العودة   شبكة الدفاع عن السنة > منتدى الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم > الدفاع عن الآل والصحب

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-04-17, 05:21 PM   رقم المشاركة : 1
حجازية 1
عضو ماسي








حجازية 1 غير متصل

حجازية 1 is on a distinguished road


أبو هريرة راوية الإسلام : الكتاب: أبو هريرة راوية الإسلام المؤلف: الدكتور محمد عجاج خ

( مقتطفات من كتاب كتاب: أبو هريرة راوية الإسلام المؤلف: الدكتور محمد عجاج خطيب )



http://shamela.ws/browse.php/book-29967/page-262#page-1









الصور المرفقة
 
  رد مع اقتباس
قديم 28-04-17, 05:23 PM   رقم المشاركة : 2
حجازية 1
عضو ماسي








حجازية 1 غير متصل

حجازية 1 is on a distinguished road


- نسبه والتعريف به:

أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر من ولد ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس اليماني، فهو دوسي نسبة إلى دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر وهو شنوءة بن الأزد، والأزد من أعظم قبائل العرب وأشهرها، وتنتسب إلى الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان بن العرب القحطانية (1).

ولأبي هريرة أخ يقال له «كريم»، وابن عمه أبو عبد الله الأغر، وخال أبي هريرة سعد بن صبيح بن الحارث بن سابى بن أبي صعب بن هنية، كان في الجاهلية لا يأخذ أحداً من قريش إلاَّ قتله بأبي أزيهر الدوسي، وكان أبو أزيهر قد قتله هشام بن المغيرة المخزومي لمطله إياه بمهر أخته (2).

كان اسم أبي هريرة في الجاهلية عبد شمس - وقيل غير ذلك - فسمَّاهُ رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (عبد الرحمن) ...
وأمه ميمونة بنت صخر، وقيل أميمة (3).
اشتهر أبو هريرة بكُنيته، حتى غلبت عليه على اسمه فكاد ينسى، وأظن هذا كان سبب الاختلاف في اسمه.
وسئل أبو هريرة: لم كنيت بذلك؟ قال: كنيت أبا هريرة لأني وجدت هِرَّةً فحملتها في كُمِي، فقيل لي أبو هريرة. ورُوِيَ عنه أنه قال: وجدت هِرَّةً وحشية، فأخذت أولادها فقال لي أبي: ما هذه في حجرك؟ فأخبرته فقال: أنت أبو هريرة.


**********************************


(1) انظر " جمهرة أنساب العرب ": ص 358 و 360 و 361. و " الاستيعاب ": ص 1768، جـ 4. و " تاريخ ابن خلدون ": ص 253، جـ 2. و " نهاية الأرب ": ص 91 و 253. و " معجم قبائل العرب القديمة والحديثة ": ص 394، جـ 1، و ص 15 - 16، جـ 1.
(2) انظر " جمهرة أنساب العرب ": ص 360. و " تاريخ دمشق لابن عساكر ": ص 444، جـ 47.
(3) انظر " طبقات ابن سعد ": ص 52، قسم 2، جـ 4. و " تذكرة الحفاظ ": ص 31، جـ 1. و " سير أعلام النبلاء ": ص 418، جـ 2. و " تهذيب التهذيب ": ص 262، جـ 12. و " البداية والنهاية ": ص 103، جـ 8.

http://shamela.ws/browse.php/book-29967#page-63









  رد مع اقتباس
قديم 28-04-17, 05:24 PM   رقم المشاركة : 3
حجازية 1
عضو ماسي








حجازية 1 غير متصل

حجازية 1 is on a distinguished road


إسلامه وهجرته:

كان الطُفيل بن عمرو الدوسي رجلاً شريفاً مليئاً كثير الضيافة، وكانت قريش تعرف منزلته في قومه، وما أنْ عرفت قدومه إلى مكة بعد نبوؤة محمد - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى انطلق إليه رجال منها يقولون له: «إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وفرَّق جماعتنا، وشتَّتَ أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرِّقُ بن الرجل وأبيه ... » أرادوا بهذا أنْ يصُدُّوهُ عن الإسلام، واقتنع الطفيل بقولهم ونوى ألاَّ يسمع رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى لا يؤخذ بسحره كما ادَّعُوا ...

وذهب الطفيل إلى الكعبة، وإذا برسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصلِّي، فسمع كلامه فأعجب به، وأبَى الله إلاَّ أنْ يفتح قلبه للإيمان، وذهب مع الرسول الكريم إلى داره فعرض عليه الإسلام، وتلا عليه القرآن، فشعر بحلاوة الإيمان، و طلب من الرسول أنْ يدعو له، وأن يجعل الله له عوناً في حمل الإسلام إلى قومه ودعوتهم إليه، فقال - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً» فوقع له نور بين عينيه، فقال: يا رسول الله .. أخشى أنْ يقول قومي هي مثلة، فرجع النور إلى طرف سوطه، فكان يضيء في الليل، ولهذا لُقِّب بذي النور (1).

وعاد الطفيل إلى قومه فدعا أبويه إلى الإسلام، فأسلم أبوه، ولم تسلم أمه، ودعا قومه فأجابه أبو هريرة وحده، وأبطأ عليه قومه، فعاد إلى رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأخبره بإبطاء قومه، وقال له: ادع عليهم. فقال - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْساً» وفي رواية: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْساً وَائْتِ بِهَا»، وقال له: «اخْرُجْ إِلَى قَوْمِكَ فَادْعُهُمْ وارْفِقْ بِهِمْ»، فخرج إلى قومه فلم يزل بأرض دوس يدعوها حتى هاجر رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمن أسلم من قومه، ورسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بخيبر، حتى نزل المدينة بسبعين أو ثمانين بيتاً من دوس، ثم لحقوا رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين، وقال الطفيل: «قلنا يا رسول الله .. اجعلنا ميمنتك، واجعل شعارنا مبرور، ففعل، فشعار الأزد كلها إلى اليوم مبرور» (1).

