى التاريخ الديني،نجد تشابهاً كاملاً بين الطقوس الحسينية وطقوس الإحتفال السنوي بعودة (تموز ـ دموزي) في الديانات البابلية والسومرية القديمة،كانت تلك الطقوس تُقام في حوالي الألف الثالث قبل الميلاد في العراق القديم،في محاولة للإعتذار لإله الربيع تموز الذي هبط إلى العالم السفلي بعض عذر الآلهة به،وحكمت عليه أنه لن يعود إلا ثلاثة شهور كل عام،فكانت تُقام طقوس العزاء والبكاء على زوال تموز والإحتفال بعودته.كما كانت تُقام نفس تلك الملامح الطقسية في منطقة (آسيا الوسطى) في نفس المرحلة التاريخية في محاولة لإستدعاء إله قُتل عدراً كذلك.

ولكن الأهم من النموذجين السابقين الطقوس التي كانت تُقام في إيران في الألف الثاني قبل الميلاد واستمرت لما بعد الإسلام كذلك في بعض المناطق في إيران،وهي طقوس الحزن على سياوش،هو (سياوش بن كيكاوس) أحد الأبطال الإيرانيين الأسطورين القدماء،قُتل غدراً على يد أحد أعداء الدولة الإيرانية وهو البطل (أفراسياب) التركي،بعد أن هرب من والده في إيران بعد إتهامه في زوجة أبيه،ولدى علم أبيه ما حدث لولده قرر إقامة العزاء عليه،كما أن لسياوش قيمة مقدسة تفوق قيمة كونه بطلاً مذكور في الشاهنامه (الملحمة الفارسية التي نظمها الشاعر الإيراني الفردوسي)،ففي الأفستا (الكتاب المقدس لدى الزرادشتية) ورد (نعبد الملك المقدس سياوش)،أي أنه متشابه مع الحسين في بناءه الملحمي الأسطوري المقدس،أي أن كلاهما بطل تم قتله فصار مقدساً.فكل طقوس العزاء الحسيني مأخوذة بشكل كلي من طقوس عزاء سياوش،كما يتزامن ذلك مع احتفالات أعياد الربيع أي تشابه التوقيت مع احتفالات دموزي.

وقد أشار العديد من الباحثين إلى الأصل الإيراني لإحتفالات العزاء،منهم (يان ريشار ـ الباحث الفرنسي) في كتابه (الإسلام الشيعي)،كما أكد على تلك السمة العديد من الباحثين الإيرانيين أمثال (د / مهرداد بهار ـ الأستاذ الإيراني المتخصص في الميثولوجي) في كتابيه (از اسطوره تا تاريخ ـ من الأسطورة إلى التاريخ)وكذلك (بژوهشي در أساطير إيران ـ البحث في أساطير إيران).

وفي النهاية فإن مقتل الحسين بن علي في حادثة كربلاء قد خرج عن كونه سياق تاريخي منضبط لحدث وقع بالفعل ،و تطور ليتوحد مع الأصول التاريخية والأسطورية والدينية للعقل الإسلامي في منطقة الشرق بشكل عام،فهو إعادة تجسيد لكل الوعي الملحمي المتراكم في العقلية الجمعية على مختلف مستوياتها حتى بتحولاتها المذهبية والدينية.فما زلنا في مصر نحتفل بمولد الحسين،وإلى فترة فريبة كان هناك موكب العجم الذي كان يمارس نفس الطقوس العزائية في أواسط القرن المنقضي،فالحسين ليس فقط حفيد لرسول الله قتل عدراً وظلماً،بل هو رمز للشهادة والحرية والأمل المنتظر،ففي مصر نحتفل بمولده وفي إيران يحتفون بموته فكلنا نمجد الحسين ولكن كلاً على طريقته.



ـ ( للباحث كتاب ( كربلاء بين الأسطورة والتاريخ ـ دراسة في الوعي الشعبي الإيراني) 2009.)



[email protected]

==================
حقيقة ( مصحف فاطمة ) والآيات المحذوفة من القرآن عند ( الشيعة )

الخميس, 22 تشرين1/أكتوير 2009
أحمد لاشين


هل هناك من يشكك في القرآن؟؟

تمهل قبل أن تُجيب،فلابد وأن يسبق هذا السؤال سؤال،وهو لما يشكك أحدهم في القرآن؟،فمن الممكن أن نسمع هذا الكلام من بعض المتطرفين في الديانات الأخرى،وهذا منطقي في سياق الديانات وتتابعها فكل أتباع دين يرفضون ما يسبقه وما يليه،ولكن هل يرد ذلك على لسان بعض المسلمين!،حقيقة قد تم ذلك بالفعل،ولكنه للأسف إدعاء قد تم بدون دراسة علمية أو متابعة دقيقة لمراحل تدوين القرآن مثلاً،ولكن كلها أفكار قامت على نواحي سياسية وأهواء اعتقادية،والقضية لا تخص الشيعة منفردين، فبعض الفرق المتشددة من الخوارج (وهم الفرقة التي خرجت على علي بن أبي طالب في أزمة التحكيم وتفرعت لفرق وطوائف داخلية) نتيجة لاعتبارات سياسية وأخلاقية متشددة يرفضون سورة يوسف مثلاُ بوصفها تتحدث في بعض جوانبها عن الرغبة والحب في قصة يوسف وإمرأة فرعون ،زاعمين الخطأ في تدوين النص القرآني.وهناك كتاب المصاحف للسيجستاني الذي يورد لنا مراحل تدوين القرآن منذ عهد أبي بكر ثم التدوين الثاني في عهد عثمان،ويؤكد أن القرآن قد دون أكثر من مرة بعد ذلك،ذاكراً العديد من أسماء الصحابة والتابعين أعادوا كتابة القرآن ولم يعتمدوا على مصحف عثمان فقط،مروراً بمرحلة تنقيط وتشكيل المصحف في عهد الدولة الأموية،ورغم ما يغلب على هذا الكتاب من بحثية وعلمية،إلا أنه يعتمد على العديد من الروايات المشكوك فيها،وفي النهاية فإن هناك وعد إلهي بحفظ القرأن إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

وللشيعة النصيب الأوفر من هذه الأزمة،فرغم أن السائر في مدن إيران مثلاً لا يمكنه إلا أن يسمع القرآن يتلى بصوت الشيخ محمد رفعت،أو عبد الباسط،أو غيرهما من القراء المصريين والمصريين فقط،فهم لا يحتفون بقراء الخليج أو السعودية مطلقاً،ولكن هذا لم يمنع تسرب بعض الأفكار المنحرفة التي احتوتها كتب التشيع التراثية مثل (الكافي أو بحار الانوار وأخرهم كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب،و غيرهم الكثير) ما يؤكد أن القرآن تم تحريفه منذ العهد الأول للتدوين في عهد أبي بكر وعمر وعثمان،وأنه قد تم إزالة العديد من الآيات والسور التي تؤكد على ولاية علي وأحقيته بالخلافة،أي أن القضية سياسية هي التي حكمت هذا الادعاء،الخلاف الذي توهمه الشيعة بين علي والخلفاء الراشدين،وموقفهم من الصحابة،ـ تناولت تلك الفكرة في مقالة سابقة نشرت في جريدة الفجر بعنوان لماذا يسب الشيعة الصحابة ـ

رغم ما يشوب هذا الفكرة من تشويه لعمق الإسلام على كل مذاهبه السنية والشيعية،ولكني ٍسأحاول طرحها حرصاً على تنقية أصول عقائدنا من بعض ما يشوبها ومناقشتها بأسلوب هادئ حتى لو صدم ذلك وعينا الديني والإيماني،فكل فريق يعتقد أنه الحق،فكما ينفي الشيعة كتب الأحاديث السنية ويعتمدون على الأحاديث ذات السند الممتد لآل البيت،فإنهم يشككون في جمع القرآن وتدوينه وليس القرآن في ذاته.

أهم قضيتين في هذا الشأن هما:
مصحف فاطمة،والآيات المحذوفة من القرآن،أما ما يخص مصحف فاطمة فهذا الأمر قد شابه العديد من التساؤلات،أهمها أن مصحف فاطمة هذا هو قرآن الشيعة،ولكن الأمر على خلاف ذلك،فكتب التشيع تحكي أنه بعد وفاة الرسول،عاشت السيدة فاطمة في كرب وهم فنزل لها جبريل وعدد من الملائكة يعزوها ويسروا عنها فأخبرت فاطمة علي بما يحدث،فدون علي كل ما كان يقوله لها جبريل في كتاب،يجتوي حسب زعمهم كل أسس العقيدة وأسماء كل شيعة آل البيت وما سيحدث في المستقبل لهم،فهو ليس بقرآن اكثر منه مجرد كلام لجبريل عن لسان فاطمة.وتم تدوين هذا الكلام في صحف وكل ما صُحِفّ هو مصحف ـ كما يعللون ـ والغريب في الأمر أنه لا وجود لهذا المصحف في كتب التشيع،فيقال أنه كان محفوظاً لدى الأئمة وصولاً للإمام الغائب،المهدي المنتظر ولدى عودته فسوف يظهر هذا الكتاب.والشيعة ينفون تماماً العلاقو بين الوحي والنبوة أو بين الحديث مع الملائكة والنبوة،فالسيدة مريم مثلاً كانت تحدثها الملائكة ولم تكن نبية،كما أنهم يحتجون ببعض ما ورد من مغلاة مضادة في كتب السنة الخاصة بعمر بن الخطاب مثلاُ كما ورد في البخاري أنه كان من المحدثين أي من الملهمين والمتحدثين مع الملائكة والعالم الاخر،حتى روي أن الشيطان كان يخاف من ظلة،فما بالك بآل البيت النبوة كما يزعمون.

ودعنا من هذا الأمر ولكني أردت الإشارة له فقط فالأخطر لم يأتي بعد،يقول بعض الشيعة بتحريف القرآن كما أشرنا أي تحريف تدوينه من قبل الصحابة،فيرون أن أبا بكر قد سارع بتدوينه بإيعاز من عمر بن الخطاب كرد فعل على تدوين علي للقرآن،فلقد ورد أن علي بعد موت النبي تفرغ لتدوين للقرآن في فترة عدم مبايعته لأبي بكر كما يزعمون،وأنه أمضى في هذه المرحلة في رواية ستة أشهر وفي رواية ثلاثة أيام وهي الأيام التي وردت تاريخياً بإنشغال علي في تكفين ودفن الرسول،ورغم ما نعلم من تردد وتخوف أبا بكر الإقدام على هذا الفعل لأنه لم يأمر به الرسول،إلا أنه فعله حرصاً على عدم ضياعه،إلا أن السياق الشيعي يرى عكس ذلك،فالنبي قد أمر علياً بذلك قبل موته وبدأ بذلك وأتمه بالفعل،فخاف أبو بكر من الآيات والسور التي يراها الشيعة تدعوا لأحقية علي بالخلافة فسارع بكتابة القرآن وقام بحذف ما يشير إلى علي وآل البيت.ومن ضمن ما خُذف من وجهة نظرهم،مثلاً في الآية (123 سورة آل عمران) (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فأتقوا الله لعلكم تشكرون) يزعومون أنه يرد (بسيف علي )بعد الآية.وكذلك في نفس السورة (آية 110)(كنتم خير أمة أخرجت للناس) قتُقرأ على القراءة الشيعية (كنتم خير أئمة اخرجت للناس)،ويؤكدون ان هناك ما يزيد عن خمسمائة موضع تم تحريفه لصالح الخلفاء ضد الأئمة.ولا بمكن الحزم على وجهة التحديد متى أول مرة تمت الإشارة فيها لهذه الأمور في كتب التشيع،ولكن الأغلب في القرن الرابع والخامس الهجري،وذلك الوارد في تاريخ تدوين الكتب ولكنها زادت إنتشاراً في القرن التاسع الهجري مع كتابات محمد باقر المجلسي مؤلف بحار الانوار وغيره،ولكن من المؤكد ان هذه القضية مثارة من قبل ذلك بكثير.المهم أن أبا بكر قد حرُف القرآن ضد علي،بالطيع فكرة غاية في الخرافة،ولكن أين مصحف علي؟؟!فهو الأخر ليس له وجود،ولكن الشيعة يجيبون أن مصحف علي والقرآن بصيغته الأصلية قد توارثها الأئمة كذلك،حتى المهدي فأختفى المصحف معه ليعود معه ويلغي المصحف العثماني المتعارف عليه الأن.ويوزع الطبعة الجديدة من القرآن التي لا يعلمها إلا هو،إذاً لماذا يعتبر الشيعة المصحف العثماني بوصفه هو القرآن ؟؟؟،الإجابة واضحة،فلا يوجد حل بديل،أي أن اعتماد القرآن الحالي مؤقتاً فقط لحين ظهور القرآن الحقيقي،الذي يؤكد أحقية آل البيت،وأتباعهم الشيعة في هذا أمر الأمة.وهذا أمر لا يقبله صحيح عقل أو اعتقاد ،فأي دين منتظر هذا!!

الأهم أنه يرد في بعض كتب التشيع حديث عن سورتين تم حذفهما من المصحف العثماني وهما (سورة الولاية وسورة النورين) ولكن لم يرد لهما ذكر كامل إلا في بعض الكتب الفارسية المشكوك في نسبتها أو حقيقيتها من الأساس،فأول ذكر لهما في كناب (دبستان مذاهب) وهو كتاب يتحدث عن الملل والمذاهب الإسلامية،مؤلف في الهند بالفارسية،ويذكر فيه حديث بعض فرق الشيعة عن قرآن أخر يرد في هاتين السورتين،والكتاب يجمع ما يرد في أفواه الناس فكأنه يتحدث عن دين شعبي وليس رسمي أو حقيقي،وتم نقل السورتين في العديد من الكتب التي تتحدث عن التشيع باحثة فيه أو ناقمة عليه وأخرها كتاب رب الأرباب الشيعي،وسنورد بعض الجمل من هذه السور لنرى متى ركاكتها مقارنة بالقرآن وعدم منطقيتها.فمثلاً يرد في سورة النورين ( يا أيها اللذين آمنوا آمِنوا بالنورين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي ويحذراكم عذاب يوم عظيم، نوران بعضهما من بعض وإنّا لسميع عليم،....يا أيها الرسول بلغ إنذاري فسوف يعلمون..وإنّ علياً لمن المتقين،وإنا لنوفيه أجره يوم الدين،وما نحن عنه بغافلين،وكرمناه على أهلك أجمعين،فإنه وذرتيه لصابرون،وإن عدوهم إمام المجرمين..إنّا بشرناك بذريته صالحين،وإنهم لأمرنا لا يخلون) السورة المزعومة تتحدث بشكل صريح عن ولاية علية والأئمة من بعده،والمقصود بالنوران هما النبي وعلي فبعضهما من بعض،أي كأنها تصريح بخلافة علي القرآنية بشكل مباشر،فالتاريخ السياسي أو رؤية الشيعة للسياسية جعلتهم على المستوى الشعبي على الأقل يقعون في هوى اعتقاد نقص القرآن ،أما بعض ما يرد في سورة الولاية فهي : (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنبي والولي اللذين بعثناهما يهديانكم الى صراط مستقيم نبي وولي بعضهما من بعض ، وأنا العليم الخبير.... فسبح بحمد ربك وعلي من الشاهدين ) وهاذين النصين يرد منها مقتطفات كذلك في كتاب تذكرة الأئمة للمجلسي.وحقيقة الأمر لا يمكن إخفاء صحة نسب هذا الكلام للتشيع،ولكني أعتبره كما أعتبره الكثير من الباحثين قبلي فكر شعبي ترسخ في الوعي الجمعي الشيعي،ليصبح معتقداً بعد ذلك وإن لم يعبر عن ذلك صراحة في الخطاب الشيعي المعتدل،كما أنه يناقض فكرة القرآن المنتظر مع المهدي والمحفوظ لدى الأئمة على مدار التاريخ.

فهل أجبنا على التساؤل الذي طرحناه منذ البداية؟؟!،

أم بدأنا في سلسلة من الأسئلة الجديدة،فما أشرنا له لم يهدف الذم أو القدح في معتقدات الأخرين،أكثر من أن نشير إلى أن تدخل الدين في السياسة في أي مرحلة تاريخية قد يؤدي إلى فساد الدين وكذب السياسة بما يتوافق مع الدين كما يراه كل حزب أو جماعة أو مذهب.
[email protected]

==============

الصنم الأخير في التراث الشعبي الإيراني

السبت, 10 تشرين1/أكتوير 2009
أحمد لاشين


" هؤلاء الحمقى قد حولوا الإله إلى وثن يُعبَد " (نيتشه : أفول الأصنام)
سأنبئكم بأسباب إلهام هذا المقال،في أحد مقاهي القاهرة التي أعشقها هي ومقاهيها،وأشعر بغربة حقيقية لو ساقتني الأقدار خارجها،في أجواء من الصخب والدخان حيث اعتدنا أنا وأستاذي ألاّ نختلف لحد الصدام وألا نتفق لحدود الفراق،طارحين عذابات السنين وسنوات العذاب التي تفرق بين أعمارانا جانباً.

طرح علي أستاذي حكاية تراثية من الأدب الشعبي الإيراني الذي رغم تخصصي في هذا المجال لم أقرأ عنها أو مثلها شيئاً،وقرأناها سوياً من كتاب (يك سال ميان ايرانيان ـ عام بين الإيرانيين) لإدوارد براون،الباحث الإنجليزي الفذ في مجال الإيرانيات،كان قد دون حكايته تلك كيفما رواها له أحد العجائز في إيران في معرض حديث براون عن الفكر المذهبي في تجلياته الشعبية،فدعني أطيل عليكم وأخبركم بفحواها،محذراً ما قد تجدونه فيها من تجاوز يصدم وعينا الإيماني،ولكن الأمر لا يتعدى مجرد حكاية.

الحكاية تبدأ برجل يسير في الصحراء فلمح من بعيد ملامح أخر أشعث الرأس رث الثياب طويل اللحية،منظرة أخاف الرجل وما زاده خوفاً بالإضافة إلى الصحراء،حينما أقترب الأخر قليلاً فوجده يحمل بلطة (فأساً صغيراً)،وعصا غليظة،فرآه بطل حكاياتنا مثل الشيطان،فتملك الرعب من بطلنا وقرر الهرب ولكن لا مكان فنحن في العدم في صحراء حيث لا بداية لها ولا نهاية،إلى أن هداه بصره إلى شجرة في منتصف هذا العدم ،فجرى إليها وتسلق فوقها في إنتظار عبور من ظنه شيطاناً.