هكذا أسلم أبو هريرة قديماً وهو بأرض قومه، على الطفيل بن عمرو، وكان ذلك قبل الهجرة النبوية، وأما هجرته من اليمن إلى المدينة فقد كانت في ليالي فتح خيبر، ورواية أبي هريرة لهجرته توكِّدُ لنا قدم إسلامه.


http://shamela.ws/browse.php/book-29967#page-64






  رد مع اقتباس
قديم 28-04-17, 05:32 PM   رقم المشاركة : 4
حجازية 1
عضو ماسي








حجازية 1 غير متصل

حجازية 1 is on a distinguished road


ملازمته رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

صحب أبو هريرة رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أربع سنوات، في حله وترحاله، كان يدخل بيته، ويحضر مجالسه، وقد اتَّخذ الصفة مقاماً له (2).
كان رجلاً مسكيناً يخدم رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ملء بطنه، يتنقَّل بين الصحابة يقرئونه القرآن، وجعله رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عريف أهل الصُفَّة، فإذا أراد الرسول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنْ يجمعهم لطعام حضر، تقدَّم إلى أبي هريرة ليدعوهم ويجمعهم لمعرفته بهم وبمنازلهم ومراتبهم (3).

وكان أبو هريرة يحب رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حباً شديداً، ففي يوم رفع رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدرة ليضربه بها، فقال أبو هريرة: «لأَنْ يَكُونُ ضَرَبَنِي بِهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ; ذَلِكَ بِأَنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا، وَأَنْ يُسْتَجَابَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْوَتُهُ» (4).

وبينما كان المسلمون يحملون اللَّبَنَ إلى بناء المسجد، ورسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - معهم، رآه أبو هريرة وهو عارض لبنة على بطنه، فظن أنها شقت على رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاستقبله قائلاً:

ناولنيها يا رسول الله، فقال - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خُذْ غَيْرَهَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَإِنَّهُ لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَةِ» (1).
وكان يحب من أحبه رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقد لقي أبو هريرة الحسن بن علي - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - فقال له: «أَرِنِي أُقَبِّلْ مِنْكَ حَيْثُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ»، فَرَفَعَ القَمِيصَ وَقَبَّلَ سُرَّتَهُ (2).

لم يفارق أبو هريرة رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إلاَّ حين بعثه مع العلاء الحضرمي إلى البحرين، ووصَّاهُ به، فجعله العلاء مؤذِّناً بين يديه، وقال له أبو هريرة: «لا تَسْبِقْنِي بِـ (آمِينَ) أَيُّهَا الأَمِيرُ» (3).
وستبدو لنا ملازمة أبي هريرة للرسول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من خلال دراستنا لذلك نكتفي بهذا القدر هنا.

كما أرسله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع قُدامة لأخذ جزية البحرين، فقد وجَّه رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتاباً إلى المنذر بن ساوى أمير البحرين فقال: «أما بعد ... فإني بعثت إليك قدامة وأبا هريرة، فادفع إليهما ما اجتمع عندك من جزية أرضك والسلام». وكتب أُبَيٌّ (4).

التزام أبي هريرة السُنَّةَ:


كان أبو هريرة يسير على هُدَى الرسول الأمين، ويقتدي به، ويُحِّذِرُ الناس من الانغماس في ملاذ الدنيا وشهواتها (1)، لا يفرق في ذلك بين غني وفقير، أو بين حاكم ومحكوم، يرشد الأمة إلى الحق والصواب، ها هو ذا يَمُرُّ بقوم يتوضَّأون فيقول لهم: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمَ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» (2)، ويسألونه عن القراءة في الصلاة، فيقول: «كُلُّ صَلاةٍ يُقْرَأُ فِيهَا، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَلَيْنَا، أَخْفَيْنَا عَلَيْكُمْ» (3)

ودخل أبو هريرة دَارَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَهِيَ تُبْنَى، فَرَأَى فِيهَا تَصَاوِيرَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «يَقُولُ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً» (4).

وكان لا يقبل مع حديث رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو مع سُنَّته شيئاً، ولا يرضى أنْ يضرب لها الأمثال، ومن ذلك ما قاله لرجل: «يَا ابْنَ أَخِي إِذَا حَدَّثْتُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثًا، فَلاَ تَضْرِبْ لَهُ الأَمْثَالَ» (5)

وكان يقول: «ثَلاَثٌ أَوْصَانِي بِهِنَّ خَلِيلِي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لاَ أَدَعُهُنَّ أَبَدًا: الْوَتْرُ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ، وَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَالْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» (6).

حقاً إنَّ أبا هريرة لم يدع ذلك (7)، فقد سأله عثمان النهدي: كيف تصوم؟ قال: أصوم من أول الشهر ثلاثاً (1)، كما كان يصوم الاثنين والخميس (2).
وكان أحياناً يصوم مع بعض أصحابه، ويجلسون في المسجد، يقولون: نطهر صيامنا (3).
قال أبو رافع: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، صَلاةَ الْعَتَمَةِ - أَوْ قَالَ: صَلاةَ الْعِشَاءِ - فَقَرَأَ: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} (4)، فَسَجَدَ فِيهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ!؟ فقال: سَجَدْتُ فِيهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلا أَزَالُ أَسْجُدُهَا حَتَّى أَلْقَاهُ (5). وواضح أنَّ السجود المقصود هو سجود التلاوة في الآية الكريمة {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} (6).

وكان يحب التطهر ويخشى الوقوع في المعصية،حتى أنه خشي على نفسه - وهو شاب في أول عهده بالرسول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنْ يقع بالزنا، فقال: يا رسول الله ... إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ، قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِيَ الْعَنَتَ، وَلاَ أَجِدُ طَوْلاً أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، أَفَأَخْتَصِي؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَالَ ثَلاَثًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاَقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ دَعْ» (7)
أي كتب عليك ما أنت عليه، فاستسلم لذلك، أو لا تستسلم له، وليس هذا من باب التخيير بل من باب الردع، ليحمل أبا هريرة على الصبر، وعلى حفظ نفسه، ومهما يكن هذا الخبر، فإنه يدل على ورع أبي هريرة وتقواه، وحرصه على التزام طاعة الله ورسوله، وخشيته من الزلل في المعاصي فتقدم مضحياً بشهوته وبنفسه ليرضى عنه الله ورسوله، ولما عرف من رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حكم ما سأله، امتثل لأمره، والتزم الصبر والعبادة.


http://shamela.ws/browse.php/book-29967#page-68

**






  رد مع اقتباس
قديم 28-04-17, 05:36 PM   رقم المشاركة : 5
حجازية 1
عضو ماسي








حجازية 1 غير متصل

حجازية 1 is on a distinguished road


فقره وعفافه:

كان أبو هريرة أحد أعلام الفقراء والمساكين، صبر على الفقر الشديد، حتى أنه كان يلصق بطنه بالحصى من الجوع، يطوي نهاره وليله من غير أنْ يجد ما يقيم صلبه، يروي أبو هريرة عن نفسه فيقول: «إِنِّي كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بِشَبَعِ بَطْنِي، حَتَّى لاَآكُلَ الخَمِيرَ، وَلاَ أَلْبَسَ الحَبِيرَ، وَلاَ يَخْدِمُنِي فُلاَنٌ وَفُلاَنَةٌ، وَإِنْ كُنْتُ لاَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الآيَةَ مِنْ كِتَاِب اللهِ هِيَ مَعِي، كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي» (4)، ويقول: «وَكُنْتُ فِي سَبْعِينَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الصُفَّةِ ما منهم رجل عليه رداء، إما بُرْدَةٌ، أو كساء قد ربطوها في أعناقهم (1). ويشتدُّ بهم الألم من الجوع، فيخرج من بيته إلى المسجد، لا يخرجه إلاَّ الجوع، فيجد نفراً من أصحاب رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فيقولون: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ .. مَا أَخْرَجَكَ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَيَقُولُ: «مَا أَخْرَجَنِي إِلاَّ الْجُوعُ». فَقَالُوا: نَحْنُ وَاللَّهِ مَا أَخْرَجَنَا إِلاَّ الْجُوعُ. يقول أبو هريرة: فَقُمْنَا فَدَخَلْنَا عَلَى رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «مَا جَاءَ بِكُمْ هَذِهِ السَّاعَةَ؟» فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَاءَ بِنَا الْجُوعُ. قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَأَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا تَمْرَتَيْنِ فَقَالَ: «كُلُوا هَاتَيْنِ التَّمْرَتَيْنِ وَاشْرَبُوا عَلَيْهِمَا مِنَ الْمَاءِ فَإِنَّهُمَا سَتَجْزِيَانِكُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَكَلْتُ تَمْرَةً وَجَعَلْتُ تَمْرَةً فِي حُجْرَتِي. فقال رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ لِمَ رَفَعْتَ هَذِهِ التَّمْرَةَ؟»، فَقُلْتُ: «رَفَعْتُهَا لأُمِّي». فَقَالَ: «كُلَّهَا فَإِنَّا سَنُعْطِيكَ لَهَا تَمْرَتَيْنِ». فَأَكَلْتُهَا فَأَعْطَانِي لَهَا تَمْرَتَيْنِ.!! (2).

أقول: هكذا فليكن الأبناء، ونعم الابن أنت يا أبا هريرة. وكثيراً ما كان يؤلمه الجوع، فيخرُّ مغشياً عليه في مسجد الرسول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فيما بين منزل عائشة والمنبر، فيمرُّ به الرجل، فيظن به جنوناً، فيجلس على صدره، فيرفع أبو هريرة رأسه ليقول له: «لَيْسَ الَّذِي تَرَى، إِنَّمَا هُوَ الجُوْعُ» (3).

ومِمَّا يقوله أبو هريرة: «إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ عَلَى طَرِيْقِهِمْ، فَمَرَّ بِي أَبُو بَكْرٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ - مَا أَسْأَلُهُ إِلاَّ لِيَسْتَتْبِعَنِي (1) -، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، فَمَرَّ عُمَرُ، فَكَذَلِكَ، حَتَّى مَرَّ بِي رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَرَفَ مَا فِي وَجْهِي مِنَ الجُوْعِ، فَقَالَ: «أَبُو هُرَيْرَةَ»؟ قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُوْلَ اللهِ. فَدَخَلْتُ مَعَهُ البَيْتَ، فَوَجَدَ لَبَناً فِي قَدَحٍ، فَقَالَ: «مِنْ أَيْنَ لَكُم هَذَا؟». قِيْلَ: أَرْسَلَ بِهِ إِلَيْكَ فُلاَنٌ. فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، انْطَلِقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَادْعُهُمْ». وَكَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافَ الإِسْلاَمِ، لاَ أَهْلَ وَلاَ مَالَ، إِذَا أَتَتْ رَسُوْلَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةٌ، أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يُصِبْ مِنْهَا شَيْئاً، وَإِذَا جَاءتْهُ هَدِيَّةٌ أَصَابَ مِنْهَا، وَأَشْرَكَهُمْ فِيْهَا، فَسَاءنِي إِرْسَالُهُ إِيَّايَ، فَقُلْتُ: كُنْتُ أَرْجُو أَنْ أُصِيْبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ!!

وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُوْلِهِ بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا مُجِيبِينَ. فَلَمَّا جَلَسُوا، قَالَ: «خُذْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَأَعْطِهِمْ». فَجَعَلْتُ أُعْطِي الرَّجُلَ، فَيَشْرَبُ حَتَّى يُرْوَى، حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَنَاوَلْتُهُ رَسُوْلَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ مُتَبَسِّماً، وَقَالَ: «بَقِيْتُ أَنَا وَأَنْتَ». قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَاشْرَبْ»، فَشَرِبْتُ، قَالَ: «اشْرَبْ» فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: «اشْرَبْ» فَأَشْرَبُ، حَتَّى قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسَاغًا، قَالَ: فَأَخَذَ فَشَرِبَ مِنَ الْفَضْلَةِ. (2).

وإليكم عِفَّةَ نفس أبي هريرة والجوع يُقَطِّعُ أمعاءه، يقول: أَتَيْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقُمْتُ لَهُ وَهُوَ يُسَبِّحُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَانْتَظَرْتُهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ دَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ: أَقْرِئْنِي، وَمَا أُرِيدُ إِلَّا الطَّعَامَ، قَالَ: فَأَقْرَأَنِي آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، فَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَهُ دَخَلَ وَتَرَكَنِي عَلَى الْبَابِ فَأَبْطَأَ، فَقُلْتُ: يَنْزِعُ ثِيَابَهُ ثُمَّ يَأْمُرُ لِي بِطَعَامٍ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَلَمَّا طَالَ عَلَيَّ، قُمْتُ فَمَشَيْتُ فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّ خُلُوفَ فَمِكَ اللَّيْلَةَ لَشَدِيدٌ!!؟» فَقُلْتُ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدْ ظَلَلْتُ صَائِمًا، وَمَا أَفْطَرْتُ بَعْدُ، وَمَا أَجِدُ مَا أُفْطِرُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَانْطَلَقَ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَى بَيْتَهُ فَدَعَا جَارِيَةً لَهُ سَوْدَاءَ. فَقَالَ: «آتِينَا بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ». قَالَ: فَأَتَتْنَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا وَضَرٌ مِنْ طَعَامٍ - أُرَاهُ شَعِيرًا - قَدْ أُكِلَ وَبَقِيَ فِي جَوَانِبِهَا بَعْضُهُ - وَهُوَ يَسِيرُ - فَسَمَّيْتُ وَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُهُ، فَأَكَلْتُ حَتَّى شَبِعْتُ» (1).

وكان أبو هريرة يقول: «نَشَأْتُ يَتِيمًا، وَهَاجَرْتُ مِسْكِينًا، وَكُنْتُ أَجِيرًا لِبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ بِطَعَامِ بَطْنِي، وَعُقْبَةِ (2) رِجْلِي، فَكُنْتُ أَخْدُمُ إِذَا نَزَلُوا، وَأَحْدُو إِذَا رَكِبُوا، فَزَوِّجْنِيهَا اللَّهُ , فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدِّينَ قِوَامًا , وَجَعَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ إِمَامًا» (3).

وقال إمام التابعين سعيد بن المسيب (13 - 93 هـ): رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَطُوفُ بِالسُّوقِ، ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ، فَيَقُولُ: «هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟» فَإِنْ قَالُوا: لاَ، قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ» (4).

فلم يكن أبو هريرة نهماً ذا بطنة، وما كان في يوم عبداً لشهوة بطنه، بل كان يكتفي بما يعلِّلُ به نفسه، أو يمسك عليه رمقه، فإذا ما أصبح لديه خمس عشرة تمرة، أفطر على خمس، وتسحَّر بخمس، وأبقى خمساً لفطره (5).

لقد صبر على الفقر طويلاً حتى أفضى به إلى الظل المديد، والخير الكثير، وبارك الله له في ماله، فكان كثير الشكر لله، يذكر دائماً أيام فقره، ويذكِّرُ الناس نعم ربهم، ويدعوهم إلى الاقتداء برسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، من ذلك أنَّ أبا هريرة مَرَّ بقوم بين أيديهم شاة مصليَّة، فدعوه أنْ يأكل فأبى وقال: «إنَّ رَسُولَ الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا شَبِعَ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ»


http://shamela.ws/browse.php/book-29967#page-76










  رد مع اقتباس
قديم 28-04-17, 05:37 PM   رقم المشاركة : 6
حجازية 1
عضو ماسي








حجازية 1 غير متصل

حجازية 1 is on a distinguished road


ولايته في عهد عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -:

كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قد أرسل أبا هريرة مع العلاء الحضرمي إلى البحرين لينشر الإسلام ويُفَقِّهَ المسلمين ويُعلِّمهم أمور دينهم، فَحَدَّثَ عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأفتى الناس.

وفي عهد عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - استعمله على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: «اسْتَأْثَرْتَ بِهَذِهِ الأَمْوَالِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَعَدُوَّ كِتَابِهِ؟.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «فَقُلْتُ لَسْتُ بِعَدُوَّ اللَّهِ، وَلاَ عَدُوَّ كِتَابِهِ، وَلَكِنِّي عَدُوُّ مَنْ عَادَاهُمَا».
قَالَ: «فَمِنْ أَيْنَ هِيَ لَكَ؟». قُلْتُ: «خَيْلٌ نَتَجَتْ، وَغُلَّةُ رَقِيقٍ لِي، وَأُعْطِيَةٌ تَتَابَعَتْ عَلَيَّ».
فَنَظَرُوا، فَوَجَدُوا كَمَا قَالَ (1).
وفي رواية عنه: «خَيْلٌ لِي تَنَاتَجَتْ وَسِهَامٌ لِيَ اجْتَمَعَتْ. فَأَخَذَ مِنِّي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا».

وفي رواية همام بن يحيى، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طليحة: أنَّ عمر قال لأبي هريرة: كيف وجدت الإمارة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، ونزعتني وقد أحببتها، وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين، قال: أظلمت أحداً؟ قال: لا. قال: فما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفاً. قال: من أين أصبتها؟ قال: كنت أتجر. قال: انظر رأس مالك ورزقك، فخذه واجعل الآخر في بيت المال (3).

أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: «كَيْفَ وَجَدْتَ الإِمَارَةَ؟» قَالَ: «بَعَثْتَنِي وَأَنَا كَارِهٌ، وَنَزَعْتَنِي وَقَدْ أَحْبَبْتُهَا». وَأَتَاهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، قَالَ: «أَظْلَمْتَ أَحَدًا؟» قَالَ: «لاَ» ... قَالَ: «فَمَا جِئْتَ بِهِ لِنَفْسِكَ؟» قَالَ: «عِشْرِينَ أَلْفًا». قَالَ: «مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَهَا؟»، قَالَ: «كُنْتُ أَتَّجِرُ»، قَالَ: «انْظُرْ رَأْسَ مَالِكٍ وَرِزْقَكَ، فَخُذْهُ وَاجْعَلِ الآخَرَ في بيت المال» (3).

فقد قاسمة عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مع جملة من العُمَّال، وكان أبو هريرة يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَمِيرِِ المُؤمِنِينَ» (4).

وبعد ذلك دعاه عمر ليوليه، فأبى، فقال: «تَكْرَهُ الْعَمَلَ وَقَدْ طََلَبَ العَمَلَ مَنْ كَانَ خَيْراً مِنْكَ، يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -!؟».
فقال: «يُوسُفُ نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ، وَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ بْنُ أُمَيْمَةَ، وَأَخْشَى مِنْ عَمَلِكُمْ ثَلاَثاً وَاثْنَتَيْنِ». قَالَ: «فَهَلاَّ قُلْتَ خَمْساً؟». قَالَ: «لاَ، أَخَافُ أَنْ أَقُوْلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَقْضِيَ بِغَيْرِ حِلْمٍ، وَأَنْ يُضْرَبَ ظَهْرِي، وَيُنْزَعَ مَالِي، وَيُشْتَمَ عِرْضِي» (5).



http://shamela.ws/browse.php/book-29967#page-82







  رد مع اقتباس
قديم 28-04-17, 05:46 PM   رقم المشاركة : 7
حجازية 1
عضو ماسي








حجازية 1 غير متصل

حجازية 1 is on a distinguished road


أبو هريرة وفتنة عثمان:

كان أبو هريرة يوم حصار عثمان - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عنده في الدار مع بعض الصحابة وأبنائهم الذين جاءوا ليدفعوا الثوار عن عثمان - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وكان عِدَّةُ من في الدار من المهاجرين والأنصار قريباً من سبعمائة رجل، فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان، وأبو هريرة وخلق من مواليه، ولو تركهم عثمان لمنعوه. إلاَّ أنه كان مسالماً فقال لهم: «أُقْسِمَ عَلَى مَنْ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ أَنْ يَكُفَّ يَدَهُ، وَأَنْ يَنْطَلِقَ إِلَى مَنْزِلِهِ» ... وَقَالَ لِرَقِيقِهِ: «مَنْ أَغْمَدَ سَيْفَهُ فَهُوَ حُرٌّ. فَبَرُدَ الْقِتَالُ مِنْ دَاخِلِ الدَّارِ، وَحَمِيَ مِنْ خَارِجٍ» (1)، وكان فيما قاله عثمان لمن عنده في الدار: «فَأُحَرِّجُ عَلَى رَجُلٍ أَنْ يَسْتَقْتِلَ أَوْ يُقَاتِلَ» ... فتقدَّموا فقاتلوا ولم يسمعوا قوله فبرز الغيرة بن الأخنس و ... و ... وأقبل أبو هريرة والناس محجمون فقال: هذا يوم طاب فيه الضرب، ونادى: يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (2).

وكان أبو هريرة إذن يدافع عن أمير المؤمنين في أشدِّ ساعات الفتنة، بل بقي عنده حتى الرمق الأخير ... وقد أجمعت كل الروايات على وجود أبي هريرة بين الذين دافعوا عن عثمان - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ومعه أعيان الصحابة وبعض أولادهم إلاَّ أنَّ عثمان أبى أنْ يقاتلوا حتى أنه لما مات أبو هريرة كان ولد عثمان يحملون سريره حتى بلغوا البقيع حفظاً بما كان من رأيه في عثمان (3)، كما أمر معاوية واليه على المدينة بأنْ يحسن جوار ورثة أبي هريرة لأنه كان مِمَّنْ ينصر عثمان وكان معه في الدار (4).

...


أبو هريرة في عهد عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -:


بعد وفاة عثمان - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لم يذكر المؤرِّخُون الثقات أبا هريرة في شيء مِمَّا جرى من الحوادث بين سَنَةَ خمس وثلاثين وسَنَةَ أربعين، التي استشهد فيها أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - اللهم إلاَّ ما رواه زياد بن عبد الله البكائي عن عوانه (بن الحكم الكلبي) أنَّ معاوية أرسل بسر بن أبي أرطأة إلى الحجاز - وكان ذلك سَنَةَ أربعين - ودخل المدينة وعليها عامل عَلِيٍّ يومئذٍ أبا أيوب الأنصاري، فَفَرَّ، وطلب بسر البيعة لمعاوية وأتى مكة ثم اليمن، وقتل في اليمن جماعة كثيرة من شيعة عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فلما بلغ عَلِيًّا خبر بسر وجه جارية بن قدامة في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين، فهرب بسر وأصحابه، فطلب جارية البيعة لأمير المؤمنين ولما بلغه استشهاده طلبها للحسن، «وأتى المدينة وابو هريرة يُصلِّي بهم فهرب منه فقال جارية: والله لو أخذت أبا سنور لضربت عنقه» وأخذ البيعة للحسن بن عَلِيٍّ، وأقام يومه ثم انصرف إلى الكوفة وعاد أبو هريرة فصلَّى بهم (1).