وكانت المفاجأة فلقد جلس هذا العفريت يتظل بظل نفس الشجرة،وحينما شاهده البطل رآه درويشاً صوفياً متهالك،فهدأت نفسه قليلاً ولكن شيئاً ما حدّثه أن يظل ساكناً،ويرى ماذا قد يصنع الشيخ الدرويش في هذا العدم الصحراوي.المهم أخرج الدرويش من جعبته خمسة أصنام،ووضعهم أمامه،ووجه حديثه للأول، قائلاً أنت إذاً (عمر) ـ قاصداً عمر بن الخطاب ـ كيف تتسبب في ضياع الولاية من علي؟! ـ يقصد تبعاً لبعض الرؤى الشيعية أن الخليفة الأحق هو علي بن أبي طالب ولكنه الخلفاء الثلاثة قد اغتصبوها منه ـ فهل لك إجابة لا بالطبع! إذاً فنهايتك هي الموت،وحطمه بعصاه وبلطته.ثم تحدث مع الصنم الثاني قائلاً وأنت إذاً (أبو بكر)،فرغم كونك شيخاً مسناً إلا أنك كنت أول من تجاوزت في حق الإمام علي،وأول من تسبب في عذابه،أجب..!،إذاً ليس لديك إجابه!..،فمت إذاً،وقصمه إلى نصفين.وجاء دور الثالث وكانت مفاجأة لي أيضاً،كما تفاجأ بطل الحكاية،الثالث هو علي ذاته،فعاتبه الدرويش بقسوة ولامه على عجزه عن الحفاظ بما ورثه إياه رسول الله،فقد أورثه الولاية والخلافة من بعده ـ كما يرد في المذهب الشيعي ـ لذا فإنه يستحق مصير صاحبيه وحطمه تحطيماً.التمثال الرابع كان لرسول الله ذاته،فحاسبه شديد الحساب،فكيف لنبي اصطفاه الله بعلم الغيب يعلم ما سيحدث في أمته من مظالم وحروب يترك الأمر هكذا دون أن يولي علي في حياته!!،فيُخرس ألسنة الطامعين،ويُقيم العدل في الأمة،فحطم صنم النبي كما سابيقه.إلى هنا والرجل ما زال ساكناً لم يتحرك فوق الشجرة،حتى حدثت الفاجعة،فلم يتبقى سوى تمثال واحد فدار بخلده إذاً من تبقى لدى هذا الكافر حتى يحطمه قاصداً الدرويش،هل من الممكن أن يكون...؟! مستحيل!!،ولكن خاب ظنه،فقد كان هو بالفعل،الدرويش يتحدث مع الصنم الخامس والأخير،بوصفه الله،ـ لابد ألا ننسى أننا أمام حكاية مجرد حكاية ـ إذاً فالله سبحانه هو من تبقى لدى الدرويش،وبالفعل بدأ بالحديث إليه قائلاً،كيف يا قادر يا عزيز،يا علام الغيوب تترك هذا الظلم المتفشي في العالم،كيف تترك أوصيائك وأولايئك وأئمتك المطهرون يظلمون،وينحرون،كلهم ظُلموا وأنت لم تحاسب الظالمين،لا إنني سأحطمك دون حتى إنتظار إجابة منك،وهم ليرفع عصاه ليحطمه،هنا ارتجف الكامن فوق الشجرة خوفاً من فعل الدرويش،وصاح بأعلى صوته،كف يدك!!،كيف تجرؤ على تحطيم الله هكذا!!،فقد حطمت علي ومحمد اتجرأت على اللهّّ!!...كف وإلا انطبقت السماء على الأرض.وهنا ارتجف الدرويش،وسقطت العصا من يده،وسقط هو معها ميتاً من الخوف،ظناً منه أن مخاطبه أحداًَ من السماء،ولم يتمكن من تحطيم التمثال الأخير.فهبط بطلنا على الأرض ونظر بإجلال إلى الصنم الأخير،ثم أخذ يفتش جعبة الدرويش فوجد كنوز وجواهر عديدة،فسجد لله فرحاً وجاءت سجدة مصادفتاً أمام التمثال،قائلاً أحمدك يا رب،لقد علمت بحالي الفقير فرزقتني جزاءاً لي لدفاعي عنك...هنا تنتهي الحكاية،ولكن الراوي يُكمل لبراون أنه يعلم هذا الرجل،فقد صار من أغنى أغنياء البلدة،بل حاكمها الوحيد،وما زال محتفظاً بالصنم الأخير.

وصمت استاذي وتركني في تأمل،فبحكم التخصص أعلم جيداً كيفية تحليل البنية والرمز في تلك الحكاية السابقة،وذلك طبقاً كذلك للظروف البيئية والتاريخية المنتجة للنص،وإن كان يستحيل تحديد لحظة تكوين نص شعبي،فلحظة التدوين هي الفيصل،فهل كان براون يرمي إلى شئ؟!،من الممكن !،هل الراوي للحكاية حمّل النص ما لا يحتمل،احتمال قائم!!،ولكن من المؤكد أن التحليل الرمزي للحكايات الشعبية يخرجها من التقييم الاخلاقي أو الديني،فهذا إنتاج شعب بأكمله،ولا يوجد تراث في العالم لا يحمل بعض التجاوزات الصادمه للوعي المجتمعي المؤدلج حسب المرحلة التاريخية،فالتعبير الشعبي حرية وسياق منفصل تماماً عن كل الأيدلوجية الدينية والأخلاقية ،ولا يخضع لمعيارها.ولكن ما دار بفكري ورأيت أن أشارككم فيه تساؤل بسيط،لو دونت تلك الحكاية الآن في فترة الجمهورية الإسلامية،فكيف يمكن فك شقراتها ورموزها؟! رغم أني ضد التعسف في التأويل ولكني أطرح عليكم ما توصلت إليه.

البنية الفكرية الأساسية في الحكاية هي فكرة الحقيقة المطلقة،أو توهم الحقيقة المطلقة،فالدرويش يُجسد أعمق الأفكار الصوفية والإنسانية بشكل عام،فالتصوف الفلسفي في عمقه يؤكد على أن معرفة الله لا تحتاج إلى دليل أو وساطة ـ وذلك بعيداً عن التصوف الحركي أو الجماعات الصوفية ـ أي أن الإنسان ليس في احتياج إلى نبي أو خليفة أو ولي أو فقيه، يُجسِد له الله كيف شاء والمطلوب اتباعه،فالحقيقة المطلقة ليست ملكاً لأحد،ولكن كلاً يرى الله كيف شاء،ورغم الخلاف العقائدي مع تلك الفكرة،إلا أن لها تأثير في العديد من الفلسفات الإنسانية عامة.هذا ما حاول الدرويش أن يفعله بشكل رمزي في الحكاية،فالقضية الخلافية والتأسيسية في التشيع هي ولاية علي بن أبي طالب التي أخذت منه عنوة كما يرى المذهب وبالتالي ضاعت من كل أحفاده من بعده،فتكون عالم موازي في الفكر الشيعي هو عالم الإمامة،وسلالة الأئمة التي تبدأ بعلي وزادها تأججاً مقتل الحسين،ثم مسيرة مأساوية يقصها التشيع علينا على مراحل تاريخ الأئمة،إنتظاراً للمهدي المنتظر،الذي سيجدد الأحلام ويُعيد بناء ما تخيله المذهب الشيعي الحق.فالدرويش قرر أن يحاسب الجميع من بداية الأزمة،حتى علي ذاته،فإن كانت الخلافة من حقه فعلاً فلما لم يطالب بها،وإن كان النبي أوصى له فلما لم يوليه في حياته وتنتهي الأزمة،وإن كان الله قد أقر بذلك وأرادة فلماذا لم تنفذ إرادته،إذاً فكل ذلك كذب من وجهة نظر الدرويش،مجرد أصنام خلقناها بأيدينا لنعبدها من دون الله،وهم ظنناه حقيقة،والواجب هو تحطيم الوثن حتى لا يصبح عائقاً في سبيل المعرفة،فالمعتقد الإيماني ينسج خيلاته منفصلاً عن المعتقد الديني ذاته،وبالتدريخ تتحول تلك الخيالات إلى فكرة راسخة في العقل الجمعي بشكل يستتبع تحطيمه لا مناقشته.هذه وجهة نظري في رؤية الدرويش للموضوع.

إلا أن الغريب أن هناك ما يكمن في عقل الشيخ منعه من البحث عن مصدر الصوت قبل تحطيم الصنم الأخير،فمات مصدوماً في وعيه،فرغم محاولاته التي بدت مس من الجنون من وجهة نظر البطل،إلا أن الدرويش لم يحطم الصنم داخله هو،فلو افترضنا أن البطل قد تحدث في أي مرحلة من مراحل تكسير الأصنام الأربعة،فمن المؤكد أن ردة فعل الدرويش ستكون مماثلة.وما يعنينا الأن هو بطل قصتنا الذي استفاد من كل ما رآه،ووظفه لصالحة،فما سر صمته على تحطيم تمثال علي والنبي مثلاً ولكن من وجهة نظري أنه رأى أن ذلك في مصلحته،فبتحطيم رموز الدين ستخلو الساحة من الرموز المقدسة على كل السياقات الإسلامية السني والشيعي،ولكن بتحطيم الصنم الذي سماه الدرويش الله سوف تنهار الفكرة من أساسها،لذا وبدافع من إيمان حقيقي بالتمثال،أي الله كما يراه،دافع عنه،ثم ادعى ملكيته له.واستولى على الكنز.

الكنز في الحكايات الشعبية والدينية تحديدياً له تأويلات عدة،فيشير أحياناً إلى المعرفة أو الحقيقة أو الإيمان على المستوى الرمزي،فالرجل قد استولى على الحقيقة ظناً منه أنها الحق،فالله قد منحه إياها جزاءاً له عن دفاعه عنه،فقد وجد الله في تيه الصحراء بالمصادفة وعاد ليملك العالم من خلاله ويحكم البلدة،أعلن نفسه المدافع عن الله المنقذ له من الضياع،أي المنقذ لحقيقته من الزوال،ومن يملك الكنز والحقيقة فله الأحقية في قيادة الدنيا،من وجهة نظره على الأقل.فالسماء سوف تنطبق على الأرض لو تحطمت رؤيته هو وهو فقط لله.

التراث الشعبي بطيعته قابل للتأويل المتعدد في كل الأزمان،والحكاية السابقة على رغم من بنيتها الحكائية الضعيفة،ولكنها ذات تتابع في بنية الرمز متقنة للغاية،فجميعنا قد تنطبق عليه بعض هذه التأويلات،فأحياناً ما نؤمن بإيمان الأخرين،ونسير خلف من حول الله إلى صنم يعبد،وهذا ينطبق بشكل أو بأخر على الشعب الإيراني وغيره من الشعوب التي صدقت أن من جاءها بتمثال الله وبكنزه قد جاءها بالحقيقة الواجب اتباعها،ولِما فكرة التبعية من الأساس،هل لابد وأن يتكون العالم من تابع ومتبوع؟!،فلو ظل بطل الحكاية في خوفه لتحطم الصنم الأخيرولم يدعى أحقيته في امتلاك الحقيقة.

فمبدأ ولاية الفقيه أو غيرها من الأفكار في واقعنا التاريخي والمعاصر التي تدعى أنها امتلكت الحقيقة تحمل في ذاتها عمق فكرة بطل القصة،هؤلاء اللذين ادعوا امتلاك الوصاية ،وأنهم ظل من الله،والمدافعين عن دولته،المحافظين على كنزه،اللذين أخافوا الدرويش حتى الموت بوهم الدرويش ذاته في وعدم قناعته الكاملة بما يفعل،وقسّموا العالم إلى ملهمين ومنصتين،فمن مصلحتهم أن تتحطم بقية الرموز حتى يتبقى من يدعوا أنهم يتحدثون بإسمه.ولكن دائماً الراوي هو الشاهد الوحيد الذي يحكي لنا أصل الأشخاص والأفكار.


أعلم أن هناك العديد سوف يختلفون معي في محاولة فهمي للحكاية وتأويلي لرموزها،ولكن الفكرة مطروحة للنقاش، فالحكاية تصلح للتأويل في كل السياقات الاجتماعية والفكرية ،وعلى الجميع أن يطرح رؤيته كما يراها.


أحمد لاشين

أكاديمي مصري

=============

المؤسسة العسكرية والدولة الدينية في إيران (الحرس الثوري العصا التي يؤدب بها آيات الله المعارضة الإيرانية

الثلاثاء, 14 تموز/يوليو 2009

أحمد لاشين (متخصص في الشأن الإيراني)



هل ما يحدث في إيران الأن إنقلاب عسكري فعلاً كما صرح مير حسين موسوي وهاشمي رفسنجاني؟ إلى أي مدى كان للحرس الثوري تدخل في الأحداث الإنتخابيةالأخيرة؟ هل إيران في طريقها إلى تكوين مفهوم الدولة العسكرية بدلاً من الجمهورية الإسلامية؟ أسئلة كثيرة طرحتها تداعيات أزمة الإنتخابات الإيرانية ،بالطبع لن نتمكن من الإجابة عليها كلها هنا والأن ،ولكني سأحاول أن أطرح رؤية تتسق وجذور الأزمة،وتكون مفتتح لتساؤلات أخرى عديدة.

في مشهد يليق بالطابع الثوري نهايات عام 1978،كان الثوار الإيرانيين ـ بشتى طوائفهم وإنتمائتهم الثقافية والدينية ـ يضعون أكاليل الورود على الدبابات وأعناق جنود الجيش الإيراني الذي أمره الشاه بالقضاء على الشارع الثائر،ولكن وبإشارة من آية الله الخوميني في منفاه في النجف الذي استمر لـ 13 عاماً،أمر الشارع ألا يصطدم بالجيش بل يكسبه في صفه،فكان الثوار يمسكون لافتات أمام الجيش تقول في هذا الجبش أبني وأخي وأبي،كيف لي أن أقاتل أهلي)،ورغم أن قيادات الجيش كان موالية للشاه (محمد رضا)،إلا أن العديد من الضباط والجنود كانوا مرحبيين بالتغير الثوري،فأختار الجيش الحياد للنهاية،إلا أن قوات الأمن الأخرى وهي عديدة في إيران منذ عهد الشاه و للأن،قامت بمذبحة حقيقية راح ضحيتها ما يقارب الأربعة ألاف من الشعب الإيراني،مما استتبع خروج الشاه،وقدوم الخوميني،وبداية ملحمة دموية جديدة للشعب الإيراني،تحت إسم الثورة.

ـ الثورة والعسكر (جدلية السلطة والدولة):

لم تكن الثورة الإيرانية نتاج تحركات الخوميني أو رجال الدين منفردة،بل كانت نتاج دعم العديد من التيارات السياسية الليبرالية (مثل حزب نهضت آزادي إيران) (النهضة لحرية إيران) بقيادة (مهدي بازرگان) والذي كان أول رئيس للحكومة بعد الثورة واستقال بسبب خلافه مع رجال الدين بعد أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية التي دعمها رجال الدين، واليسارية مثل (حزب توده : التجمع كترجمة حرفية)، بل والشيوعية كمنظمة (مجاهدي خلق) بقيادة (مسعود رجوي)والتي كان لها شأن كبير في مرحلة بدايات الثورة ومقاومة نظام الشاه،ثم الإنقلاب على النظام الإسلامي بعد ذلك واغتيالهم (لمحمد علي رجائي)ثاني رئيس جمهورية في إنفجار مجلس الوزراء عام (1981) وقمع نظام الخوميني لهم وللأن،كل تلك التيارات بالإضافة إلى دور الحوزة ورجال الدين والتي تجسدت في حركة (فدائيان إسلام : فدائي الإسلام)،بقيادة أحد أبناء الحوزة (نواب صفوي) الذي أعدم على يد نظام الشاه،ودور العديد من آيات الله مثل (آية الله طالقاني)،و(آية الله حسينعلي منتظري) الذي كان نائب الخوميني،ثم تم عزلة ووضعه في الإقامة الجبرية لخلافه مع الخوميني على مفهوم ولاية الفقيه والعديد من التصرفات القمعية لنظام الثورة،والجدير بالذكر أن نظرية ولاية الفقيه المطلقة ـ أي السلطة الكاملة والمرجعية النهائية للولي الفقيه ـ لم يطلقها الخوميني بشكل نهائي إلا بعد ما يقرب من عامين من بداية الثورة،فهو في منفاه في تركيا (9 شهور)،النجف (13 عاماً)،باريس (4 أشهر)،كان يتحدث عن ولاية الفقيه المحدودة المعتمدة على رأي المجموع أو السلطة الإشرافية.وبعد عودة الخوميني لإيران في (1979)،وصراعه مع (شاهبور بختياري) أخر رئيس وزراء في عهد الشاه بعد رحيل الشاه على أمل العودة،وما اسستبع بعد ذلك الصراع بين رجال الدين والإتجاهات الثقافية (الليبرالية واليسارية) ـ والتي تحتاج إلى مزيد من التوضيح في سياق أخر في علاقة بين المثقف ورجل الدين في إيران ـ وبداية أول عملية إنتخابية لرئاسة الجمهورية والتي رُشح فيها أبو الحسن بني صدر ذا التوجهات الليبرالية(رئيساً من يناير 1979 إلى يوليو 1981)،ثم إقالته من قبل الخوميني للخلاف حول مفهوم الدولة الدينية أم الجمهورية الإسلامية،وتزامن ذلك مع بداية الحرب العراقية الإيرانية،ثم مقتل (محمد رجائي) وهروب (بني صدر) و(ومسعود رجوي) إلى باريس ثم إنضمام رجوي مع بقايا منظمته (مجاهدي خلق) إلى الجانب العراقي في الحرب ضد إيران.ظهرت العديد من الأزمات على السياق العسكرية الإيرانية،فالنظام أعلن توجهاته الإسلامية وقمع كل العناصر المعارضة،والجيش بالطبع ظل موضع شك وتخوين على مستوى القيادات على الأقل،فالثورة لم تكن معتمدة على الجيش بل عمدت إلى تحيدة في البداية ثم تصفيته بعد ذلك.

ـ تحييد الجيش وبداية الحرس الثوري:

تمت أولى محاولات التصفية على يد (صادق خلخالي) (توفي:2003) ،أحد رجال الدين البارزين في بداية الثورة وأول (مدعي عام) بتعين من الخوميني شخصياً،وقد قام (خلخالي) بتصفية قيادات الجيش التي كانت مستمرة منذ حكم الشاه،خوفاً من أي إنقلاب عسكري ممكن الحدوث،وذلك بإتهامهم بالخيانة للنظام الثوري أو التآمر مع الشاه المخلوع إلى غير ذلك،مما أدى إلى ضعف المؤسسة العسكرية المتمثلة في القوات المسلحة،خاصة مع تقدم الجيش العراقي في الأراضي الإيرانية.مع ظهور بعد الدعاوي داخل التيار الثوري بحل الجيش ذلك الأمر الذي رفضه الخوميني مع الظروف الحربية الجديدة.النتيجة أن السلطة أصبحت في يد رجال الدين بعد تصفية رجال الجيش وقمع كل معارضة ممكنه.

وفي أزمة حقيقية مر بها النظام في ذلك الوقت،أمر الخوميني بتأسيس قوات تكون من المتطوعين موالية للثورة ومؤمنة بها بشكل كامل،فكانت (سباه باسداران : قوات الحرس الثوري)،والذي أسس بما يقرب من مائة ألف متطوع في البداية وتسلمت تلك القوات أسلحة الجيش،ووضعت تحت قيادة الخوميني مباشرة،وإشراف من (آية الله علي خامنئي) الذي كان رئيساً للجمهورية أنذاك،وتمكن الحرس الثوري من الصمود أمام الجيش العراقي ،وكانت قيادات الحرس الثوري في بدايته،من (جماعة أنصار حزب الله) التي تأسست أثناء القيام بالثورة الإيرانية،لمناهضة نظام الشاه،بواسطة مجموعة من المنتمين للحوزة الدينية،وكانت تلك الجماعة تتلقى تدريباتها العسكرية تحت قيادة (فتح) المقاومة الفلسطينية،وقامت بالعديد من العمليات العسكرية في فلسطين،وبعد الثورة كانت لها مكانتها الخاصة في تأسيس الحرس الثوري والباسيج (أو قوات التعبئة العامة والتي تتبع الحرس الثوري كذلك)،وأول تلك القيادات (جواد منصوري) الذي صار بعد ذلك سفير إيران في الصين،و(وعباس أقزماني) المشهور (بأبو شريف) وكان سفير لإيران في باكستان،ولهذه الجماعة دورها الفعال بعد ذلك في العديد من المواقف الموالية للأيدلوجية الثورية،خاصة وأنها تتبع الحرس الثوري مباشرة الأن،فهي ضالعة في أحداث (1997)،ضد طلاب جامعة طهران،والمعروفة بأحداث (18 تير)،والتي أحتج فيها الطلاب على إغلاق العديد من الصحف الإصلاحية،وعلى عملية الإغتيالات المستمرة لرموز الإصلاح في عهد خاتمي،كانت نتيجة ذلك مصادمات دامية بين الحرس الثوري المتمثل (في أنصار حزب الله) وبين طلاب جامعة طهران،والتي يحاول الطلاب الأن إحياء ذكراها يوم الخميس (9 / 7 / 2009)،في الجامعة والشوراع المحيطة،في محاولة لإستغلال القضية للتعبير عن موقفهم من حكومة نجاد، على أمل التغيير قبل أداء نجاد القسم الرسمي في أغسطس المقبل،رافعين شعارات غاية في الحدة،مثل (الموت للديكتاتور،الموت لخامنئي)،(لماذا نخاف نحن ندافع عن حقنا).ومن ضمن القيادات كذلك في مرحلة الحرب (محسن رضائي مير قائد)،المرشح الخاسر أمام نجاد في الإنتخابات الأخيرة،وعضو مجلس (تشخيص مصلحة النظام)الذي يرأسه رفسنجاني،وقد كان أقل المعترضين حدة،وأول من سحب شكواه لمجلس صيانة الدستور ضد التلاعب في الإنتخابات.