إنَّ فرار أبي هريرة من جارية لا يعني قط أنه كان أميراً على المدينة من قبل معاوية، إنما فَرَّ بنفسه خافة بطش قائد فاتح.

وأما غضب جارية عليه فلا يعني أنه كان خصماً لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -، ومؤيداً لمعاوية، فقد يكون غضبه لأنه علم إمامته للناس في صلواتهم حين غاب عن المدينة أبو أيوب الأنصاري - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، الذي كان أمير المدينة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، فظنَّ فيه ظن السوء ... وأراد البطش به، في حين أنه قدم للصلاة بالناس لجلالة قدره.

والراجح القوي أنَّ أبا هريرة اعتزل هذه الفتن، وحثَّ الناس على اعتزلها، إذ كان يروي عن رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قوله:

«سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ» (1).

ولم يثبت عن أبي هريرة أنه اشترك في تلك الفتن والخلافات، وأما ما ذكره أبو جعفر الإسكافي من أنَّ أبا هريرة كان مع النعمان بن بشير في قدومه من دمشق إلى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - في المدينة، لرفع القتال، وحقن دماء المسلمين، على أنْ تكون الشام ومصر لمعاوية، والحجاز والعراق لعَلِيٍّ، فهذا الخبر لم يصح، ولم يروه مؤرِّخٌ ثقة قط، ولم أجده إلاَّ في " شرح نهج البلاغة " (2)، عن أبي جعفر من غير سند، فكيف نحكم على صحته مع مخالفته لصحيح الأخبار؟.

ولو سلَّمنا جدلاً بصحة هذا الخبر، فإنه لا يدل على اشتراك أبي هريرة في الفتنة، كما لا يدل على تحزُّبه لمعاوية أو لعَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -، وإنما يدل على حياده التام، وعلى إجلال الصحابة له، وعلى مكانته عند عَلِيٍّ ومعاوية - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - مِمَّا حمله على محاولة طيبة، وهي إيقاف القتال، وحقن الدماء، ودعوة الفريقين إلى الصلح والسلام. وأنَّ هذه المحاولة تدل على سمو أخلاق أبي هريرة، وحرصه على جمع كلمة المسلمين ونبذ الخلاف، والرجوع إلى الحق.

وبالرغم من أنَّ هذا الخبر لا يدل قطعاً على تشيع أبي هريرة لأحد الفريقين، بل يدل على مكانته ومنزلته بين المسلمين، بالرغم من هذا فإننا نتوقَّف عن الأخذ به إلى أنْ يصح في مصدر موثوق به.

والثابت عن أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - حُبَّهُ لأهل البيت، فقبل صفحات ذكرت حبه للحسن بن عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -، وقد روى مساور مولى بني سعد بن بكر قال: رأيت أبا هريرة قائماً في المسجد يوم مات الحَسَنِ يَبْكِيَ وَيُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ .. مَاتَ الْيَوْمَ حِبُّ رَسُولِ الْلَّهِ - صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَابْكُوْا» (1)

وأنكر أبو هريرة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - على مروان بن الحكم منع دَفْنَ الحسن في حُجْرَةِ السيدة عائشة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - جانب جَدِّهِ - صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأصغى الحسين - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - إليه وكاد ينزل عند رأيه (2).


http://shamela.ws/browse.php/book-29967#page-84




تعقيب :

قلت ( حجازية 1 ) : أن أبو جعفر الإسكافي و إبن ابي الحديد صاحب كتاب ( شرح نهج البلاغة ) هم من رؤوس المعتزلة و قد خالطهما ترفض وفلا علاقة لأهل السنة و الجماعة بهما بالإضافة إلى أن كتاب نهج البلاغة من كتب الشيعة .

http://www.dd-sunnah.net/forum/showp...6&postcount=69


http://www.dd-sunnah.net/forum/showp...0&postcount=35







  رد مع اقتباس
قديم 28-04-17, 05:52 PM   رقم المشاركة : 8
حجازية 1
عضو ماسي








حجازية 1 غير متصل

حجازية 1 is on a distinguished road


أبو هريرة أمير المدينة:

بعد استشهاد أمير المؤمنين عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، بايع الحسن بن عليٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - معاوية بن أبي سفيان. وتنازل له عن الخلافة، فاجتمعت كلمة المسلمين، وانتشر السلام في أنحاء الدولة الإسلامية، وأرسل معاوية ولاته إلى الأمصار والمدن، وكان مروان بن الحكم وَالِيهِ على المدينة، فإذا ما غضب معاوية عليه استعمل أبا هريرة عليها، وإذا غضب على أبي هريرة بعث مروان وعزله (3).

وكان مروان يستخلف أبا هريرة على المدينة حين يتوجَّهُ إلى الحج في ولايته لمعاوية (4). وقد كانت ولاية مروان من سَنَةِ [42 هـ] إلى أنْ عزله معاوية سَنَةَ [57 هـ] أو سَنَةَ ثمان وخمسين (5)، وقد حَجَّ مروان بالناس في ولايته هذه مرتين سَنَةَ [54 و 55]، فيكون استخلافه أبا هريرة على المدينة إما في إحدى هاتين السنتين وإما في كليهما (6).

تلك لمحة موجزة عن أبي هريرة، من خلال الأحداث التي جرت في عهد عثمان - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، وعهد أمير المؤمنين عليٌّ بن أبي طالب
- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - إلى وفاته في آخر خلافة معاوية، وقد كثرت تلك الأحداث مِمَّا أدَّى إلى صعوبة تَقَصِّي سيرة الرجال، وخاصة النواحي السياسية، وذلك لكثرة الروايات واختلافها تارة، أو لقلَّتها وغموضها تارة أخرى.

وخلاصة سيرة أبي هريرة فيها، أنه لم يرض في عهد عثمان أنْ تقوم الفتنة وتراق الدماء، ويثور الناس على الخليفة الثالث من غير حُجَّةٍ ولا دليل، فكان مع عثمان - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يوم الدار، واعتزل ما دار بين أمير المؤمنين عليٌّ بن أبي طالب وأمير الشام معاوية بن أبي سفيان - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -، وتولَّى أحياناً إمرة المدينة أيام معاوية، إما أصالة أو خلافة لمروان بن الحكم أيام حَجِّهِ.


http://shamela.ws/browse.php/book-29967#page-87
..






  رد مع اقتباس
قديم 28-04-17, 05:56 PM   رقم المشاركة : 9
حجازية 1
عضو ماسي








حجازية 1 غير متصل

حجازية 1 is on a distinguished road


بين يدي الفصل:

صحب أبو هريرة رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أربع سنوات، بعد غزوة خيبر، وكان قد زاد على الثلاثين سَنَةٍ، أقام معه حتى توفي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يدور معه في بيوت نسائه، يخدمه ويصلي خلفه، يحُجُّ ويغزو معه، لا ينقطع عن مجالسه، بل كان المسجد مقامه، والرسول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إمامه، فعرف كثيراً من سُنَّةِ رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وشاهد دقائق السُنَّة ووعى تطبيق الشريعة، فأرسله رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - مع العلاء الحضرمي إلى البحرين، فكان مؤذناً وإماماً، عرف رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حرصه على الحديث، وحُبَّهُ للعمل فكان لا يتأخَّر في إجابته عما يسأل، ويدعو له.

وربما تبدو صحبة أبي هريرة قليلة بالنسبة لما يروى عنه من علم جم كثير، إلاَّ أنَّ ملازمته الدائمة لرسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وحرصه على طلب العلم وسعيه وراء ذلك، يدفع أي شك يرد على مروياته.

وقد غضب من مروان بن الحكم مرة، عندما قال له: أكثرت على رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحديث.!! فقال أبو هريرة: «كُنْتُ وَاللَّهِ أَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثِهِ، كُنْتُ وَاللَّهِ أَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثِهِ، قَدْ وَاللَّهِ سَبَقَنِي قَوْمٌ بِصُحْبَتِهِ، وَالْهِجْرَةِ إِلَيْهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ، فَكَانُوا يَعْرِفُونَ لُزُومِي لَهُ، فَيَسْأَلُونِي عَنْ حَدِيثِهِ، مِنْهُمْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَلاَ وَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ كُلُّ حَدِيثٍ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَكُلُّ مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَكُلُّ مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْزِلَةٌ، وَكُلُّ صَاحِبٍ لَهُ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ صَاحِبَهُ فِي الْغَارِ، وَغَيْرُهُ ... » (1) ثم قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «لِيَسْأَلْنِي أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ
...

حرصه على الحديث:

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَاذَا رَدَّ إِلَيْكَ رَبُّكَ فِي الشَّفَاعَةِ؟ فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَسْأَلُنِي عَنْ ذَلِكَ مِنْ أُمَّتِي، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْعِلْمِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا يَهُمُّنِي مِنَ انْقِصَافِهِمْ عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ (2)، أَهَمُّ عِنْدِي مِنْ تَمَامِ شَفَاعَتِي، وَشَفَاعَتِي لِمَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ مُخْلِصًا، يُصَدِّقُ قَلْبُهُ لِسَانَهُ، وَلِسَانُهُ قَلْبَهُ» (3)، وفي رواية: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله خَالِصاً مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ» (4).

لقد شهد رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبي هريرة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - بحرصه على الحديث، فنعم تلك الشهادة، وهنيئاً لمن شهد له بذلك، وشهد بعض الصحابة بأنه كان جريئاً يسأل رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما لا يسأله غيره، من هذا قول أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ جَرِيئًا عَلَى أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ أَشْيَاءَ لاَ نَسْأَلُهُ عَنْهَا» (5).

وَكَانَ يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ (6). وكان يُصَرِّحُ بهذا إلى رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويؤكِّدُ له سروره وفرحه بحضور مجالسه - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

من هذا ما رواه الإمام أحمد بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي إِذَا رَأَيْتُكَ طَابَتْ نَفْسِي وَقَرَّتْ عَيْنِي، فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ. فَقَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ» قَالَ: قُلْتُ: أَنْبِئْنِي عَنْ أَمْرٍ إِذَا أَخَذْتُ بِهِ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: «أَفْشِ السَّلاَمَ، وَأَطْعِمِ الطَّعَامَ، وَصِلِ الأَرْحَامَ، وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، ثُمَّ ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِسَلامٍ» (1).

لقد كان أبو هريرة يشعر بدافع داخلي ذاتي، وإحساس ضمني نحو رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، الذي تطيب نفسه برؤيته - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وينشرح صدره لحديثه، لهذا كثيراً ما نرى أبا هريرة يبذل جهده في خدمة رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى أنه كان يحمل له الماء لقضاء حاجته، وهو في هذا كله ينهل من المعين الصافي، الكثير الطيب، يسأل الرسول تارة، ويسمع منه أخرى، ويجالسه حيناً، ويراه أحياناً؛ فيتعلم دقيق أحكام الشريعة وعظيمها، من هذا ما أخرجه أبو داود بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ، فَتَحَيَّنْتُ فِطْرَهُ بِنَبِيذٍ صَنَعْتُهُ فِي دُبَّاءٍ (2) ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِهِ فَإِذَا هُوَ يَنِشُّ (3)، فَقَالَ: «اضْرِبْ بِهَذَا الْحَائِطَ، فَإِنَّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ». أحب أبو هريرة أنْ يقدم للرسول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ساعة الإفطار، ما يثلج صدره، ويطفئ ظمأه فصنع له (خشافاً) كهذا الذي نصنعه في رمضان من التمر والتين، إلاَّ أنَّ نبيذ (خشاف) أبي هريرة تخمَّر، فأمره رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بطرحه.