ومن الملاحظ أن قوات الحرس الثوري في هذه المرحلة قد ورثت كل مميزات الجيش النظامي،فقد مثلت جيش موازي متطور،يحتوي على قوات برية وبحرية وجوية ومشاه،جيش هدفه في النهاية الحفاظ على إنجازات الثورة،وتحت مظلة القيادات الدينية،وولاءه الكامل للنظام الثوري وهو الحامل الأصيل لأيدلوجية الدولة،ولكن مع كل حال فالحرس الثوري قوة لا يستهان بها،خاصة مع تحييد الجيش وتحديد سلطاته،ودور الحرس في الحرب العراقية.

ـ نجاد نتيجة وليس سبب:

لم يغب الحرس الثوري بعد مرحلة الحرب العراقية،بل ظل ماثلاً للجميع يناصر توجهات الدولة ويقمع كل رأي معارض،ووجه نشاطه للداخل بإنشاء العديد من المؤسسات التعبوية،التي تتواجد في كل أشكال النظام الإيراني،بداية بالجامعات وصولاً للمدارس والمستشفيات،والإحتفالات الدينية،وداخل الحوزة الدينية ذاتها،فالحرس الثوري هو المؤسسة الرئيسية في إيران التي لا يمكن النيل منها،خاصة مع استغلال فكرة الشهادة في الحرب،فأبناء الشهداء نالوا دعم الدولة أكثر من المقاتلين الذين ظلوا أحياء بعد الحرب،كما دعم الحرس الثوري العديد من الحركات الإسلامية الحركية في العالم العربي مثل (حزب الله)،و(حماس)،(وحركة أمل ـ وإن كان أعلن تخليه عنها فيما بعد)،فميزانية الحرس الثوري مع كل أشكال الدعم المؤسسي ضخمة للغاية.

كل هذا كان يتم بشكل منظم للغاية،فليس للحرس أي دور في النشاط السياسي الداخلي في إيران إلا ما يوجهه له النظام،فيما يراه يشكل خطر على مبادئ الثورة بشكل عام،ولكن مع ظهور الإتجاهات المعارضة داخل النظام ذاته،وإنقسام الحوزة الدينية إلى مناصرين للمعارضة الإصلاحية والمؤيدين للإتجاهات الراديكالية،وكلاهما يعلن أنه المتمسك بمبادئ الخوميني،والتي من تجلياتها إعتراضات (علي بهشتي) ابن (آية الله حسين بهشتي) المقتول في تفجيرات مجاهدي خلق عام 1981،على رأي مجلس صيانة الدستور في الإنتخابات الإيرانية وتأييد المجلس لنجاد.ثم تسرب حالة فساد النخب السياسية،والبعد الملحوظ عن الأيدلوجية الثورية في محاولة لتحقيق أكبر قدر من المصالح الخاصة.كل هذه العناصر بالإضافة إلى كون رجال الدين والمؤسسة الدينية عامة مؤسسة غير منتجة في ذاتها،أي أنها تعمل دائماً على إستهلاك المكاسب لا تحقيقها، وكذلك عدم جدوى النمط الثوري مع الجيل الجديد الذي لم يشهد أي من الملاحم الثورية أو الحربية الأولى ، مما هدد بقاء النظام الإيراني على الشكل المتعارف عليه،فأدى هذا في النهاية إلى تحميل المؤسسة العسكرية مسؤولية بقاء النظام،وكان أحمدي نجاد مجرد تعبير عن هذه الفكرة وليس سبب لها،بوصفه من أبناء الحرس الثوري والداعم له منذ أن كان محافظاً لطهران .فالدولة الإيرانية سلكت الطريق العسكري لإنعدام الخيارات الأخرى فهي مسألة حياة أو زوال للنظام القديم كلية.

ـ أشكال سطوة المؤسسة العسكرية في عهد نجاد:

من الممكن إجمال بعض ملامح سيطرة المؤسسة العسكرية في العناصر الآتية:

ـ أولاً (إحكام القبضة على الحوزة): تحييد دور الحوزة الدينية بشكل كبير،فرغم كون الدولة دينية،إلا أن الحوزة بإنقسامتها أصبحت تشكل خطراً على الساحة السياسية،إذا تم نقل تلك الإنقسامات إلى الشارع الإيراني،وهذا ما يعيه النظام بدقة فدور الخوميني في الثورة يمكن تلخيصه أنه تمكن من نقل الحوزة إلى الشارع،ليس إلا.ومن ملامح التحييد تلك صمت الحوزة في الأزمة الإنتخابية الأخيرة،إلا بعض التصريحات من أية الله منتظري لمناصرة موسوي،ويقابلها تصريحات من (حجة الإسلام يزدي) لدعم نجاد.وكلها تصريحات لم تؤثر في الشارع بأي شكل،فلقد أجادت المؤسسة العسكرية حصار الحوزة وإغلاقها على ذاتها رغم محاولات رفسنجاني الإستعانة بها بلا طائل.

ـ ثانياً (التحكم في مصادر الدخل القومي): ،خاصة البترول،فلقد وضع الحرس الثوري يده على منابع البترول وألية تصديره،وتحصيل فوائده،ومن ذلك العديد من المناقصات والمشاريع التي تولاها الحرس الثوري بمليارات الدولارات فيما يخص أنابيب البترول،وبناء المطارات والسدود،فكل مشاريع الدولة تقريباً يقوم بها الحرس الثوري.أي أن الدولة بكامل إقتصادها تحت سيطرته التامه.

ـ ثالثاً (تحييد الجيش):عمل نجاد طوال فترة رئاسته السابقة على الفصل بين الجيش وقوات الحرس الثوري،فمثلاً،نقل الجيش للمناطق الشمالية من إيران،أي منطقة أذربيجان،بحجة الدفاع عن الحدود الشمالية،في محاولة لنفية خارج الساحة السياسية والإقتصادية،خاصة أنه وضع قوات الحرس في المنتصف،والجنوب،أي للسيطرة على الوضع الأمني وعلى منابع البترول في الخليج العربي،فأعطى بذلك مزيداً من القدرة الإستراتيجية لقوات الحرس.

ـ رابعاً (الوظائف الحكومية) :عمل نجاد على فصل كل طبقات التكنوقراط والموظفيين اللذين أسسوا الهيكل الإداري للدولة ووضع محلهم قواد متقاعدين من الحرس الثوري،كما فصل رؤساء الشركات الصناعية الحكومية الكبرى في إيران،ليضع مكانهم ضباط في الحرس،أو يضع الشركة ذاتها تحت سطوة الحرس الثوري.

ـ خامساً (الأمن الداخلي):إن ملف الأمن في إيران حافل بتجاوزات عديدة،ليس أهمها سطوة الحرس الثوري وقمعه للشارع الإيراني لإعتراضه على نتائج الإنتخابات الأخيرة،ولكنه سجل طويل من القمع بين رجال الدين ودورهم الأمني في بدايات الثورة،أمثال دور (هاشمي رفسنجاني) والمعارضة الإيرانية المتجسدة في مجاهدي خلق مثلاً،أو (إبراهيم خلخالي) ودوره في الجيش كما ذكرنا،أو دور (مصطفى بور محمدي) أحد رجال الدين البارزين في عهد الخوميني والذي كان نائب مدير المخابرات (1984 ـ 1988 )،والمسؤول عام 1988 عن تنفيذ أوامر الخوميني بتنفيذ حكم الإعدام في سجناء الإيرانيين المعارضيين وكانوا بالألاف واغلبهم من مجاهدي خلق وغيرهم،ويشغل الأن منصب (رئيس هيئة الرقابة العامة للدولة)،بعد أن كان وزيراً للداخلية في بداية حكومة نجاد،ثم تمت إقالته من قِبلّه .وهنا ملمح غاية في الأهمية،طوال الوقت الملف الأمني تحت سيطرة رجال الدين،ولكن في عهد نجاد الوضع اختلف،فرغم الميول التشددية التي تجمع نجاد مع (بور محمدي) إلا أنه أقاله وعين بدلاً منه (صادق محصولي) قائد المنطقة الخماسة في أذربيجان في الحرس الثوري،والذي كان على علاقة صداقة قوية بنجاد،وهذا عكس المتعارف عليه أن وزير الداخلية بالذات لابد أن يكون من رجال الدين.ولكن مع تكرار المصادمات بين (بور محمدي) واتهامه لنجاد بالفساد والفشل الإقتصادي،في محاولة منه للإشارة إلى تقليص دور رجال الدين أمام الحرس الثوري،قرر نجاد عزلة وتولية من يناصره ويدين له بالولاء فعلاً، في حكومته السابقة،حتى أنه أتهم بفساد الزمة المالية ـ صادق محصولي ـ وأن نجاد سوف يستغل ما جمعه الأخر من ملايين للصرف على حملته الإنتخابية التي نجح بها بالفعل.

ومن مظاهر سطوة الحرس الأمنية،أن كل آليات القمع داخل إيران في المظاهرات الأخيرة تمت بواسطة البسيج والحرس الثوري ولم تتدخل الشرطة فعلياً إلا قليلاً،فما زالت الشوراع تحت طائلة الحرس اللذين ينزلون مدججين بالسلاح والعصا في ملابس مدنية،حتى أن التصريح الأخير لنائب الحرس الثوري في طهران أفاد أنه لن يسمح بأي عبث بالأمن الداخلي وهذا ما حدث فعلاً في أيام الخميس والجمعة السابقين.

ـ سادساً (الإنتخابات والحرس الثوري):تمكن نجاد من تحويل الحرس الثوري من الحياد السياسي المنفترض والمنصوص عليه دستورياً إلى ساحة المشاركة السياسية القومية في عملية الإنتخابات،فقد زرعهم في كل الخلايا الإنتخابية،كما أنهم أصبحوا المسؤولين عن الحفاظ على النتيجة وقمع كل معارضة،كما أن نجاد قد تمكن من تحييد مجلس صيانة الدستور وذلك بزيادة الميزانية الداخلية إلى خمسة عشر ضعف ما كانت،وبالتالي سيطر على المجلس المنوط بالعملية الإنتخابية،بالإضافة لسطوة الحرس الثوري عامة.

وفي النهاية إيران على مشارف تغير في النُظّم الداخلية لكيان الدولة ذاته،مع الحفاظ على الكيان الديني ،فالخطر الحقيقي الذي سوف يتعرض له النظام في إيران هو زوال الجيل الأول للثورة،والذي بدأ بالتناقص بالفعل،وعدم قدرة هذا الجيل لتصدير المفاهيم الثورية الإسلامية لمن تلاه بنفس درجة الإيمان والمصداقية،مع التغير الديمغرافي المصاحب لذلك،فلم يعد أمام النظام سوى المؤسسة العسكرية التي ما زالت تؤمن بنفس الأيدلوجيات الثورية الأولى وما زالت في طاعة تامة للمرشد الاعلى بوصفه رمز الكيان السياسي والديني في إيران،فهذه كلها ملامح إنتقال إيران من الثورة للدولة ذات الطابع الثوري،مع التغييب الكامل لمفهوم الدولة المدنية الذي يشكل خطر حقيقي على النظام في إيران لو قبل به.

[email protected]
====
القمع بإسم الله في إيران

الخميس, 02 تموز/يوليو 2009
أحمد لاشين

إن تعامل النظام الإيراني مع أزمة التظاهر الحالية لا تختلف كثيراً عن أي من الأنظمة الفاشية التي مرت على التاريخ الإنساني،فمأساة الشعب الإيراني مع الدولة الدينية قد تجاوز الآن مرحلة الرأي إلى مرحلة الدم،وللأسف لا سبيل للتراجع لا من قبل النظام و لا المتظاهرين الحالمين بحياة مختلفة خارج نظام الولي الفقيه،وطموح الدولة الدينية،فدماء الشعب ستظل هي القربان الوحيد لزوال اللعنة.

فبعد خطبة علي خامنئي يوم الجمعة 19/ 6 / 2009،أصبح وجه النظام أكثر وحشية،فقد قسم الشعب الإيراني إلى قسمين ،قسم يجلس أمامه في طاعة يهتفون (0لبيك يا خامنئي لبيك يا حسين)،منتخبين نجاد سعداء بالنتيجة،متبعين تعاليم الخوميني،ومن قبل أوامر الإمام المهدي،وقسم يموج ويثور ويُقتل،واللذين وصفهم خامنئي أنهم ضحية العبث الأجنبي،الأمريكي والإسرائيلي،وأنه لن يسمح بهذا التهاون الذي يضر بمظهر الديمقراطية الإيرانية،وبمصالح القسم الأول من الشعب.ففي النهاية الشعب خائن طالما أعترض على نتائج الإنتخابات،خائن أو ضحية خونة أخريين،وليس ضحية نظام أسس نفسه بالقوة والقمع على مدار تاريخه،ويظل يتجرع دماء شعبه لأخر قطرة.ولنا في ديكتاتورية بدايات الثورة الإسلامية موعظة حسنة ضد معترضيها.

مما أستتبع بعد ذلك القبض على العديد من الجماعات المتظاهرة في الشارع الإيراني ليس فقط بتهمة إثارة الشغب أو الفساد العام،وإنما بوصفهم وفجأة بعد الخطاب جماعات إرهابية ممولة من أنظمة خارجية لإثارة أعمال التخريب بالبلاد،ووصف الذي فجر نفسه في مرقد الإمام الخوميني رمز الثورة الإيرانية بأنه عميل للصهاينة وإسرائيل.وكذلك القبض على ما يزيد عن ثلاثة عشر إسماً من أعضاء (جبهة المشاركة الإسلامية) التي ينتمي لها (مير حسين موسوي)،هذا بالإضافة إلى مصادمات عنيفة بين المتظاهرين و قوات (البسيج) الإيراني،أدت إلى مقتل وجرح ما يقرب من 100 شخص، في مشاهد غاية في الألم والقسوة،أي أن النظام قد أطلق حراسه على شعبه.

المشكلة تجاوزت الإنتخابات أو نتائجها وتزويرها من عدمه،إن ما حدث في شوارع العاصمة الإيرانية لهو رفض حقيقي لنظام الدولة وليس فقط نجاد أو أي رئيس جمهورية أخر،فموسوي قد أعلن بعد خطبة خامنئي أن الهدف قد تحقق ولابد من اللجوء إلى المحافل القانونية،وأن هدفه هو ومؤيديه هو التغير ولكن بشرط أن يظل تحت ظل ولاية الفقيه والدولة الإسلامية الإيرانية،في تسوية نهائية بينه وبين النظام بعيدأ عن طموحات الشارع،بل أنه دعا المتظاهرين مؤخرأ إلى حالة من الهدوء،كما أعلن خاتمي أن الهدف أيضاً هو التغير في ظل النظام العام،ولابد وأن يخضع النظام لطلبات التغير قبل فوات الأوان.ولكن لابد ألا يتجاوز المتظاهرين حدود القانون والتظاهر السلمي،خاصة بعد أن أعلنت قوات الحرس الثوري أنه سوف يكون المسؤول الأول عن صد الإعتراضات في شوراع العاصمة.فمن الواضح أن الصفقة قد تمت الناس مقابل رضا النظام،ذلك الرضا الذي لم يتنازل عنه موسوي أو خاتمي على مدار تاريخهم،فكما هو معلوم أن موسوي كان رئيس الوزراء في عهد الخوميني والحرب العراقية الإيرانية،ولم يتنازل لحظة عن الطاعة الكلية للنظام،وقمع كل التوجهات المعارضة في عهده،ثم غاب موسوي 20 عاماً،ولم يظهر إلا كمستشار لخاتمي في عهد رئاسته،خاتمي الذي كان مسؤول الحرب الإعلامية في نفس مرحلة الحرب العراقية،وحينما آلت إليه أمور الرئاسة تحت دعوى الإصلاح،جاء ليحافظ على النظام الراديكالي المحافظ أكثر من الرغبة في تغيره،ففي هذه الفترة كان النظام على وشك الإنهيار لتشدده الذي لم يتمكن من التراجع عنه وقتها،أو حتى إعلان ذلك ،فأتى بخاتمي الذي سيتمكن بتاريخه المخلص للثورة وخلفيته الثقافية أن يداعب أحلام التغيير في الشعب الإيراني،فنال الرئاسة باكتساح بدون اعتراض أو مظاهرات،في صفقة واضحة المعالم مع السلطة،وحينما خلق النظام رداءه الإصلاحي الجديد ليمتص أفكار الشارع ثم يتعامل معها كل بطريقته فيكون الإصلاح على الطريقة الراديكالية،إنتهى دور خاتمي،وجاء نجاد.

ولكن نجاد فشل بأسرع مما تصور الكثيرون،أولاً لبعده عن ترضية النخبة التي جاءت به بمنتهى الهدوء،بسبب أنه ليس ذا سند عائلي قوي،مثل علاقات النسب التي بين (غلام حداد عادل) الرئيس السابق لمجلس الشورى الإسلامي،والمرشد الأعلى (علي خامنئي)،أو بين 0(علي لاريجاني) الرئيس الحالي لمجلس الشورى و(هاشمي رفسنجاني)،أو التي بين (خاتمي) وعائلة الخوميني شخصياً،كما أن نجاد لم يتمتع بالعهد الذهبي لتقسيم الثروات الإيرانية على مستوى الإقتصاد أو البترول،مما أستتبع الصدامات بينه وبين رفسنجاني مؤخراً،أو بينه وبين (لاريجاني)،(أو حداد عادل)،فنجاد من أبناء الحرس الثوري،ومن أتباع المرشد المخلصين،وإختياره كرئيس التي جاءت تعبيراً عن رغبة النظام في تجديد الوجوه ولكن مع الحفاظ على الأيدلوجية القديمة،ولكن مع تلك الخلافات جاء دور موسوي.

موسوي مثل العديد من الرموز على الساحة السياسية الإيرانية،فهو من أبناء الثورة المخلصين،والأهم أنه لم يشارك في الحياة السياسية لمدة عشرين عاماً مكتفياً بحياة الخاصة،وبعض التصريحات هنا وهناك التي لم تكن ذات أهمية طوال هذه الفترة،أي أنه بعيد عن أي خلاف على مستوى تاريخ الثورة بعد ذلك،وله علاقات جيدة مع النظام طوال هذه الفترة،رغم بعض الخلافات التي كانت بينه وبين خامنئي في فترة رئاسة خامنئي للجمهورية الإيرانية،من فترة 1981 إلى 1989، إلا أن تلك الخلافات ليس مؤثرة الآن على الأقل.أي أن هناك جيل بأكلمه لم يعرف عنه شيئاً إلا ما يُدرس لهم في الكتب الدراسية عن بطل قاد الدولة الإيرانية بنجاح في فترة الحرب مع العدو الأصيل العراق ،وقتها على الأقل.فكان ظهوره المفاجئ مكسب لا حدود له للنظام الذي استدعاه لهذه المهمة بالذات،حتى يمتص الغضب الحقيقي على الفكر الراديكالي الذي شوهه نجاد بمزايدته على المزايدة.فوعد الشارع بالتغيير،بنفس الدعاوي الخاتمية في بداية مرحلته،وحتى تكتمل اللعبة تنازل خاتمي لنجاد على الملأ لموسوي وموسوي فقط،لأنه كما أُعلن عنه قد تعرض لتهديدات بالقتل من قبل بعد التوجهات المتشددة في النظام،حتى أن الأمن أعلن أنه غير قادر على حماية خاتمي من تلك التهديدات،فجاء موسوي البطل ليحل الأزمة جاء من غياهب التاريخ كمهدي منتظر ليضحي بنفسه لأجل الشعب والإصلاح،ويحمي خاتمي.

ودارت المعركة البطل البرجوازي موسوي أمام البطل الشعبي نجاد،والملك الولي الفقيه ينتظر المنتصر ليرفع يده أمام الجماهير،ويعطيه البركة المطلقة،وعندما أعترض بعض الجماهير على النتيجة المعدة مسبقاً بالطبع،لأنه للأسف قد أعتقد بسبب قوة الأداء التمثيلي أنها معركة حقيقية،أطلق الملك جنوده عليهم حتى يرضخوا لما أراد،وبالتدريج التمثيلي يتراجع البطل المهزوم أمام المنتصر الشعبي،حتى يكون لتأيد الملك الفقيه له صورته القوية،المقنعة أمام الجماهير.

الضحية هو الشعب،الجماهير طوال الوقت،فخامنئي في خطابه الأخير،أعلن أنه لا تراجع عن نجاد رئيساً،بل أن حتى تكتمل الدائرة أعلن 0علي لاريجاني) رئيس البرلمان أن المجلس قد حدد ميعاد القسم الدستوري لنجاد وإعطاء ثقة المجلس لحكومته المشكلة من تاريخ 26 /7 /2009 إلى 18 /8 /2009.وهذا إعلان نهائي لا رجعة فيه كما أنه وجه حديثه لموسوي حذره فيه من إستغلال الناس لتحقيق أهدافه،كما أن مجلس صيانة الدستور أعلن أن هناك نسبة خطأ في الإنتخابات ولكنها لا تمثل ضرراً على النتيجة بشكل عام.ولهذا هو يقر بنتيجة الإنتخابات بشكل نهائي،إلا إذا جد جديد.

وفي نفس السياق يُعلن موسوي أنه سيقدم دلائل على فساد العملية الإنتخابية خلال الفترة القادمة،و لا أدري إذا كان يملك الحقيقة كما أدعى ،فلماذا لم يقدمها منذ البداية،ووفر نزيف الدماء الشعبي الذي اتهمه قائده بالخيانة،فلماذا الأن أراد أن يُظهر الورقة الأخيرة الآن فقط،ألهذا علاقة بقرار المرشد الأعلى تمديد الوقت المسموح به لتقديم شكاوي الإنتخابات خمسة أيام من تاريخ (23/6/2009)،أي أنها كانت مجرد إشارة من المرشد لإستكمال اللعبة علها تكون فرصة لمزيد من إظهار السلطة.

ولنا أن نتخيل موقف (مهدي كروبي) الذي حصر كل همه في بيانه الأخير أن يسمح الأمن لأهالي الضحايا أن يقيموا العزاء على أولادهم الذين قُتلوا في التظاهرات،بشكل يليق بموقفهم المشرف من الوطن،كما طلب أن يُعلن الأمن عن مكان اعتقال بقية المتظاهرين اللذين وصلوا حسب التصريحات الرسمية الإيرانية إلى خمسمائة معتقل،حقاً إنها طلبات عادلة ولكنها بالتأكيد لا تليق بأولئك اللذين دفعوا حياتهم ثمناً لمن نسج لهم أحالمهم الجديدة وأحيى داخلهم أمل التغير.واضعين في الاعتبار بالطبع موقع كروبي كرئيس لمجلس الشورى الإيراني لدورتين متتاليتين.

وامتدت الصفقات للخارج،فهذا (بن كي مون) يُمهل إيران يومان فقط انتهوا حتى تصحح الأوضاع وإلا ستدخل الأمم المتحدة ولكنه لم يقل لنا كيف سيتم ذلك،وحينما سُئلت شيرين عبادي الحائزة على جائزة نوبل للسلام والناشطة الحقوقية الإيرانية،عن موقفها من تصريحات (الأمم المتحدة) وما هي الكيفية التي سوف تتعامل بها مع الموقف في إيران أجابت أنها (للأمم المتحدة )أسلوبها في الحفاظ على حقوق الإنسان في إيران.

وأمام الموقف الإيراني المتشدد من الولايات المتحدة وأوروبا بشكل عام،إلا أن نجاد قد نال التأييد الكامل من روسيا في المقابل،ومن الأخبار المثيرة للسخرية أن شركة نوكيا للتليفونات المحمولة قد أذاعت على شبكة (bbc)«،انها قد أعطت للنظام الإيراني أنظمة قادرة على التصنت على كل المكالمات والرسائل القصيرة المتبادلة في إيران،وكأن هذه الميزة قد كانت هبة لإيران فقط،لكن بالتأكيد أن النظام الإيراني هو من أجاد إستخدامها في الأحداث السابقة.

فالوضع النهائي،كان لصالح النخبة الإيرانية،ولكن الضحية الوحيدة هي الشعب الذي دفع دمه ثمن لصفقات النظام مع من يأتي بهم أو يسترجعهم من الزمن البعيد،فرغم كل تصريحات موسوي وكروبي وخاتمي،ورغم ما أدعوه من رغبة في التغير،حتى إن شمل هذا التغير نظام ولاية الفقيه ذاته،إلا أن الكلمة النهائية للولي الفقيه ذاته، الذي يمثل نظام الدولة الدينية التي تقسم العالم بطبيعة الحال إلى ملهمين ومنصتين،نخبة وشعب،ولا يملك من ينصت أن يُغير نظام أقره من يزعم الهداية،وإن أراد التغير فسيكون الثمن دمه،فالصفقة لصالح بقاء النظام بوجهه الذي صدره منذ البداية،ويظل الأخرون مجرد لعبة تحت مائدة المفاوضات

[email protected]
===========
المعتقد الإيراني بين الزرادشتية والتشيع

الأربعاء, 01 تموز/يوليو 2009
أحمد لاشين



إن ما يعتري التاريخ الإنساني من تطورات خاصة على المستوى الإعتقادي أو الديني يُعد من أهم الإشكاليات التي تحدد ملامح الهويات البشرية بشكل عام،فما يعتقده الإنسان وما ينتجه وعيه الخاص عن العالم المقدس الذي يعتليه يُشكّل البنية الرئيسية للحياة الإجتماعية والتاريخية بعد ذلك،ففي النهاية الدين هم إنساني منذ البداية،حتى قبل الديانات السماوية،ذلك الهم يظل قابع في مضمون الوعي حتى وإن إختلفت أشكال الإعتقاد.

ـ قومية لا دين :

وقد مرت إيران بهذه التجربة الشديدة الخصوصية ليس فقط لكونها ذات حضارة تمتد إلى الألف الرابع قبل الميلاد،ولكن لأن قضية البحث عن الدين شغلت التفكير الحضاري منذ آلاف السنين خاصة في واقعنا الشرقي التاريخي والآني،والديانة الزرادشتية تُعد من أهم الديانات في التاريخ القديم ،بل ما زال هناك متعبدين بتلك الفكرة إلى الآن في إيران وغيرها من بلدان الشرق مثل الهند والصين ، بل أن بيوت النار ما زالت قائمة في محافظات عدة في إيران ،كما كانت الديانة الرسمية للدولة الإيرانية القديمة منذ منتصف الألف الثاني قبل الميلاد وصولاً للدخول العربي لفارس وتحويل الديانة إلى الإسلام،فرغم الوعي الحضاري البديهي بالديانة المسيحية واليهودية مثلاً في إيران،إلا أن الوعي الذاتي القومي أبى إلا التمسك بالتقاليد الدينية الأصيلة،ولم يتراجع دورها الحضاري إلا مع قوة العرب وما جلبوه لهم من أفكار دينية إسلامية.ولكن ظلت الأزمة في عمق الوعي الحضاري الإيراني،فالتعامل مع العرب لم يتم في إيران على أنهم فاتحين أو محررين او حتى داعيين لدين جديد بل بوصفهم عناصر محتلة لأراضيهم،غزاة أصابوا الذات الإيرانية المتضخمة في مقتل،بل ظل الإستخدام الفارسي لكلمة (أعراب) بمعنى البدو الأجلاف هو اللفظ الأكثر إنتشاراً في الأدبيات الإيرانية التاريخية والسياسية وهذا إلى وقت قريب،وبالتالي لم تتراجع الشخصية الإيرانية بشكل تام أمام الزحف العربي،خاصة على مستوى الإعتقاد الديني،فمع قبولهم بالإسلام بوصفه دين إلهي مكتمل،لم يقبلوا الذات العربية بوصفها الحاملة لهذا الدين،وساعدوا كل العناصر الثورية في التاريخ الإسلامي العربي،منذ بداية الأمويين،وسقوطهم على يد أبي مسلم الخراساني،إنتهاءاً بمساندة حركات التشيع العلوي بوصفة ظاهرة ضد حكومية،كل هذا مع محاولتهم المستميته للحفاظ على الهوية القومية وخاصة ما يتعلق بمسألة الدين الزرادشتي واللغة الفارسية،حتى مرحلة الإعتناق الكامل للتشيع في القرن التاسع الهجري،وبالطبع سبقته مرحلة طويلة من الميول الإيراني للتشيع،وهنا وجد الوعي الإيراني مساحته الحقة للتحقق والفردية،فللتشيع كمذهب بنية تتشابه مع البنية الدينية الإيرانية إلى حد بعيد خاصة في قضية الذات التاريخية المتضخمة للأئمة،والنسل المُطّهر،ومفهوم الإنتظار،إلى غير ذلك،من المفاهيم التي إستفادت منها العقلية الإيرانية لتتوحد تماماً مع السمات الدينية المذهبية للتشيع.وهذا ما سنحاول طرحه على جانبين رئيسيين.
ـ كوزمولوجية(أسطورة) الخلق في الزرادشتية والتشيع:

تعتمد الديانة الزرادشتية المنسوبة للمبشر أو نبي الديانة (زرادشت) على فكرة الفصل بين النور والظلمة،فالنور هو أصل كل الكائنات ورمزه في الديانة (أهورامزدا) ويعني العقل الكامل أو الوجود المطلق، والمقابل له (أهريمن) وهو رمز الظلمة أو كل ما هو ضد النور بوصف أن النور أصل الحياة فبالتالي يكون أهريمن هو العدم في المقابل،بمعنى أنه كيان شيطاني له عالمه الموازي لعالم النور وتحكي الأسطورة أن أهريمن لم يكن على علم بوجود عالم النور أو (اهورامزدا) ولدى علمه له بالمصادفة قرر أن يهاجمه،رغم العلم الكلي لإله النور الذي به يعلم بوجود أهريمن الشيطان ولكنه لم يحاول نفيه أو مهاجمته،مع قدرته الكلية على ذلك فهو إن لم يكن الإله الأوحد فهو الإله الاكبر،ولكن كانت للقضية حكمة،فبقرار الشيطان تلويث عالم النور الإلهي تم عقد هدنة بين الطرفين لمدة ثلاثة ألاف عام بعدها تبدأ المعركة،وفي هذه الفترة خلق (أهورامزدا) كل المخلوقات وجعلهم في حالة سكون،وبدأت الحركة في الكون بعد هذه المدة،أي أن أصل نشأة العالم كانت عن طريق النور لمحاربة الظلمة،ومن جانب أخر لولا أهريمن الذي يرمز للعدم لنالت كل المخلوقات الخلود،وهذا لا يتسق مع الطبيعة الإلهية (لأهورامزدا)،فكانت وظيفة الشيطان خلق المرض والتعب،والموت وذلك حتى تكتمل الطبيعة الفانية للبشر،وكأن الشيطان في الزرادشتية هو المتمم للخلق الإلهي النوري،وفي نهاية المعركة سيفنى الشيطان ويخرج كل النور من الأجساد الفانية للعودة للسماء الإلهية ثانية لتنعم الأرواح بالخلود السماوي المقدس،ويسكن الكون من جديد.ففكرة الثانوية التي شاعت عن الزرادشتية لا تمت لها بشكل كامل بمعنى أن مع التراكم التاريخي إزدادت أهمية أهريمن الشيطاني في المدونات الدينية الزرادشتية وفي بعض مذاهبها ولكنها ليست الأصل الديني للزرادشتية التي أعتمدت على أهورامزدا بوصفه خالق العالم وصاحب سمة الخلود السرمدي.

أما ما يتعلق بتاريخ النبوة في الزرادشتية،فزرادشت مخلوق من نور الإله الذي إنتقل إلى السماء السادسة إلى الشمس والقمر إلى النجوم إلى النار،إلى بيت النار المقدسة التي يُقدسها الفرس بوصفها رمز للنور الإلهي وليست معبودة في ذاتها،ثم إلى رحم زوجة صاحب بيت النار أو القائم عليه،التي كانت حاملاً في فتاه هي أم زرادشت،وعندما وُلدت كانت تشع نوراً،ثم تتزوج الفتاة وتنجب زرادشت الذي أتى يتكلم في المهد،ويبشر بالإله،ويشع نوراً ومعرفة أينما ذهب.فكان هو المعلم المكلم لأهورامزدا المبشر بالعدل السماوي

أي أن فكرة النور هي الأساس في المذهب الزرادشتي،وإذا إتجهنا للتشيع، نلاحظ أنه ورد في كتب المذهب الشيعي بعد مرحلة التشيع الإيراني،مثل كتب (محمد باقر المجلسي وغيره)،والذي يُشكل ما جاء فيها أساس للمعتقد الشيعي للأن،روي أن محمداً (عليه الصلاة والسلام)،وعلياً وفاطمة، والحسن والحسين مخلوقين قبل الوجود بأكمله وأن نور العرش من نور محمد،ونور الملائكة من نور علي،ونور السماوات والأرض من نور فاطمة،ونور القمر،من الحسن،ونور الجنة وحور العين من نور الحسين)،أي أن الوجود مخلوق من نور الخمسة الرئيسيين في المذهب الشيعي،كما ورد أن أول خلق الله كان الأربعة عشر معصوماً الإثني عشر إماماً وفاطمة والنبي،فكانوا نوراً يفيض من الله،ثم يحدث تكوين العالم بحيث يقيمون أسفل العرش الإلهي ومنهم يخلق العالم بالترتيب الآتي،مكان الأمكنة،العرش الكوني،السماوات،الملائكة،الهواء،الأبالسة،وأخيراً أدم.فنور الأئمة موجود قبل خلق البشرية،وآدم مخلوق من دمج هذا النور الإلهي بالطين،وسيتحول هذا النور من نبي لنبي وصولاً للأولياء وهم الأئمة على المستوى البشري.فلهم مستويان في الفكر الشيعي،المستوى الأسطوري المقدس الموجود قبل الوجود والمستوى التاريخي البشري الفاني أي فكرة الفناء الإنساني و خلود العنصر الإلهي في العالم المقدس السماوي ،ولكن كلها اعتماداً على فكرة قدسية النور.أي ان الديانة الزرادشتية والمذهب الشيعي متوحدين من حيث العناصر المقدسة،ولا أقصد بالتمام والقطع أن الزرادشتية هي أصل التشيع،بوصف أن أحدهما يسبق الأخر تاريخياً ولكني أقصد أن العقل الإيراني حال تشيعه قد وحد بين مقداساته الخاصة القومية وبين التشيع،فالمضمون واحد ولكن الشكل مختلف.

تشابه العناصر المقدسة:

من العناصر المقدسة في الديانة الزرادشتية الشمس،فهي رمز الضياء وهي المنوطة بتطهير الكون من الدنس الشيطاني،وهي المنوطة برعاية النور المقدس في أجساد البشر وسوف تستعيده منهم في نهاية الكون،ومن علامات نهاية الكون في الزرادشتية إنكساف الشمس،والعودة إلى حالة الظلمة الأبدية،بوصف أن الضياء هو رمز الوجود.

وفي الحكايات المذهبية ،ورد أن الأئمة عندما يموتون يصعدون للشمس ،وأن الشمس قد كُسفت يوم مقتل الحسين دليل على زوال الوجود من العالم وتحوله لعدم بموته بل أن نور قد تصاعد من جسد الحسين بعد موته وصولاً للسماء أي عودة النور لأصله السماوي المقدس كما الزرادشتية، كما أن الشمس قد توقفت لعلي حتى يُتم صلاته ،بل أنها سوف تشتعل ناراً يوم مجيئ المهدي،فنلاحظ التشابه في إستخدام الرموز المقدسة في كلا السياقين.فكلاهما قد وحد بين الضياء والقداسة،والظلمة والعدم.وهناك العديد من العناصر المقدسة في كلا السياقين لا يتسع الحديث له الأن.

كما ورد في بعض الأحاديث المنسوبة للنبي (صلى الله عليه وسلم) والتي بحثت عنها في كتب الأحاديث السنية ولم أجد لها أثراً على الأقل فيما بحثت،أنه قال : ( إن المجوس كان لهم نبي فقتلوه وكتاب فأحرقوه)،وعندما سُئل علي بن أبي طالب لماذا لا يأخذ الجزية من المجوس وهم ليسوا أهل كتاب أجاب : (بلى قد أنزل الله إليهم كتاباً وبعث لهم رسولاً)،ولا أحتج بكتب السنة على الشيعة ففي كلاهما ما فيهما من إشكاليات،ولكني أشير فقط إلى المحاولات الفارسية لتمجيد الذات الدينية الإيرانية القديمة بما يتسق والدين الإسلامي في إطاره المذهبي.

الطقوس:

من أهم الممارسات الإيرانية التي تشير إلى هذه الفكرة،عيد النوروز(النيروز )،وهو العيد القومي الإيراني الذي يُحتفل به للأن يوم 21 مارس وهو بداية السنة والتقويم الإيراني وله طقوسه الخاصة التي لا مجال لطرحها الأن،وهو يوم عطلة رسمية في إيرن ومساوي لعيد شم النسيم المصري على إختلاف التوقيت،فهو عيد الربيع وبداية الكون في الفكر الزرادشتي،فهو عيد نصرة إله النور على الشيطان العدمي المظلم،وهو يوم إكتمال نور الشمس،وبداية الحياة من جديد بعد تخريب أهريمن لها،وفي مرحلة تالية أصبح هذا العيد مرتبط بأحد ملوك الفرس الأسطوريين وهو (جمشيد) الذي أوكل له الإله بناء العالم بعد خرابه فأكتمل بناءه في هذا اليوم فأصبح عيداً.ومن طقوسه في الزرادشتية زيارة قبور الموتى،والدعاء لهم وإستجلاب رضاهم وبركتهم.

وفي التشيع نلاحظ تسرب واضح لبعض المفاهيم القومية الإيرانية إلى المذهب ،فقد روي عن الإمام (جعفر الصادق)،الإمام السادس في التشيع،أن النوروز (أو النيروز)،هو يوم (غدير خُم)،وهو اليوم الذي بايع فيه النبي علي بالخلافة من بعده في المعتقد الشيعي،وهو يوم غلبة علي في معركة النهروان التي تمت بينه وبين الخوارج،بل هو يوم عودة الإمام الغائب،المهدي المنتظر،ويوم خلق الله أدم من نور الأئمة،فهو حسب تعبيره المروي عنه،(يوم الشيعة).فستكون فيه القيامة،فهو يوم الميعاد في الفكر الشيعي،ومن طقوس الإحتفال به في المذهب الشيعي،زيارة قبور أو أضرحة الأئمة والتوسل بهم والدعاء لهم،ونيل بركتهم.