إنَّ مثل هذه الوقائع التي كانت تقع لأبي هريرة ولغيره، لا يمكن أنْ ينساها لأنها تمثل جزءًا من حياته، بل تمثِّل فترة بارزة من عمره، عاش فيها مع الرسول الكريم، ورأى بعينه، وسمع بأذنه، ووعى بقلبه. وقد شعر أبو هريرة بالسعادة تخالط نفسه، وبالإيمان يملأ قلبه لملازمته رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان كثيراً ما يشكر الله تعالى على هذه النعمة فيقول: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَى أَبَا هُرَيْرَةَ للإِسْلام، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَ أَبَا هُرَيْرَةَ الْقُرْآنَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم» (1). هنيئاً لك يا أبا هريرة بهذا كله وهنيئاً لجميع المسلمين به أيضاً، بل لتهنأ الإنسانية برسول الإنسانية العظيم، وبرسالته الخالدة التي أرادها الله رحمة للعالمين.

وكان أبو هريرة من أكثر الصحابة حرصاً على الحديث، روى الإمام أحمد بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي خَمْسَ خِصَالٍ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ، أَوْ يُعَلِّمُهُنَّ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟» قَالَ: قُلْتُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّهُنَّ فِيهَا» ثُمَّ قَالَ: «اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ» (2).


http://shamela.ws/browse.php/book-29967#page-101

..






  رد مع اقتباس
قديم 28-04-17, 05:58 PM   رقم المشاركة : 10
حجازية 1
عضو ماسي








حجازية 1 غير متصل

حجازية 1 is on a distinguished road


أمله علم لا يُنْسَى:

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: عَلَيْكَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَإِنِّي بَيْنَمَا أنا وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَفُلاَنٌ فِي الْمَسْجِدِ، ذَاتَ يَوْمٍ نَدْعُو اللهَ، وَنَذْكُرُ رَبَّنَا خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا فَسَكَتْنَا فَقَالَ: «عُودُوا لِلَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ» قَالَ زَيْدٌ: فَدَعَوْتُ أَنَا وَصَاحِبَيَّ قَبْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِنَا، ثُمَّ دَعَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِثْلَ مَا سَأَلَكَ صَاحِبَايَ هَذَانِ، وَأَسْأَلُكَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «آمِينَ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللهَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى، فَقَالَ: «سَبَقَكُمْ بِهَا الْغُلاَمُ الدَّوْسِيُّ» (1).

...

مجالسه ونشره الحديث:

كان أبو هريرة يُحَدِّثُ عن رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المدينة المنورة، وفي مكة المكرمة، كما حَدَّثَ في دمشق، وحفظ عن أهلها، وحَدَّثَ في العراق والبحرين، وكان يُحَدِّثُ حيثما حل، ويفتي الناس بما سمع من الرسول الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - ومن يتتبَّع حديثه يرى أنه قد جعل بيته معهداً للمسلمين يتردَّدُون إليه، ليسمعوا حديث رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (2)، كما كان يستقبل طلاب العلم في أرضه بالعقيق (3)، ويُحدَّثُهُمْ ويكرمهم، ويدخل السرور عليهم بما أنعم الله عليه من حُسن المعشر، ولطيف الخلق، وكثرة العلم والخير.

وكانت أكثر مجالسه في المسجد النبوي إلى جانب الحُجرة المشرفة، وقد عرف الناس فضله ومكانته، فكانوا يرجعون إليه في كثير من أمورهم، وكان يفتي بوجود علماء الصحابة، وكان بعض الصحابة كزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس يحيلون السائل عليه، لأنهم عرفوا علمه واتقانه، فعن معاوية بن أبي عياش الأنصاري، أنه كان جالساً مع ابن الزبير، فجاء محمد بن إياس بن بكير، فسأل عن رجل طلَّق ثلاثاً قبل الدخول، فبعثه إلى أبي هريرة، وابن عباس - وكانا عند عائشة - فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، قد جاءتك معضلة، فقال: «الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلاَثُ تُحَرِّمُهَا» (4).

ونقل لنا أبو داود عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، سُئِلُوا عَنِ الْبِكْرِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا ثَلاَثًا؟ فَكُلُّهُمْ قَالُوا: «لاَ تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (1).

وروى أبو داود عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ: «كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدْ تَتَابَعُوا فِيهَا، قَالَ: أَجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ» (2). لما رأى عمر الناس يتابعون إيقاع الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد، استشار الصحابة في أنْ يجيزوها ثلاثاً زجراً لهم. فأوقعها عمر ثلاثاً (3)، والظاهر من فتوى أبي هريرة أنها كانت بعد أنْ أجرى عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - إيقاع الثلاث زجراً للناس.

وكان حُبُّهُ لرسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يظهر من خلال حديثه عنه، فكان أحياناً يقول: «حَدَّثَنِي الصَّادِقُ المَصْدُوقُ»، وأحياناً: «حَدَّثَنِي خليلي أبو ألقاسم»، ومَرَّةً يقول: «حَدَّثَنِي حَبِيبِي مُحَمَّدٌ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -»، وقد يقول: «قَالَ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَخْنَقُهُ عَبْرَةُ الذِّكْرَى وَيَنْهَضُ مِنْ مَجْلِسِهِ» (4).

وكان يبتدئ حديثه بحديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ». روى عاصم بن كليب عن أبيه قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: - وكان يبتدئ حديثه بأنْ يقول -: قال رسول الله، أبو القاسم الصادق المصدوق: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (5).


http://shamela.ws/browse.php/book-29967#page-105








  رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:41 PM.


Powered by vBulletin® , Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
" ما ينشر في المنتديات يعبر عن رأي كاتبه "