أي أن رمزية البدايات والنهايات قد تم توحيدها في العقلية الإيرانية بشكل يجمع بين القومي والديني المذهبي،ومن ضمن الممارسات كذلك أن مكان ضريح الإمام علي الرضا الإمام الثامن في إيران في مشهد بخراسان هو مكان دفن زرادشت وكأن العقل الإيراني قد قرر الحفاظ على كل مفهوم المقدس بتبادل الأدوار فقط ليس إلا أي الحفاظ على الدلالة الأسطورية للمكان بربطه بأشخاص لهم نفس الوقع المقدس في الوعي الإيراني.

وعامة تظل فكرة الذاتية الإيرانية هي المسيطرة على الوعي الإيراني بشكل عام ،خاصة لدى تناوله للعناصر المقدسة،وتحويل الطبيعة الدينية لصالح توجهها الخاص،فالديانة الزرادشتية ذات أصول وفلسفة أعمق مما ذكرنا ومن الممكن أن نتناولها بالتفصيل في سياق أخر،المهم أنه حتى يكتمل إدراك الشخصية الإيرانية لابد من التركيز على الطبيعة القومية التاريخية والمذهبية،وليس فقط الجانب السياسي الآني

[email protected]







التوقيع :
دعاء : اللهم أحسن خاتمتي
وأصرف عني ميتة السوء
ولا تقبض روحي إلا وأنت راض عنها .
#

#
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله :
العِلمُ قَالَ اللهُ قَالَ رَسولُهُ *قَالَ الصَّحَابَةُ هُم أولُو العِرفَانِ* مَا العِلمُ نَصبكَ لِلخِلاَفِ سَفَاهَةً * بينَ الرَّسُولِ وَبَينَ رَأي فُلاَنِ

جامع ملفات ملف الردود على الشبهات

http://www.dd-sunnah.net/forum/showthread.php?t=83964
من مواضيعي في المنتدى
»» المسمار الاول في نعش الشيعة الاثناعشرية عبدالله الفقير
»» الرد على خبر ادانة السيستاني سب الصحابة وامهات المؤمنين
»» نقل موضوع عن التصوف الشيعي حلاجيوت بلباس التشيع
»» موقف الشيعة الاثنى العشرية من صفتي الوجه و اليدين
»» جواب حديث الدار و أنذر عشيرتك الأقربين
  رد مع اقتباس
قديم 12-04-12, 01:24 AM   رقم المشاركة : 2
جاسمكو
عضو ماسي






جاسمكو غير متصل

جاسمكو is on a distinguished road


=============

عاشوراء الحسين في إيران فولكلور أم تشيع ؟

الأربعاء, 17 حزيران/يونيو 2009
أحمد لاشين



ـ الإشكاليات :

يُعتبر الوعي الشعبي الإيراني وتجلياته في الأدب الشعبي بمختلف أشكاله منطلقاً مركزياً لفهم طبيعة هذا المجتمع لما أنتجه من ركام نصي ضخم ومتداخل يعبر عن عمق الوعي الإجتماعي بشكل عام .والنموذج الأوضح لتلك الفكرة حادثة كربلاء وما استتبعها من ممارسات عزائية.فمقتل الحسين بن علي (رضي الله عنهما) يُعد حدثاً مفصلياً في الفكر والتاريخ الإسلامي بشكل عام.وإن كان يبدوا أكثر وضوحاً في سياق التشيع خاصة لدى إعتناق إيران رسمياً المذهب الشيعي ، فتضافر ذلك مع خصوصية التراث والوعي الشعبي الإيراني، لذا فإن التركيز على هذا التضافر يُعد بمثابة فض لإشكالية هامه لفهم العلاقة الممتدة بين الشعبي والتاريخي في الذهنية الإيرانية.

ومن ثم تحاول هذه الدراسة طرح عدة تساؤلات تدور حول بناء النص التاريخي لحادثة كربلاء ومدى الحياد المفترض في روايتها ،وهل يمكن الفصل بين الوعي بالتاريخ والتاريخ في حد ذاته؟،وبالتالي ما العلاقة بين الوعي التاريخي لكربلاء والوعي الشعبي لها المتمثل في النص الموازي للحكايات الشعبية للحادثة أو شخصية الحسين؟ وهل بناء الحكاية يُعد إمتداداً طبيعي للبناء الأسطوري الإيراني القديم مع تغير للغناصر؟وما الذي تمثله ممارسات العزاء الحسيني من إمتزاج مع الفكر الشعبي والتاريخي والديني على حد سواء؟.

( أ ) البناء الأسطوري لحادثة كربلاء في مصادرها التاريخية:

تُعد كربلاء مفصلاً تاريخياً هاماً في إعادة التعريف للعديد من الصيغ التي أصبحت تأسيساً لدوائر أيدلوجية (عقائدية ومنهجية) مغلقة،هدفها هو إعادة إنتاج لكل ما يجعلها أكثر رسوخاً وانتشاراً.لذا وجب دراسة الحادثة من جذور النزاع بين عنصري الصراع الأولية وهما (بني أمية) و(وبني هاشم).متسائلون هل تم صبغ أسس الصراع تلك بأيدلوجية المؤرخين وعصرهم؟هل لعبت الإنتقائية دورها في تدوين تلك الحادثة،بشكل يسمح بتحميلها بالعديد من الرموز بما يتسق مع التصورات المسبقة لحركة التاريخ،الذي يشكله الوعي التاريخي بعيداً عن التاريخ ذاته لحدث وقع بالفعل؟.

وكبداية نلاحظ في كتاب (أسس النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم) للمقريزي،محاولاته لتأسيس نظري لأسس النزاع الواقعة فعلاً فنجده يعتمد على رواية ذات طابع أسطوري من البداية،وهي أن كلاً من "هاشم " و"عبد شمس"(الجد الأول لبني أمية)، كانا توأمين إلتصقت جباهما ففرقوا بينهما بالسيف مما كان إيعاذاً بسفك الدماء،ومصدره في تلك الرواية "الطبقات الكبرى لإبن سعد "و "تاريخ الرسل والملوك للطبري"،أي أن تلك النظرة الحكائية متسربة في مجمل النصوص التاريخية التي تناولت تلك المرحلة.

وتستمر رواية المقريزي لتأسيس النزاع إعتماداً على الصراع على إطعام حجيج الكعبه ومحاولة عبد شمس منافسة هاشم في هذا الشأن وفشله ثم إقصاءه إلى الشام،وكأنه هنا يؤسس للوجود الأموي في الشام ويؤكد على الطابع الديني لبني هاشم بعد ذلك.ومع ظهور الإسلام يورد المقريزي أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد صلب رجلاً من أسرى بدر من بني أمية يُدعى "عقبة بن أبي معيط " لأنه كان يطأ عنق النبي أثناء صلاته بالكعبه قبل الهجرة فكان جزاءه القتل ويكون حسب لفظ المقريزي (أول مصلوب في الإسلام).في حين أن النبي لم يفعل ذلك مع من هم أشد منه خطورة وشراً أمثال "الحكم بن أبي العاص "أو "هند بنت عتبه"،أو حتى أسرى بدر الذين لم يسلموا،وإن كنا هنا لسنا بصدد النقد التاريخي ولكننا نحاول أن نلاحظ ما أوردته كتب التاريخ عن أسس الصراع التي أودت بالحسين بعد ذلك.

وبعد وفاة النبي(صلى الله عليه وسلم)،وخلافة أبي بكر(رضي الله عنه)،يورد المقريزي أن "أبا سفيان" يقول "لعلي بن أبي طالب "(كرم الله وجهه) "أغلبك على هذا الأمر أهل بيت في قريش أما والله لأمنها خيلاً ورجالاً إن شئت "،فقال علي: " ما زلت عدواً للإسلام وأهله،إنا رأينا أبا بكر أهلاً لها ". فحسب تلك الرواية فإن المقريزي يؤسس للعداء بإستخدام شخصية ذات ميراث عدائي طويل للدعوة الإسلامية في بدايتها.أي أن النتيجة التي حدثت في مسيرة التاريخ بعد ذلك جعلته يحاول دائماً البحث عن الأسباب لما يتسق مع تلك النتيجة.كما يذكر المقريزي أن النبي (ص) كان يفرق بين بني أمية وغيرهم من المسلمين في الفئ والغنيمة،كما أورد المقريزي العديد من الأحاديث ـ التي لم نجد لها سنداً في كتب الأحاديث الموثوقة ـ والتي حذر فيها النبي (ص) من بني أمية.

وعامة ما تم لدى المقريزي يُعد في منتهاه بناء أسطوري أي محاولة منه إلى تأسيس مشروعاً للعمل أو الوعي التاريخي لتلك المرحلة الهامة إعتماداً على مجموعة من الحكايات أو الروايات،التي تنمتي إلى وعي جماعي خاص يتسم بالتفكير الثنائي والإنتقائية الواضحة،وهي محاولته الدائمة للإنتصار لبني هاشم على بني أمية،وبالتالي ـ بمد الخيط لأخره ـ هو انتصار لعلي والحسين على معاوية ويزيد،وما تبع ذلك من صراع قبلي ومذهبي.



وفي كتاب آخر يتناول الموضوع من وجهة نقيضة تماماً نجد في كتاب " العواصم من القواسم" لأبي بكر المالكي،أنه يذكر أن الخلافة كانت من حق بني أمية عن غيرهم لأن أول من عقد لهم اللواء كان النبي (ص)،لأن الإسلام يجب ما قبله،كما أنه استكتب معاوية بن أبي سفيان على وحيه،حتى أن أبا بكر قد أوصل معاوية إلى القمة بإعطائه لقب (خال المؤمنين)،لأن النبي (ص) قد تزوج من أخته(رمله بنت أبي سفيان،أم حبيبه) وهو ـ المالكي ـ أول من أعطى معاوية هذا اللقب ويكاد يكون الوحيد،كما أنه استمر في ذكر الفضائل الدينية الجمة لمعاوية وبنيه وآله،نافياً غيره من النصوص الأخرى كاملة.وأوصل يزيد إلى طبقة الزهاد والتابعين،ويعتبر خروج الحسين عليه هو خروج على ولي الأمر مما أستوجب قتله حتى لا يشق الأمة.فالمالكي لم يخرج عن إطار الإنتقائية المعاكسة، وإن كان يحاول إظهار الجميع في إطار من المثالية الفذة والعدالة المتناهية،تلك النظرة جعلته غير قادر على التفسير لأسباب النزاع بشكل نهائي.

إلا ان المصدر الأول الذي وصل إلى أيدينا عن تاريخ حادثة كربلاء كان في "تاريخ الرسل والملوك للطبري "،والذي اعتمد فيه على مصدر آخر وحيد اختفى ولم يعد له وجود في عالم النصوص التاريخية،وهي كتابات "لوط بن يحي بن مخنف " المكنى " بأبي مخنف "،وهو شخصية غائمة في التاريخ الإسلامي إلا ان بعض الباحثين توصل أن لوط هذا قد عاصر نهاية الدولة الأموية،وكان قريب من زمن وقوع الحادثة،وأشتهر يتشيعه ومناصرته للعلويين وأن كتبه قد ضاعت أو أحرقت بفعل الحكومه الأموية،ولم ندري ما هي الكيفية التي توصل بها الطبري إلى كتب ذلك الرجل.

تلك الشخصية وضعت المؤرخين على اختلاف أهوائهم وميولهم في مأزق حقيقي،فلا يوجد مصدر للحادثة سوى الطبري الذي اعتمد كما أعلن هو شخصياً على ذلك الرجل الغائب الحاضر، وبالتالي كل من جاء بعد الطبري اعتمد عليه فيما نقل أمثال "ابن كثير" في كتابه " البداية والنهاية "،والذي ذكر في كتابه عن مقتل الحسين (وهذه صفة مقتله ـ الحسين ـ مأخوذ من كلام الأئمة في هذا الشأن لا كما يروي أهل التشيع من كذب) ـ وذلك على حنبلية ابن كثير الشهيرة ـ ثم يأخذ من الطبري ويذكر أن مصدره أبي مخنف واصفا إياه بأنه شيعي كاذب، ـ ولا أدري ما كل هذا التناقض ولكن الحقيقة أنه لم يكن هناك مصدر آخر للحصول على روايات مقتل الحسين ـ وقد وُصف أبي مخنف بأنه "إخباري تالف " لايوثق به،وعلى رأس من قالوا عنه ذلك "الذهبي في كتابه " ميزان الإعتدال" .ولكن ما زال أبي مخنف هو المالك الوحيد لتلك المرحلة وذلك كما أورده الطبري على كل تلك الخلافات.

تبدأ الحكاية التاريخية منذ لحظة ولادة الحسين(رضي الله عنه)،ويُروى أن الرسول (ص) قد رأى في منامه جزءاً مقطوع منه وملقى في الفلاة وتسيل منه الدماء،وأن جبريل قد أخبره بمقتل الحسين،ويومها كان ميلاده. ويُروى كذلك أن النبي (ص) قد ذهبت من المدينة لكربلاء في ليلة واحدة وعاد وبيده حفنة من تراب بلون الدم وأخبر أم سلمه أنه دم الحسين.وأنه ذات يوم قد جاءه ملاك البحار وأخبره أن الفئة الباغية سوف تقتل الحسين.

نلاحظ أن تلك الروايات تاريخية،ولكن من الواضح أن تتسم بسمة المبالغة التي يتسم بها السرد التاريخي إلى حد بعيد.وقد أورد ابن كثير أن يوم عاشواء وهو يوم مقتل الحسين هو يوم كسوف الشمس،وأن الحيطان قد نزفت دماً يوم مقتله،ثم بعد ذلك يقول أن الشيعة قد أضافوا العديد من الأمور الكاذبة على مقتل الحسين،وكأن ما أورده هو ليس بمبالغات!.ولكن عامة فإنه من المفترض أن يتسم التاريخ بالواقعية وإمكانية التصديق من قبل المتلقي،وبما أن التاريخ يحتوي ـ كما لاحظنا فيما سبق ـ على الكثير مما هو فوق طبيعي وأو ما يمكن تسميته بالخوارق،فإنتماء القارئ للنص التاريخي في هذه الحالة هو إنتماء متسق مع بنية الوعي الخرافي التي تم إتناج النص وتلقيه من خلالها،لذا وجب دراسة النص التاريخي لا من مستوى السرد فقط ولكن من مستوى التلقي كذلك.

وإمتداداً للحكاية يقفز بنا السرد التاريخي إلى لحظة خروج الحسين من مكه للكوفه،ورفضه مبايعة يزيد بن معاوية ،ووعد أهل الكوفه له بإسقاط يزيد وتوليته للخلافه خلفاً لأبيه،ثم تحذير أصحابه له من الخروج من الحجاز للعراق،وإصراره هوعلى ذلك.وخروجه وجمع العديد من المناصرين له أثناء سيره إلى الكوفة،ومقابلته للشاعر الفرزدق في رحلته فيسأله عن حال الناس في العراق فيجيبه الفرزدق " قلوبهم معك وسيوفهم مع بني أمية".ثم يتوقف السرد التاريخي أحياناً عند بعض المساحات الحكائية مثل أن رأى الحسين في منامه أن النبي يدعوه إليه ويخبره بمقتله في كربلاء وأنه لا فكاك من مصيره ومع ذلك يستمر الحسين.

ولدى وصوله إلى كربلاء،يخرج عليه جيش "عبيد الله بن زياد" بقياده "عمر بن سعد بن أبي وقاص"،وتدور بينهما عدة لقاءات يحاول الحسين فيها أن يمنع عمر من فكرة قتاله،إلا أنه يرفض.ثم يعود السرد التاريخي ليتوقف ثانية لحلم آخر للحسين يرى فيها مجموعة من الكلاب تنهشه ثم يقترب من كلب أسود أكثر جرأة ليقتله.وبالطبع كانت تلك إشارة واضحه "للشمر بن ذي الجوشن" الذي قطع رأس الحسين،وكأن ذلك الحلم إيذاناً ببداية المعركة.

ثم تدور المعركة سجالاً بين الطرفين،إلى أن يتحول النصر لجيش عمر ويفنى أصحاب الحسين جميعهم إلا النساء والأطفال ويُقتل هو في نهاية مشهد طويل من الصدام والصراع وتُقطع رأسه وتُرسل إلى "عبيد الله بن زياد" في الكوفة ثم إلى "يزيد بن معاوية" في دمشق،ويورد التاريخ أن رأس الحسين كانت تفوح منها الطيب ويشع منها النور.ثم يورد التاريخ أنه قبل رحيل نساء آل الحسين من دمشق إلى المدينة،آتى يزيد "بعلي بن الحسين"،و"خالد"ولده وسأل علي ممازحاً :"هل تقتل هذا؟"،فقال علي :" أعطه سكيناً وأعطني سكيناً ثم أقاتله"،فقال يزيد ضاحكاً :"وهل تلد الحية إلا حية!".وكأن السرد التاريخي يشير هنا بشكل حكائي أن العداء لن ينتهي عند هذه المرحلة وإنما سيستمر إلى قرون بعد ذلك.

وعامة نلاحظ أن السرد التاريخي لم يخرج عن طابعين رئيسيين وهما الإنتقائية في الرواية ،والبناء الحكائي الأسطوري لهذه الروايات،حتى تحول الحسين من مجرد حادثة تاريخية إلى رمز للخير والفداء أمام الشر والهمجية.فلقد ذكر "د.علي شريعتي " في كتابه "حسين وارث ادم "أن الحسين هو الفكرة الإنسانية الأعلى للصراع الإنساني بين قابيل رمز الشر وهابيل رمز الخير.تلك التحويلات الرمزية وتطوراتها هي المفتتح الحقيقي إلى عالم الحكايات الشعبية والممارسات العزائية بعد ذلك،فأساس عملية الترميز تعتمد على مفهوم النمذجة لقد تم نمذجة الرؤية التاريخية للحسين،وضمه إلى مرحلة العصر الذهبي وبالتالي تحويل النموذج إلى رمز في الوعي الشعبي بعد ذلك.وبالتالي يُعد من المستحيل فصل النص التاريخي عن :أولاً// ظروف إنتاجه والأيدلوجية المحيطة به،ثانياً// الشكل الحكائي الأسطوري والمدعم له بل المؤسس لوجوده أحياناً.فللتاريخ بنيته الأسطورية الخاصة.

( ب ) شخصية الحسين في النص الموازي (الحكاية الشعبية):

تحولت شخصية الحسين في الحكاية من التاريخي إلى المطلق الذي لا يمت للتاريخي بصلة،وقد يعود ذلك للإطار المقدس الذي إحتوى شخصية الحسين منذ البداية،فأصبح ذا صلة مباشرة بالأسطوري عنه بالواقعي.فيروى في الحكايات أنه عندما هبط آدم (عليه السلام) على الأرض كان هبوطه بكربلاء،فتعب تعباً شديداً وسالت الدماء من جسده،فعلم أن الحسين سوف يُقتل هنا،فالحسين هنا مرتبط بلحظة البداية المطلقة بالأب الأول.وكذلك رُوي أن سفينة نوح قد رسيت في كربلاء،وعلم نوح (عليه السلام) بمقتل الحسين بها،ونوح وطوفانه وسفينة النجاة كلها عناصر ترمز إلى إعادة الحياة الميلاد الجديد للخلق،والحكاية هنا قد ربطت الحسين بشكل مباشر بتلك اللحظة.

وكذلك عندما عبر سليمان ببساطه السحري فوق كربلاء كاد أن يسقط من عليه،وكان السبب هو غضب السماء والأرض بكربلاء لما سيحدث بها.وتروي الحكايات أن عيسى عليه السلام وأصحابه لدى مرورهم بكربلاء،ظهر لهم أسد منعهم من العبور حتى يلعنوا قاتلي الحسين.وعامة نلاحظ ارتباط الحسين في الحكاية بالعناصر المقدسة الأولى على إختلاف رموزها،خاصة الأنبياء ليس في سيرتهم الدينية بل في العالم الشعبي أو الأسطوري.

وهناك طابع أخر للحكايات الموازية لشخصية الحسين الأسطورية،وهو قدراته الخارقة،فمثلاً من ضمن الحكايات الوارده،أن رجلاً جاء إلى الحسين باكياً أن أمه ماتت دون أن تذكر له مكان أموالها،فذهب معه ودعا الله أمام جثمان المرآة فعادت للحياة ثانية وأخبرته عن مكان الأموال ثم ماتت ثانية،فللحسين هنا قدرة تتشابه مه الآلهة في الأساطير القديمة وهي القدرة على إحياء الموتى أو بعث الحياة من جديد.

وفي نص حكائي أخر أن الحسين قد تمكن من الإنتقال من الكوفة إلى مكه في لحظات ليرى هناك علي (كرم الله وحهه) والنبي (صلى الله عليه وسلم) ،ويتحدث معهما،فللحسين القدرة المطلقة على تجاوز الحدود الزمانية والمكانية.وذات مرة دعى الحسين لأهل الكوفة في فترة الجفاف فتهطل الأمطار من السماء لحظة إنتهاءه من الدعاء.فكل ما سبق يؤسس بشكل قوي للطبيعة المغايرة التي تم وسم الحسين بها ،لا بوصفه (الإمام الثالث لدى الشيعة) فقط ، بل بوصف أن الوعي الشعبي ذاته قد تعامل مع الحسين كبطل ملحمي له صلات مباشرة بالعالم الأعلى المقدس كما الأبطال في السياق الأسطوري الإيراني القديم.

وتروي الحكايات أنه بعد موت الحسين تصاعدت الأنوار من دماء الحسين للسماء لتلتقي بأنوار آتية من السماء،وصار الشفق أحمر ولم يكن كذلك قبل ذلك،حدث كسوف الشمس،وهطلت أمطار الدماء من السماء،وتوقفت النساء عن الحيض.كل ذلك ما هي إلا محاولات لصنع عالم مواز لبطل الحكاية،فالحكاية تترسخ في الوعي المجتمعي لتمجد الحدث ولتحوله إلى حدث أسطوري أو خارق مفارق،بوصف أن كلا النصيين الأصلي والموازي يصلان إلى نفس النتيجة لحظة تلقيهما.

ويعود وجود تلك العناصر الأسطورية في الحكاية إلى أنها بوصفها شكلاً فلكلورياً يقترب أو يتماس مع الأسطوري،فيتم التعامل داخلها من خلال بعض العناصر الأسطورية عند تناول أحداث ذات طابع تاريخي.فالحسين التاريخي إلتقى مع الرمز الأسطوري داخل شخصية الحسين في الحكاية الشعبية.فالأفكار التحتية للمجتمع الإيراني التي سبقت في تكوينها الوجود الإسلامي خاصة فيما يتعلق بالأفكار البطولية والملحمية،جعلت شخصية الحسين في الثقافة الشعبية وكأنها تعبير عن عمق المسكوت عنه في الميراث الإجتماعي،بتحويله إلى رمز يُسمح من خلاله بعبور الوعي الشعبي داخل السياق الإسلامي.

فمثلاً نلاحظ أن الوعي الشعبي الإيراني قد حول (النيروز) بوصفه أهم الأعياد الفارسية المرتبطة بالربيع وأعياده،إلى يوم (غدير خم)،ويوم عودة الإمام الغائب،كما أنه يوم عزاء سياوش البطل الفارسي القديم ،وكذلك يوم زيارة قبور الأئمة في الثقافة المذهبية،فنلاحظ مدى التداخل بين الوعي الأسطوري والوعي الشعبي بعد الإسلام.

كما لاحظنا ظهور عناصر النور في الحكاية الشعبية الخاصة بالحسين،وفكرة النور في الأسطورة الفارسية القديمة،تُعد أساساً لوجود الخلق ف"أهورامزدا" في الديانة الزردشتية خلق العالم من النور المطلق وفي نهاية العالم سيعود النور إلى موطنه الأصلي الأول في السماء.وذلك مثلما وقع في الحكاية من إلتقاء نور دم الحسين ونور السماء في الحكاية.

كما أن الظلمة هي رمز الشيطان أو الشر وفي الأسطورة فإن "أهريمن" رمز الشر قد تحول إلى حية،وإبتلع الشمس أي أصل النور،وحدث كسوف الشمس،فبعيداً عن كون هذا الحدث الأسطوري هو محاوله العقل الإنساني إلى تفسير ظاهرة الكسوف الكونية،ولكن إمتداد نفس الرمز في الحكاية فإن كسوف الشمس مرتبط بحلول الشر على العالم بسبب موت الحسين،فالنور رمز القدم الأزل الخلق القدرة الحياة والظلمة العدم العجز الشر وكلها دلالات قد تشبعت بها الحكايات الشعبية الخاصة بالحسين لتعبر عن ميراث قديم.

وورد في الحكاية كذلك أن السماء قد أمطرت دماً بعد موت الحسين،وذلك له جذوره في الوعي الأسطوري،فلقد ذكر في الأساطير والملاحم الإيرانية القديمه أن السماء أمطرت دماء غضبا على مقتل( سياوش بن كيكاوس).كما أن (سهراب بن رستم) في الشاهنامه يعنى "سرخآب" يعني الماء القاني أو الدموي ،خاصة إذا علمنا أن سهراب قد قُتل في الشاهنامه على يد رستم والده على سبيل الخطأ فتكتمل المأساة بالإسم.

وكلها عناصر تؤكد على أشكال الإتفاق بين الوعي الأسطوري والشعبي،فالحكاية الشعبية الحسينية ما هي إلا أسطورة تم صياغتها إعتماداً على الثقافة الموروثة في الوعي أو اللاوعي الجمعي الإيراني،وهي المفتتح

الحقيقي لدراسة العلاقة ما بين الوعي الأسطوري والتاريخي.

( ج ) الرمز الشعبي في ممارسات العزاء الحسيني :

1 ـ الشبيه (مسرح العزاء ):

أطلق مصطلح الشبيه على تلك المسرحيات التقليدية ذات الأداء البسيط والعفوي والتي تقام في كل عام في العشر الأوائل من محرم، لإحياء ذكرى الحسين ومقتله في كربلاء،وتقام في الحسينيات وهي عبارة عن مساحة مربعة الشكل ذات طابقين على شكل إيوانات الدور الثاني للمشاهدين،والمسرحية تقام في الصحن المربع في الأسفل.وأحياناً ما تؤدى في الشوارع أو الميادين،وتتسم في هذه الحالة بسمة المسرح الشعبي البسيط المكشوف ليس به ديكورات أو كواليس،وعنصره الأساسي الجمهور بكل تباينه الثقافي، وغالباً ما تكون نصوصه معده من قبل الخطيب الموكل بالتعليق على العرض والمأخوذة من كتب المقاتل أو كتب الروايات والحكايات.

وفيه يقوم مجموعة من الممثلين الغير محترفين والذين يعتمدون على ذلك العرض السنوي ولا يتقاضون أجراًو مكسبهم الأساسي من الهدايا والنذور التي يهبها الجمهور خاصة لمن يقومون بأدوار (الحسين،العباس،علي بن الحسين...إلخ) وغيرهم من الشخصيات ذات الطابع الخير.ويبدأ العرض بخطبة يلقيها الحسين أو من يقوم بدوره،كخطبة يوم عاشوراء التي ألقاها الحسين قبل بداية المعركة.ثم تستمر الأحداث مجسدة بعض الأحداث التاريخية والحكائية.

وتجسد المسرحية مقتل "العباس بن علي " أخو الحسين أثناء جلبه الماء لأطفال كربلاء،ومقتل "علي الأصغر" ابن الحسين،الذي قُتل بسهم من جيش عمر وهو في يد أبيه.وتستمر الأحداث إلى مقتل الحسين، إلا أن مقتله لا يتم أمام الجمهور بل ينسحب حصانه وهو عليه ويعود الحصان وحيداً بعد ذلك كرمز لمقتل الحسين. ثم مشهد قافلة السبايا الذاهبة إلى الكوفة ثم دمشق.وفي وسط القافلة هناك تابوت به جسد ممتد يرمز لجثمان الحسين وعلى رأس التابوت يوجد شخص يرتدي ملابس أسد،وأحياناً يكون أسداً حقيقياً كما كان يحدث في عهد "ناصر الدين القاجاري"، ودوره تجسيد حكاية حماية أسد لجثمان الحسين في صحراء كربلاء بعد مقتله.

ويعتمد أداء الممثلين على الطبيعة الحادة الواضحة،فأصوات أهل الباطل غليظة مرتفعة يرتدون ملابس فاخرة ذات ألوان حمراء أو صفراء رمزاً للكره والرغبة في القتل.وأهل الحق أو آل الحسين ذوي ملابس سوداء أوبيضاء أو خضراء رمزاً للنقاء والحزن والطهارة ، ويتسم أداؤهم بالبساطة والهدوء والصوت العميق المنخفض.

كما يظهر في مشاهد القتل بعض الأصوات الخارجية التي تعلق على الأحداث والتي ترمز لصوت الأنبياء ودورهم كما مر في الحكاية من إحياء للعناصر المقدسة.ويعلق الدكتور محمد السعيد عبدالمؤمن (أستاذ الدراسات الإيرانية) في كتابه "التجربة الإسلامية في المسرح الإيراني "،أن المراد من تلك الأصوات هو صنع حافزاً للأحداث،فظهور الشخصيات الغير مرئية لا تكون إلا محاولة إلى إيجاد مبررات للأحداث الجارية.

الشئ الأكثر أهمية هو دور الجمهور المشترك أو المشاهد،فزمن القيام بالعرض هي لحظة ذوبان الجماعة الإجتماعية،تتعدى فيه الزمان والمكان،فهي لحظة تتسم بذاتيتها يتفاعل الجمهور فيها مع المؤدين ليس بوصفهم ممثلين للأدوار،بل مجسدين للحظة التاريخية، فيثورون على قاتل الحسين ويسعون أحياناً لضربه أو حتى قتله،ويحاولون الحصول على بعض ملابس شبيه الحسين للتبرك.

فالمتلقي للعمل المسرحي يتوحد في هذه الحالة تماماً مع المؤدين،أي تسقط المسافة الفاصلة بين العمل والمشاهد،وتنهار لصالح العرض،بحيث يخرج الجميع من إطار متفق عليه إلى لاوعي لامتفق عليه.فمع علم الجميع بنهاية أحداث المسرحية إلا أن بعض المشاهدين يحاول منع قتل الحسين،وكأنه يمنعه في الواقع التاريخي ذاته.هذه الحالة تخرج عن فكرة الإيهام أو كسر الإيهام أو فكرة الإغتراب الفني،إنها خارج تلك الحدود فهي تفاعل أو إبداع متبادل بين المؤدي والمتلقي.
فلمسرح التعزية جانبه الطقسي،فهو ليس عمل فني أكثر منه طقس تكراري ،يعمل على التثبيث لنمط الحكي، أي خروج الحكاية من مستوى السرد إلى مستوى التجسيد،فهو يعمل على إعادة إنتاج للأصل وليس الشبيه فحسب. فتبعاً لنظرية جيمس فريزر في كتابه "الغصن الذهبي" (الشبيه ينتج الشبيه)،أي أن المراد من الشبيه هو إنتاج الأصل ثانية وليس تقليده.ولكنه ليس الأصل الحسيني في تاريخه المجرد،بل الأصل الذي إحتوى كل التراكمات الشعبية التي تحولت إلى معتقد ثابت في الذهنية العامة،فلا يوجد حدث تاريخي إلا وأنتج طائفة من الأساطير.

فالتكرار السنوي له الطابع التكريسي،بحيث يُثّبت الحكاية في أذهان المتلقين،فيتحول المؤدي إلى ممارس للطقس،يتم من خلاله تجسيد المعتقد،كما كان يحدث في المسرح اليوناني الذي أعتقد أن الممثل لأدوار الأبطال والآلهة ليس إلا أداة تحركه أرواح خفية لمن يجسدوه من أدوار.

كما أن طابع مسرح الشبيه يقوم على الجانب التطهيري،فكما أشار "غوستاف يونج" في كتابه "علم النفس التحليلي "،أن حالة التطهر لابد وأن تمتزج بفعل الإعتراف،فالإعتراف بالذنب يؤدي إلى التطهر منه،هذا الذنب قد يكون فردياً أو جماعياً،فللجماعة التاريخية ذنوبها التي يجب أن تتطهر منها،إما عن طريق الأدبيات التاريخية أو الممارسات الطقسية الجماعية.

وإذا أتفقنا أن مسرح العزاء ما هو إلا طقس شعبي تكراري،فإنه وسيله بإعتراف الجماعة بذنب ترك الحسين يُقتل،بحيث نلاحظ في الأداء المسرحي أن الحسين يدعو الجمهور لإنقاذه ومساندته ويلومهم على تركه،وكأن الجماعة تمارس فعل جلد الذات وتعذيب النفس لما ترسخ في المفاهيم المعتقدية والشعبية أن مقتل الحسين كان بسبب تخلي الجميع عنه حتى من لم يحضر حادثة القتل ذاتها،مما يجعل الجمهور يحاول مساندته ومنع قتله بالتدخل المباشر في العرض المسرحي كمحاولة للتطهر من ذنب مقتله.

كما ان الأدوات المستخدمه في العرض تؤخذ للتبرك،فكما أن شبيه الحسين ليس بالحسين،إلا أنه مجسد له، فإن سيفه ليس بسيفه،ولكنه مجسد لحضوره،فتتحول تلك الأدوات البدائية والبسيطة في الذهنية الشعبية الممارسة للحالة إلى أدوات مقدسة مرتبطة بطقسية التكرار والتطهر،بوصف أن كل عناصر الشبيه أصول عده لأصل واحد.

2 ـ مسيرة العزاء :

التعزية عبارة عن ظاهرة دينية إجتماعية اشتقت من العزاء والحزن ومرتبط بالموت،وفي الفكر الشيعي دلالتها مرتبطة بإحياء ذكرى إستشهاد الحسين وإقامة العزاء له وكذلك سائر الأئمة.واستشهاد الحسين مرتبط في الوعي المذهبي والشعبي كذلك بتحمل الحسين لذنوب البشرية لحظة قتله،فهو رمز فداء البشرية،وممارسات العزاء هدفها الإقرار بتلك الفكرة بجلد الذات والتعذيب الحسي للذنب التاريخي المتوارث.

تتكون مواكب العزاء من موكب (اللطامه) المسمى بالفارسية (سينه زني)، وهو عبارة عن مجموعة من الرجال تقوم بلطم صدورها بالأيدي،بجيث ينطلق الموكب كل يوم خلال الأيام العشرة الأول من محرم.ويتقدم الموكب طفل صغير يرتدي ملابس خضراء يرمز إلى (القاسم بن الحسن) الذي قُتل في المعركة.وتتم عملية اللطم بشكل إقاعي متزامن مع صوت أحد القوالين أو النائحين الذي ينشد قصيدة عزاء في مقتل الحسين.

الموكب الثاني موكب (الزناجيل) أو (زنجير زني) بمعنى (الضرب بالجنازير) تلك السلاسل الحديدية مربوطة بمقبض خشبي يُضرب بها على الظهر والكتفين،وتلك المواكب تستمر كل يوم من الأيام العشرة.يرتدي الرجال ملابس سوداء مفتوحه من الظهر يسير الموكب ويضرب مرة ذات اليمين واليسار.ويتقدم الموكب علم فلكلوري يُسمى (لسان الشمر) وهو يتكون من قضيب نحاسي طوله متران يُدلى من أعلاه لسان كبير يُقال في الحكاية أن الشمر بعد قتل الحسين قد تحول إلى كلب أسود وتاه في الصحراء مدلى اللسان،وتستمر حالة الضرب إلى ظهور الدماء على الظهر ،خاصة أنه أحياناً ما يتم ربط تلك السلاسل بسكاكين صغيرة لصنع مزيداً من الألم.

ثم موكب التطبير ( قمه زني ) وهو جرح الرؤوس الحليقة بالسيوف بضربات ليست عميقة،ويتكون الموكب من مجموعة من المطبرين،يرتدون أكفاناً بيضاء،يحملون سيوفاً وخناجر ويضربون بها رؤوسهم بإيقاع ثابت جنائزي متزامن مع صوت منشد مرثية الحسين،ويدور بعض المساعدين على الموكب بالحلوى لإعطائهم مزيداً من الطاقة.ويتقدم الموكب حاملوا أعلام ورايات بيضاء رُسم عليها سيفان متقاطعان على رأس ترمز لرأس الحسين ،ويحمل الموكب كذلك تابوت يرمز إلى نعش الحسين مغطى برداء أخضر.

وبالطبع نلاحظ تجلي فكرة عذاب الذات التي قد تنتهي أحياناً بالموت،والهدف من ذلك هو إعادة صياغة آلام الحسين،كمحاولة من الممارسين التضحية بذاتهم وإعلان ذنبهم للحسين.ورغم أن تلك الممارسات قد قلت حدتها في إيران خاصة بعد الثورة الإسلامية،إلا أنها كانت تقام بتلك الشدة وأكثر قبل ذلك.

وفي اليوم العاشر (عاشوراء)،تتجمع المواكب وتنقسم مجموعتين، تمثل إحداها بني أمية والأخرى الحسين وآله،مرتدين نفس الألوان المستخدمه في المسرح،ويظهر من يقوم بدور العباس على رأس مجموعة الحسين رافعاً رايته.وهناك مجموعة تُجسد عُرس القاسم بن الحسن الذي قيل أنه كان سيتزوج في كربلاء من ابنة الحسين يوم مقتله،ونلاحظ أن القاسم يظهر أحياناً طفل وأحياناً شاب قابل للزواج،لأن التصور الشعبي عن القاسم قد خلق له حكايتين منفصلتين فتذكر إحداها أنه كان شاباً فتياً حارب مع عمه وقُتل يوم أن قرر الزواج من ابنة الحسين،وفي رواية أخرى أنه كان طفلاً حاول الدفاع عن عمه لكنه قتل بقسوة على يد جيش الأمويين.وعامة في الحالتين لم تذكر الحكاية أنه تزوج أو أقام حفل لزواجه،ولكن مسيرة العزاء تكمل الحكاية وتُقيم عُرس للقاسم وكأن الأحداث مازالت مستمرة بعد كربلاء.ثم يلي ذلك مشهد التوابيت التي ترمز إلى كل من قُتل في كربلاء،وتنتهي المسيرة بمهد صغير يرمز إلى "علي الأصغر بن الحسين"، وتنتهي المسيرة بأكملها في نهاية العاشر من محرم.

ثم يأتي الأربعين ،وهو يوم عودة الرأس الحسينية من الشام إلى العراق لتدفن مع الجسد في كربلاء،وتقام الإحتفالات في ذلك اليوم وتقوم المسائر والمواكب وتقدم الولائم كسمة إحتفالية لتلك اللحظة.نلاحظ أن تعدد أضرحة الحسين تابع لفكرة الرأس وروايات نقلها،فهناك مقام لرأس الحسين في الشام أي أن الرأس لم تخرج من دمشق، وهناك مقام له في العراق أو كربلاء مؤكدين أن الرأس عادت إلى كربلاء بعد مقتله في اليوم الأربعين.وهناك مقام في القاهرة تبعاً لرواية الفاطميين بأخذهم الرأس من عسقلان ووضعها في مصر.وهناك مقام في الهند تحت زعم أن الرأس قد نقلها أحد التجار على سبيل الخطأ إل هناك.وفي بعض الكتابات ـ خاصة كتاب رأس الحسين لإبن تيمية ـ يذكر أن السيدة زينب قد أخذت الرأس معها إلى المدينة وأنها دفنت هناك ولكن لم يعلم أحد مكان الدفن خوفاً من نبش القبر.فرأس الحسين في النهاية هي الرمز الذي تم تحميله للحسين في كافة العالم الإسلامي،مما يؤكد أن القضية تجردت من التاريخ وإندمجت في التراث الشعبي لتلك المنطقة بكاملها.

والناس تتسابق للمشاركة في تلك الطقوس العزائية،رغم أنه مع التتطور وجدت هيئات مختصة لتنظيم تلك المسائر،إلا أن المجموع يحاول أن يطرح نفسه دائماً في المشاركة سواء بتقديم أنفسهم أو أولادهم،بحيث تحاول النساء تقديم الأطعمة للمشاركين في المسيرة،ويعملن على تشجيع المواكب لبث مزيداً من الحماس فيهم،حتى أن بعض النساء الذين لم ينجبوا يهبن أحد أطفال زويهم للمشاركة في تلك المسائر لنيل البركة عله يعود عليها بالنفع. ويحاول الناس ـ كما يحدث في المسرح ـ أن يأخذوا أدوات العزاء المستخدمة للتبرك بها طوال العام.فممارسة العزاء قد تجاوزت حتى الطابع الفلكلوري لتتحول إلى معتقد شعبي أصيل فيما يخص قدسية تلك المسيرة.

ومن أهم الأدوات المستخدمة والتي لها دلالات شعبية واضحة (الجريدة)،وهي عبارة عن فرع شجرة أو جريدة نخلة طويلة يُعلق في وسطها دائرة حديدية كبيرة ،وعلى جانبيها يُعلق كفين معدنيين مما يزيد من إنحناء تلك الجريدة،والتي ترمز للعباس بن علي وقامته المنحنية أثناء دفاعه عن الماء الذي أخذه للأطفال العطشى في كربلاء ومقتله أنذاك.كما تشير إلى العلم أو راية القيادة التي حملها في المعركة.

وكذلك أداة (التوغ)،وهي عبارة عن علم أو شكل معدني طويل ويستخدم أثناء المسيرة للدلالة على مقتل الحسين فهو رمز راية الحسين وجيشه ويتسابق الجميع لحمله.وكذلك أداة (النخل) وهي عبارة عن تابوت يُحمل أثناء العزاء ويرمز إلى تابوت الحسين بعد المعركة ويحمله أربعة أشخاص بشكل تبادلي بين المشاركين في المواكب،وسُمي النخل ولم يُسمى بالتابوت لأنه منذ زمن بعيد كان يُصنع من أخشاب النخل والشجر،فإستمرت التسمية رغم زوال السبب لها. ويُغطى برداء أسود وأحمر وأخضر دلالة على العزاء والشهادة وآل البيت الحسيني. فنلاحظ أن أسلوب الأداء هذا له طابع فلكلوري واضح حتى وإن حُمل بأفكار مذهبية أو معتقدية.

هذا من حيث شكل الأداء ودلالته داخل السياق الشعبي ،ولكن فيما يخص البعد الأسطوري لتلك الممارسات، فنفس شكل الممارسة له جذوره في الأساطير والطقوس القديمة للمنطقة بشكل عام وإيران خاصة.فمثلاً في بابل وآشور أو (حضارة ما بين النهرين)،يُقام في النيروز أو في بداية الربيع إحتفالاً بعودة الإله "دموزي"(تموز)،ذلك الإله الذي قُتل وأُرسل إلى العالم السفلي ويعود في بداية شهور الربيع ثم يموت ثانية،وتُقام تلك الإحتفالات بإسلوب يشبه طريقة العزاء الحسيني من مواكب وحزن وعزاء.وقد يكون لذلك تأثيره على أشكال الممارسات الحسينية خاصة وأن منطقة العراق القديم كانت من أهم روافد الثقافة الإيرانية.

وكذلك تتم تلك الطقوس في منطقة آسيا في نفس اليوم الخاص بالربيع ،فتقام الطقوس بعودة الإله المقتول إله الربيع وتتم مراسم الإحتفال بضرب الصدور والسيوف والجنازير وجرح الجسد وبكاء النساء،وذلك رغبة منهم في الحزن على مقتل ذلك الإله الربيعي وحزناً على فقدان الربيع كل عام،وقد يعود ذلك إلى العلاقة القائمة ما بين الكوني والأسطوري في الوعي الشعبي.ولكن تلك الطقوس ترمز إلى الرغبة الحقيقية في إستدعاء الربيع ثانية كرمز للحياة والمجسد في شخصية الإله.

ولكن الأهم مما سبق هو تلك الطقوس التي كانت تُقام في عزاء البطل (سياوش بن كيكاوس)،أحد الأبطال الملحميين الإيرانيين والذي ترسخ في الذهنية العامة بوصفة المقتول ظلماً علي يد (كرسيوز) أخو (أفراسياب)،عندما لجأ إليه سياوش في بلاد توران هرباً من ظلم أبيه كيكاوس له الذي أتهمه في زوجته ظلماً وأراد قتله،فأقام لدى أفرسياب فترة ثم قتله وفصل رأسه عن جسده،وعندما وصل الأمر لأبيه حزن عليه بشدة وندم على موقفه منه وقرر إقامة العزاء له حزناً عليه،بحيث يرتدي الناس السواد ويلطمون ويضربون أجسادهم.وفي منطقة بخارى كانت تُقام طقوس النوح على سياوش وإقامة الأناشيد والضرب بالجنازير.

فسياوش في العقل الجمعي الإيراني ليس مجرد بطل يتم الغدر به،بل أن له صلة مباشرة بالعالم المقدس ويصل إلى عداد الصديقين،فله مكانة عظيمة في الأساطير القديمة التي سبقت الشاهنامه خاصة في (الأفستا)،بل إمتد الإحتفال به في منطقة آسيا الوسطى ويُطلق عليه هناك إسم (سياورشن) .فالملحمة كما وردت في (الشاهنامه)،كانت مجسدة لمفهوم البطولة ، إلا أن جذور الشاهنامة ما هي إلا إعادة صياغة لهذه المعتقدات الإيرانية القديمة في العهد الإسلامي ، أي تحويل مفهوم الألوهية في المعتقدات القديمة إلى مفهوم البطولة في الشاهنامه.

فهناك علاقة وثيقة من حيث شكل الممارسة أو الأداء الطقسي للعزاء بين العادات والمعتقدات القديمة وإستمرارها في العقل الجمعي،وذلك لأن آلية التناول واحدة لكلاً من الجذور القديمة والمعتقدات التالية لها بعد ذلك ، فالعقل الشعبي قد تناول مأساة الحسين كما تعامل مع موروثه القديم بنفس الصيغة والشكل،فمفهوم البطولة والإستشهاد له جذورة العميقة في عمق الوعي المجتمعي في إيران.

كما أن ذلك الشكل من الأداء الطقسي العنيف على مر العصور الهدف منه هو ذوبان الكيان الفردي داخل المجموع الممارس لتلك الطقوس،فله غاية أسمى من الفردية وهي الوصول بالمجموع إلى الإندماج مع فكرة أكبر تحتويه.وفي تلك الحالة الحسينية هي محاولة الوصول بالجماعة إلى الإتحاد والتوحد مع فكرة الفداء والتضحية وتحمل الذنب.

وبشكل عام تلك الممارسات الطقوسية تُعد هي التجلي النهائي للحدث التاريخي الممتد لعالم موازي داخل النصوص الحكائية،ليصل في منتهاه إلى تحويل تلك النصوص إلى ممارسات حركية تؤكد على أهمية الفكرة وتثبيتها.فمهما حاولنا دراسة تلك الممارسات العزائية خارج إطارها التاريخي والثقافي والأسطوري المنتج لها وآلية تعامل الوعي الشعبي مع كل ما ترسخ فيه من مفاهيم وكيفية صياغتها بعد ذلك.فلن نصل إلا لدراسة شكلية لصور متراصة جامدة خالية من الرمز والعمق.

فلابد من الربط بين الدلالات التاريخية والمذهبية والشعبية والأسطورية والتوصل إلى كيفية تلقي العقل الجمعي الإيراني لكل تلك الأشكال في قضية غاية في الشائكية كقضية مقتل الحسين (رضي الله عنه).علنا نتمكن بواسطة تلك المنهجية من التوصل إلى حل للعديد من الإشكاليات التي تشكل المجتمع الإيراني المعاصر سواء على المستوى السياسي أو الإعتقادي بعيداً حتى عن رمزية مقتل الحسين.
(صدر للكاتب كتاب تحت إسم (كربلاء بين الأسطورة والتاريخ ـ دراسة في الوعي الشعبي الإيراني) 2009 دار رؤية القاهرة)

===========
المهدي المنتظر وتأسيس دولة الحق السياسي والديني (أسطورة عودة الإبن الضال بين السنة والشيعة

الأربعاء, 10 حزيران/يونيو 2009
أحمد لاشين



الإنتظار في الفكر الديني:

تأسست كل المفاهيم الدينية على مفهوم الخلاص المنتظر والذي ليس بالضرورة أن يكون أخروياً فالعالم الأخر بالنسبة للعديد من الديانات يُعد إمتداداً طبيعياً للحياة الدنيا،ولكن الخلاص المقصود هنا هو الخلاص الحياتي الدنيوي،نهاية آلام وأوجاع معتنقي هذا الدين أي دين.فبنية مفهوم الدين أو الإعتقاد تعتمد على الرؤية المغايرة للواقع الذي يطرحها بما يسمح بتعليق آمال المعتنقين على تلك الرؤية.

فكل الديانات الكبرى قد اعتمدت على موعود من سلالة مصطفاه إلهياً ليرفع عذابات المؤمنين ويُقيم مملكة الله على الأرض،فالديانة الزردشتية مثلاً تؤسس لفكرة المخلص المنتظر الذي سيأتي ليحقق العدل الإلهي على يد أحد أحفاد زرادشت المبشر بالديانة أو نبيها،لينتصر على قوى الشر ويُخرج النور من الظلمة ويُعيد بناء العالم بمساندة من إله النور.وكذلك إنتظار (الظهور الثاني للمسيح) كمعتقد أصيل في معظم المذاهب المسيحية،واعتقاد اليهودية بمن لم يأتي بعد،ولا أُوحد بين كل الديانات ولكني أشير إلى البنية المؤسسة للفكر الديني ذاته.فمعظم معتنقي تلك الديانات قد وقعوا تحت طائلة من يخالفوهم دينياً أو مذهبياً مما حتم كرد فعل جمعي أن يتحول الأمل في الثأر إلى إنتظار الغد الذي سيكون فيه العالم تحت سلطة كل دين أو مذهب،أي أن الظرف التاريخي هو الذي يخلق تلك المفاهيم التي تتمحور حول البطل المنتظر فتصبح معتقداً لا يكتمل الإيمان إلا به.

مفهوم الخلاص:

ولا يوجد مذهب إسلامي لم يعتقد في مفاهيم الخلاص بشكل عام،المهدي الذي سينهض حتماً لإطلاق تحول إجتماعي كاسح لإستعادة حكم الله وإشاعة العدل في أرجاء الأرض،ولينفذ أطماع أتباع كل مذهب ضد كل الديانات الأخرى والمذاهب المغايرة،ورغم التشابه الكامن خلف فكرة المهدي في الإسلام والأفكار المسيحية عن الخلاص،إلا أنه لا يتعامل من الإنسان كخاطئ أصلي يحتاج للخلاص عبر التغير في الطبيعة الروحية كما في المسيحية،بوصف أن فكرة الخطيئة الكبرى ليست هي الأساس في الإسلام،كما أن فكرة المهدي لا تتشابه مع فكرة القومية اليهودية حيث مفهوم الشعب المختار وتحقق مملكة الله في أرض الميعاد،ولكن المهدي في المذاهب الإسلامية بشكل عام هو المنوط بتأسيس المجتمع الديني ـ السياسي المثالي،لكل من يؤمن بالله والرسالة المحمدية،مما تسبب بطرح العديد من الأشكال التاريخية لمفهوم هذا الكيان الإجتماعي تحت مسمى دولة الحق أو دولة الله والتي عمدت بشكل تلقائي إلى طرح كل المذاهب الأخرى جانباً،وتتطور الخلاف المذهبي إلى تاريخ للدماء والعذابات التكفيرية لأتباع كل مذهب.

عودة الإبن الضال بين السنة والشيعة:

رغم أن القرآن الكريم لم يذكر مطلقاً بشكل صريح على الأقل أي ذكر لمفهوم المهدي المنتظر،إلا أن فلسفة التأويل والتفسير قد حاولت صرح تلك الفكرة حسب الوجهة السياسية والإعتقادية لدى المذهبين،ففي المذهب السني لا يشكل مفهوم المهدي تأسيسأ للمذهب أو الإيمان رغم ورود بعض الأحاديث الضعيفة التي حتى لم ترد في أي من الصحيحين و تشير وتحكي عن مهدي يأتي في آخر الزمان من سلالة آل البيت ليحارب ضد كل الذين لايؤمنون بالإسلام،وسوف يحارب معه بل ويصلي وراءه في بعض الروايات عيسى عليه السلام لمحاربه المسيخ الدجال،وكل تلك الحكايات التي لا تستند إلا على العقلية الشعبية التي اعتمدت على طبيعة الإنتظار لتحقيق آمالها المتوارثة تاريخياً،إلا أنها رغم الخلاف عليها وعلى صحتها لا تشكل صحيح المعتقد السني بشكل عام،ولكن الوعي المذهبي الشيعي قد عمد إلى خلق شخصية بطولية متجاوزة للمفاهيم الزمانية و المكانية لأبعد الحدود وتحولت تلك التصورات إلى معتقد أصيل في المذهب فالفكر المهدوي يُعد من الأسس الأصيلة للفكر الشيعي في كل تجلياته.

فالمهدي المنتظر محدد في التشيع الإمامي او الإثناعشري،وهو محمد بن الحسن العسكري،وهو الإمام الثاني عشر،والذي غاب غيبتان الغيبة الصغرى والتي امتدت لخمس سنوات بعد موت والده خوفاً من المتابعة العباسية له،وإلى هنا التسلسل يبدوا منطقياً إلى حد بعيد ثم تأتي فترة الغيبة الكبرى، والتي تستمر إلى الآن،وأنه سوف يعود ذات يوم وغالباً ـ حسب المعتقد الشيعي ـ سيكون قي ليلة النصف من شعبان وهو يوم ميلاده أيضاً،فهو مازال موجوداً لم يمت ولن يبعث بل هو حياً في العالم ولكن لا يراه أحد،والغريب أن الحجة التي يسوقها التشيع لهذا الغياب الأسطوري أن سمة الحياة الطويلة الغير مرئية تلك قد مُنحت لمن هم أقل مكانة من محمد المهدي مثل إبليس أو العبد الصالح الذي ظهر لموسى عليه السلام وأصطلح على تسميته في التراث الديني الشعبي بالخضر،فلماذا نستبعد تلك السمة عن المهدي الذي سيأتي ليخلص العالم من الظلم ويؤسس عالم العدل الإلهي على الأرض!!

ورد في كتابات (محمد باقر المجلسي) ومنها (بحار الأنوار)و(زاد المعاد) و(عين الحياة) وهو أحد علماء الشيعة الكبارفي عهد الدولة الصفوية في إيران في القرن التاسع الهجري وهي بداية التشيع السياسي كدولة في العالم الإسلامي،وكانت مؤلفاته للتأسيس المذهبي ونشر التشيع في أرجاء العالم الإسلامي وقتئذ وجمع آلاف الأحاديث المنسوبة للأئمة ومنها الكثير مما أوصله إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بشكل مختلط وغير منظم،ورد أن من علامات ظهور المهدي هزيمة بني أمية على يد العباسيين ثم وقوع الخلاف بين العباسيين في عهد الأمين والمأمون والقضاء على الخلافة العباسية على يد المغول،أي الإستغلال لكل الأحداث التي وقعت بالفعل خاصة السياسي منها لتفعيل فكرة المهدي،وأن كل هذا تم لصالح المهدي ذاته تأسيساً إلهياً لقدومه،وأنه حين رجعته ستتحول السماء إلى لون الدم وستشتعل السماء ناراً،وسيظهر يأجوج ومأجوج ويكثر الخراب في العالم ويكثر الأموات،وسيبشر بمجيئه جبريل على رأس المسجد الحرام.وليس لظهوره وقت معلوم فهذا من أمور الغيب التي لا يعلمها سوى الله سبحانه،بل أن تاويل الآية (ويسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي)(الأعراف:187) المقصود بها ساعة ظهور المهدي المنتظرـ وقد تناولت آلية التأويل الشيعي للقرآن في مقالة سابقة نشرت في جريدة القاهرة الغراء 12/5/2009 تحت عنوان الشيعة بين الهوية السياسية وتاريخية الدين ـ أي أن العقل المذهبي الشيعي قد عمد إلى تأسيس بناء أسطوري يؤكد على طبيعة الإصطفاء الإلهي للمهدي وأن عودته شأن مقدس لا يسمح لغير الله التدخل فيه.

الرجعة وأساطير العصر الذهبي

تُشكل مرحلة النبوة الأولى وتأسيس مجتمع المدينة تحديداً مرحلة العصر الذهبي في التاريخ الإسلامي بشتى مذاهبه،فتلك المرحلة هي التي حولت الدين الإسلامي من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة المتكاملة الأركان،وأصبحت تلك المرحلة هي الهدف الأسمى لكل أفكار الإسلام السياسي إلى الآن ،بوصفها هي مرحلة النقاء الأسطوري الأول وهي المرحلة القابلة للإستغلال من قبل كل التيارات المذهبية والسياسية،وبالطبع كان للمذهب الشيعي دوره في محاولات تحويلها إلى الفترة الأم الذي يهدف إليها المهدي حال ظهوره.

تلك الفكرة تنسحب كذلك على كل المراحل الخلافية في التاريخ الإسلامي،فكما ورد في نصوص التشيع لدى المجلسي أن العودة أو الرجعة لن تخص محمد المهدي فقط،بل تخص كل الأئمة على رأسهم عودة الحسين بن علي وأنصاره في كربلاء ومجموعة من الملائكة اللذين منعهم الحسين من المشاركة في كربلاء،ويقوم كذلك أعداء الحسين وقاتِلوه وتقوم معركة كربلاء ثانية لينتصر الحسين،ويأخذ بثأر كربلاء.وكذلك سوف يقوم علي بن أبي طالب ليأخذ بثأره ممن قتلوه،وينسحب الأمر على كل الأئمة فرجعة المهدي مصحوبه بعودة الأئمة جميعاً،لأن إنتقامهم لابد أن يكون في الدنيا لافي الأخره.كما أن الآية التي تقول: ( واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج)(ق :41، 42)،توؤل تبعاً لرؤية المجلسي ،أنها الرجعة للأئمة،وليست القيامة,وهذا يُدخلنا في أزمة منهجية ثانية وهي العلاقة تعامل العقل الديني مع القرآن الكريم وفكرة أسباب النزول،ومحاولة ربط النص القرآني بأحداث ذات دلالة تاريخية مغلقة كما المذهب السني،أو ربطه بما يحقق التأويلات الشيعية الخاصة بالتوجهات السياسية التاريخية،وكلا الحالتين تخرج القرآن من عالميته وصلاحيته المطلقة للفهم لتحصره دلالياً بالمكان والزمان.

المهم أنه بعد تحقيق كل الإنتقامات التاريخية المؤجلة في المذهب الشيعي ليتحول المهدي لمحاربة كل الذين لا يؤمنون بالتشيع في العالم بكل مذاهبهم وأديانهم،لنعود ثانية لعهد النقاء النبوي الأول،في مرحلة الدولة الأولى،وتتحقق دولة المهدي في المدينة كما جده.

ويرد أن أول ظهوره سيكون بمكه وأن جبريل وميكائيل سيأتوه ليبايعوه،وأنه سيدعوا أنصاره بصيحة واحدة من كل الدنيا فسيأتوه وتضئ السماء في الليل،ويخرج الناس في الصباح ليجدوه مع أتباعه وأنصاره،ويخرج إلى بغداد والكوفة ويهدم كل البيوت والمساجد التي بُنيت بعد عهد جده علي بن أبي طالب خاصة التي بُنيت في عهد معاوية ويزيد،أي تحقيق كل الإنتقامات السياسية للعودة للبدايات الأولى.

فالمهدي في سماته الرئيسة هو إعادة صياغة لفترة النبوة وإحياء لمشروع اليوتوبيا الإسلامية فكما ورد أنه سيكون شديد الشبه بجده النبي،وما سوف يحققه هو إخراج العالم من الظلمات إلى النور،ومن الفساد إلى الصلاح،أي أن فكرة المهدوية هي إمتداد طبيعي للنبوة كما أراد أن يؤولها المذهب الشيعي.

وبشكل عام فقد تعامل المذهب الشيعي مع مفهوم العدالة العامة التي تؤسس للفكر الإسلامي كلية،بوصفها عدالة خاصة فقط بالأئمة وأتباعهم،أي تخصيص العدل وتحديدة في تلك الفئة فقط،بوصف أن الأئمة قد جسدوا كل مظلومية الشيعة وبالتالي فالعدل لهم فقط يُعد عدلاً جماعياً من وجهة النظر تلك.لتأسيس العالم المثالي على أنقاض العالم الفاسد.

مجتمعات تحتاج إلى إيمان:

رغم العديد من الإنقاضات التي وجهت لكتابات المجلسي وغيره من كتاب المرحلة الصفوية تحديداً واعتبار أن تلك المرحلة قد أساءت للتشيع بشكل عام،وأن التشيع الحق قد حاول التخلص من السمات الإعلائية أو الأسطورية التي صُبغ بها المذهب إلا أن الواقع الممارَس للمذهب الشيعي يؤكد أن ما كتبه المجلسي قد استمر راسخاً في الوجدان الشيعي عامة،مما يدل أن ما تم نقله في الكتب لم يكن من وحي خيال المجلسي أكثر منه تدوين للمعتقد الشيعي ذاته،رغم كل ما فيه من تناضقات أو تجاوزات عقلية ودينية أحياناً،إلا أن القضية في التشيع تتجاوز مجرد نقد كتاب،إلى دراسة عقلية إيمانية.

ففكرة البطل الديني فكرة نابعة من عمق الوعي الاجتماعي،تتجاوز حتى الإطار المذهبي بل أنها تستفيد منه أحياناً،أي أن الإيمان بفكرة ما من الممكن أن تتجاوز الإطار الديني ما دامت متسقة والطبيعة الاجتماعية التي نشأت من خلالها.فذلك البطل يُعاد إنتاجه في كل مرحلة تاريخية في التاريخ الشيعي،فلو أفترضنا أن الإنتصار كان من حليف أحد الأئمة في أي مرحلة من مراحل الصراع السياسي في التاريخ الإسلامي فهل سيكون هناك مكان لمفهوم الرجعة أو حتى الفكر المهدوي ،أو حتى رغبة الشيعة في كل مكان في تحقيق دولتهم لا أدري؟؟.

ولكن من المؤكد أن فكرة المهدوية كانت مفتتح للعديد من الصراعات على الساحة الدينية و السياسية،ولها تجلياتها الواضحة التي إن وعيناها جيداً سندرك العديد من بواطن الخلاف والصراع المذهبي والتاريخي. فما أورده التشيع في هذه القضية لا يختلف كثيراً من حيث البنية عما ورد في كل الأفكار الإنسانية على مدار تاريخها،فالبطل المخلص همّ حملناه لأنفسنا حتى نحتمل ما لا يُحتمل،عندما يتحول الإنتظار إلى قيمة،والصمت إلى إيمان.


==============
الإعلام الديني وأوهام جنرالات الطائفية

الجمعة, 26 شباط/فبراير 2010

أحمد لاشين



ميراث طويل متأصل في كياننا الاجتماعي حول وهم امتلاك الحقيقة،خاصة حينما تتعلق الأمور بالشأن الديني، فتتوهم كل جماعة منتمية إلى أي مذهب أو دين بأحقيتها المطلقة في الوجود وفناء الأخر.حلقات متواصلة من صراع مذهبي وطائفي مصابة بها حياتنا الدينية بامتياز،لها تجليات مدهشة أحياناً ومروعة في الكثير من الأحيان.صراع يأخذ شكل الحروب المقدسة يقودها المجتمع العربي المنقسم على ذاته الدينية ، وجنرالات الطائفية من شيوخ وقساوسة ومرجعيات،وما استتبعهم من جنود مجندة من مثقفين وكتاب يعلنون بوعي منهم أو بدون ، مناصرتهم لطائفة دون أخرى تحت عنوان المواطنة أو الحرية ـ ذات الاتجاه الواحد بالطبع ـ، أو التمايل على أنغام الحركات السياسية الدينية،إلى غير ذلك من أوهام تزيد المجتمع شتاتاً،وتعطي الممارسات الدينية شكلها الفردي المتفرد أمام تعددية الواقع الحقيقية.

فالإعلام بشتى أشكاله هو انعكاس لتناقضات المجتمع السياسية و الدينية أو حتى الأخلاقية،فتفشي مظاهر الإعلام الطائفي ـ واسمحوا لي أن أطلق عليه هذا الاسم لنهاية المقال ـ من قنوات فضائية لمواقع إلكترونية،يعكس بشكل مباشر حمى الطائفية الدينية بكل ملامحها المرضية التي أصبحنا نعاني منها في أرض الواقع، من طائفية مسيحية مسيحية،ومسيحية إسلامية،أو حتى إسلامية إسلامية.فالتدين بشتى صوره خرج من نطاق محاسبة الذات إلى نفي الأخر.والطائفية الإعلامية تتاجر بتلك الحالة إلى أبعد حدود ممكنة.
ـ الإعلام الطائفي والتبشير بالخلاص:

يعتمد الإعلام الطائفي على عنصرين أساسين،أولهما تجميل الذات إلى أبعد حد ممكن،ثانياً نفي الأخر وتكفيره وإخراجه من دائرة الرحمة الإلهية.فأغلب القنوات الشيعية مثلاً وعلى رأسها قنوات مثل الأنوار أو أهل البيت،تعمل بشكل مباشر على إعطاء صورة مثالية عن المذهب الشيعي،دون مناقشة أي اختلاف داخلي أو تاريخي،وكذلك نفي السنة بكل أشكالها،بل ومحاولة تصيد الخلافات الحادة بين مختلف التوجهات المذهبية والسياسية لدى المذاهب السنية،لرسم ملامح التشتت السني أمام التوحد الشيعي.وظهور المستبصرين أو المتشيعين الجدد وإعلانهم تبرئهم من السنة ،ونمذجة التشيع إلى غير ذلك من أفكار ضدية.وتبشير مباشر بدولة المهدي التي ستأكل الأخضر واليابس إلا الشيعة وأتباع الحسين،وتحاسب التاريخ والحاضر والمستقبل.

تلك التهمة لا أبرئ منها السياق السني،بإعلامه وفضائيته الكثيرة والمتعددة هي أيضاً، مثل الرحمة والناس وغيرهما الكثير،فيخرج علينا شيوخ الإعلام السني،لمهاجمة كل من يعن لهم من متبعي المذاهب والديانات الأخرى،فيردوا على اتهامات الشيعة،ويكفروهم،مستندين على تراث مثقل بالوهم .والوعد بعالم قادم يمحي كل من هو غير سني من الوجود.

فكلا الفريقين يستند على ما يملكه من خزائن المعرفة الدينية ،سواء المتواترة بالسند والجرح والتعديل لدى السنة،أو المروية والموروثة من آل البيت لدى الشيعة،دون حتى محاولة طرح كلا التراثين لنقاش منطقي.

بل قد تتحول الدفة أحياناً ضد المسيحية فنرى الشيوخ الأجلاء يحرمون مجرد تهنئة جاري المسيحي بعيد الميلاد المجيد،كما فعل محمد حسان وغيره،وتقوم الدنيا ولا تقعد في الاحتفال بعيد الحب،رغم أنه لا يمت لأي دين بأي صفة،ولكنهم يحرموه لأن أصحابه نصارى على حد تعبيرهم.مما يزيد من الأزمات الطائفية توهجاً واشتعالاً،ويكفي تعاملهم المتناقض لدى وقوع أي أزمة طائفية بين متبعي المسيحية و المسلمين،فنجدهم يزايدون على المشاعر الشعبية بإكساب مرتكبي جرائم الطائفية مشروعية ما،كما حدث في أحداث فرشوط أو نجع حمادي في مصر.المهم أن الأخر يظل منفياً ،سواء شيعي أو مسيحي،فلا فرق،فمن ليس معنا علينا بالتبعية.فما تزال نظرتهم تتمحور حول فكرة أن المسلم الهندي مثلاً أفضل من جاري المسيحي.

وتنسحب نفس الأزمات الحادة على الإعلام الطائفي المسيحي،فلا يمكن إنكار دور القمس زكريا بطرس،وما يمارسه من تضليل في قناة الحياة التي تبث من الخارج على القمر الأوروبي،فنجده دائماً يحمل بين يديه كتاب إسلامي من خطايا التراث القديم،ليستخرج منه بشكل عشوائي أو انتقائي ما يتخيل أنه يصيب به الإسلام في مقتل،ليعطي صورة التخلف الكامل والرجعية الإنسانية لكل المسلمين وللإسلام،ويصف النبي محمد بكل ما يمكن أن يصف به أعدى أعداءه وهم كثير.ليقدم لنا المسيحية بوصفها الخلاص الأخير،ناسياً أو متناسياً ما تعاني منه المسيحية من طائفية داخلية،ومن تشظي تراثي أنتجه تناقضات طويلة للفكر المسيحي ذاته على مدار قرون ما زالت المسيحية تعاني منها للأن.مشيراً إلى حملات الأسلمة وما زعمه من خطف البنات المسيحيين من أسرهم وأسلمتهم بالإجبار،وكأنه غافل عن استضافة القناة ذاتها للمتنصرات والمتنصرين،ورواياتهم المقدسة عن رحلتهم إلى المسيحية،وعقد مناقشات لا تفضي إلا لتمجيد المسيحية،وتهميش ونفي الإسلام.

الكل متورط في حالة الطائفية ،مجتمع وأفراد يصرون على تقديس إعلام مضلِل ومضلَل،وعمائم ولحى وقلوب سوداء،تتاجر بأحلام البسطاء ، في عصر تحول فيه للأسف الدين إلى استهلاك يومي.وساسة يزيدونا تخبطاً وضلالاً.لننتظر الخلاص في أي لحظة ومن أي طرق،وبالطبع سيكون التدين بشكله الطائفي أقرب السبل ،أي البحث عن الخلاص الفردي ونفي المجموع،خاصة مع تغَيُّب أو تغْيِب السياق الثقافي المتزن ، وعجزه عن تقديم أي حلول بديلة.
الطائفية سبب أم نتيجة؟

ترجع أسباب تفاقم الحالة الطائفية بشتى صورها في الحياة الدينية لعدة أسباب من وجهة نظري:
أولاً//: تسييس المؤسسات الدينية الكبرى،فمحاولات الحكومات لعقود طويلة السيطرة على الواقع المؤسسي الديني متمثلاً في الأزهر مثلاً ،أو الكنسية في مصر،أو حتى الحوزات الدينية كما حدث في إيران أو العراق،في محاولة منها للسيطرة على الواقع الديني،والقضاء على أي منافسة اجتماعية ممكنة،أفقد تلك المؤسسات مشروعية الفعل الاجتماعي.بحيث أصبح رجال الدين التابعون لها يفتقدون إلى المصداقية وسط الجماهير،بوصفهم متهمون دائماً بترويج أفكار الدولة وليس الدين بحد ذاته.وبالتالي تم إقصاء أي خطاب قد يبدوا معتدلاً من العقل المجتمعي،فأنتج فراغاً دينياً ضخماً،استتبعه بدائل عديدة في وقت ضئيل لا يتعدى الأربعين عاماً أي منذ مرة السبعينيات من القرن المنقضي،متجسداً في خطاب الجماعات الدينية من جهة،والدعاة الجدد من جهة أخرى،خاصة ونحن شعوب دائماً ما تحتاج إلى دليل يرشدها سواء السبيل.وهذا ينقلنا للسبب الثاني أو النتيجة الثانية إن صح التعبير.
ثانياً// غياب أي مشروع قومي يتمكن من توحيد أبناء الشعب الواحد،أياً كان،والفشل الذريع الذي نعاني منه اقتصادياً وتعليمياً وثقافياً،أدى ذلك إلى انسحاب الفرد إلى ذاته،والتمسك بميراثه الديني القديم،بشكله القديم كذلك،حنين إلى أمان مفتقد،و رِدة طفولية للفكر الإنساني في مجتمعنا،تلك الطفولية التي تستدعي العداء الفطري مع الأخر،وكل من يتخيل أو يُخيل له أنه سوف يهاجمه في الشئ الوحيد الذي يملكه وهو دينه،أو بالأصح أفكاره الخاصة عن الدين.وتأتي المرحلة الثانية،وهي التوحد مع مجموع يشبهه،وهي الجماعة الدينية أو المذهبية،فيمارس الطقوس والشعائر الدينية بشكل مبالغ فيه يصل لدرجة وسواسية أحياناً،ويستفتي في أخص خصوصيات حياته، وتتحول كل النشاطات الاجتماعية داخل السياق الديني البديل داخل الجماعات الطائفية الصغيرة.مع تغيب ملحوظ في الخطاب الديني لكل ما هو عالمي أو ثقافي بشكل عام،للتأكيد على حالة العزلة التي تعيشها المجتمعات.
ثالثا// ربط كل ما هو ثقافي أو معرفي بالمحاولات الغربية للهيمنة على الواقع العربي عامة،وبالتالي رفض كل الحلول التي يطرحها الفكر الإنساني بمعزل عن التدين الطائفي أو المذهبي،فيتم لفظ العلمانية أو أفكار الدولة المدنية التي تشكل أحد الحلول الهامة والمطروحة بقوة قي الآونة الأخيرة،لمجرد أنها منتج غربي،أو قد تسبب في الخروج من القوقعة الطائفية،فتُتهم بالكفر أو الإلحاد رغم التباين في تلك المصطلحات مع العلمانية،إلا أن تلك الاتهامات تشكل طائفية جديدة تميز كل المذاهب والأديان ضد أي فكر إنساني غريب.وإن قُبلت فهي تستخدم فقط لصالح الطائفية،كقبول بعض المثقفين المسيحيين للعلمانية كوسيلة لهدم السطوة الدينية الإسلامية ،أو قبول الشيعة المستنيرين بالدولة المدنية للحد من الهيمنة السنية على بعض البلاد العربية أو الإسلامية،أو لخلافات حول مفهوم الدولة الدينية.أي استهلاك للفكرة لتكريس الطائفية وليس للخروج منها.فالخطاب الطائفي خاصة المتجلي منه على مستوى الإعلام،يتصاعد بشكل واضح كرد فعل على الخطاب العلماني خوفاً منه أو من استخدامه بشكل عكسي،غافلاً تماماً أن الخطاب العلماني أو الثقافي يعاني من التشتت وعدم القدرة على الانتشار أو التواجد لأسباب عديدة ليس السبيل لطرحها في هذا السياق.
فحياتنا الدينية صارت ضحية إعلام يداعب تضخم ذواتنا الطائفية،وفرديتنا المفرطة،التي لا تسمح بأي أخر يتمسك بالوجود، ويؤسس لحالة من التوحد بأوهام عن ماض لا نعلم عنه شيئاً،ولكن من المؤكد أنه كان أكثر رحابة وقبول بالتعددية غير مما نقله لنا القدماء أو يروج له المحدثون،وخيالات عن مستقبل ليس بقريب على الإطلاق يحقق كل طائفة أو مذهب على حدا.وقانا الله شر الانقسام و وويلات الطائفية.


===========


عناوين مقالات اخرى لاحمد لاشين

الكبت السياسي والمدني يهدد بإنفجار الأوضاع في إيران
أوباما وإيران بين اليوتوبيا والدولة الدينية
المهدي المنتظر وتأسيس دولة الحق السياسي والديني (أسطورة عودة الإبن الضال بين السنة والشيعة
الإشتعال السياسي في إيران (الجميع تحت مظلة الولي الفقيه في إنتخابات الرئاسة الإيرانية
عاشوراء الحسين في إيران فولكلور أم تشيع ؟
إ يران تسبح في النار والدخان .خطاب خامنئي قمع للشارع وترحيب بالنخبة
المعتقد الإيراني بين الزرادشتية والتشيع
العنف والقمع السياسي من مظاهر الديمقراطية في الإنتخابات الإيرانية
القمع بإسم الله في إيران
خطبة الجمعة التي أعادت تفجير الأزمة الإيرانية الثعلب (هاشمي رفسنجاني) وحرب تكسير العظام بين النخب الإيرانية
التعددية الحزبية ووهم الديمقراطية في إيران (الأحزاب الإيرانية تعزف على وتر واحد: الولي الفقيه)
محاكمة الإصلاح في إيران ومعركة تصفية الحسابات (إعترافات الإصلاحيين ضد رفسنجاني وخاتمي وموسوي)
مقتل الحسين (البطل الديني بين ملحمة التشيع والطقوس الإيرانية)
نهايات الإصلاح في إيران وفصام الدولة الدينية
الصنم الأخير في التراث الشعبي الإيراني
نشأة الأصولية الإسلامية(صراع الأنا والأخر)
ولاية الفقيه بين الديمقراطية والدولة الدينية في الفكر الشيعي(2 _2) ( الولاية والسلطة)
حقيقة ( مصحف فاطمة ) والآيات المحذوفة من القرآن عند ( الشيعة )
أمريكا تمنع الإمام المهدي من الظهور
نهاية منتظري وسقوط المرجعية الفقهية للمعارضة الإيرانية
إيران صورة واحدة لشخصين وانقسام الوعي الجمعي .
سحر الثقافة و ثقافة السحر:إلى صديقي المثقف المؤمن بالأشباح
الإعلام الديني وأوهام جنرالات الطائفية







التوقيع :
دعاء : اللهم أحسن خاتمتي
وأصرف عني ميتة السوء
ولا تقبض روحي إلا وأنت راض عنها .
#

#
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله :
العِلمُ قَالَ اللهُ قَالَ رَسولُهُ *قَالَ الصَّحَابَةُ هُم أولُو العِرفَانِ* مَا العِلمُ نَصبكَ لِلخِلاَفِ سَفَاهَةً * بينَ الرَّسُولِ وَبَينَ رَأي فُلاَنِ

جامع ملفات ملف الردود على الشبهات

http://www.dd-sunnah.net/forum/showthread.php?t=83964
من مواضيعي في المنتدى
»» في الصراع الشيعي - السلفي /خليل علي حيدر
»» الي الطائفي المالكي اطلاق سراح المعتقلين لؤد الفتنة
»» «الرئاسة» المصرية تعلن اتخاذ إجراءات قانونية ضد وكالة أنباء فارس الإيرانية
»» جواب رواية أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد العلم فليأتها من بابها
»» الجواب على رواية ام الطفيل الشاب الامرد ابن تيمية لم يقر الرواية غير صحيحة و منكرة
  رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:44 PM.


Powered by vBulletin® , Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
" ما ينشر في المنتديات يعبر عن رأي كاتبه "